NATURE | أخبار

تأريخ غير مسبوق لرسوم من العصر الحجري في جنوب أفريقيا

قد تمنحنا بحوث الفن الصخري القديم تصوُّرًا عامًّا لكيفية تفاعُل الشعوب مع بعضها البعض قبل 5,700 عام.

سارة وايلد

Nature (2017) doi:10.1038/545014a | Published online | English article

لأول مرة يتم تحديد تاريخ هذه الرسوم الصخرية، التي عُثِرَ عليها في مقاطعة الكاب الشرقية في جنوب أفريقيا، إلى جانب رسوم أخرى في بوتسوانا، وليسوتو.

لأول مرة يتم تحديد تاريخ هذه الرسوم الصخرية، التي عُثِرَ عليها في مقاطعة الكاب الشرقية في جنوب أفريقيا، إلى جانب رسوم أخرى في بوتسوانا، وليسوتو.

Adelphine Bonneau

للمرة الأولى، تمكَّن العلماء من تحديد تاريخ رسوم صخرية في جنوب أفريقيا - تعود إلى العصر الحجري - بشكل مباشر ودقيق. تكشف دراستهم أن الشعوب القديمة التي كانت تعيش على الصيد وجمع الطعام صنعت فنًّا في ثلاثة مواقع بالمنطقة، قبل حوالي 5,700 عام (A. Bonneau et al. Antiquity 91, 322-333; 2017). وتفتح هذه الاكتشافات الباب أمام علماء الآثار وغيرهم من الباحثين، لتأريخ آلاف الرسوم الصخرية الأخرى في هذا الجزء من أفريقيا، ومن ثم تكوين تَصَوُّر عام لحياة القدماء وقتئذ، وتطورهم.

ركزت الدراسة على رسوم وُجدت في المنطقة التي تُعرف اليوم بمدينة "بتسوانا" في جنوب أفريقيا، وليسوتو، رسمها شعب "البوشمن" (السان)، الذي ما زال نسله المباشر يعيش في المنطقة حتى اليوم. أُجريَت دراسات كثيرة حول شعب البوشمن، لكنْ بقيت أمور غامضة عديدة لم تُكتَشَف بعد، حول طريقة عيشهم، وتفاعلهم مع المجموعات الأخرى، مثل المزارعين القدامى.

يقول ديفيد بيرس، عالِم الآثار، ورئيس معهد "روك آرت" بجامعة ويتواترسراند في جوهانسبيرج في جنوب أفريقيا، الذي شارك في كتابة الدراسة الأخيرة: "إذا كنا قادرين على تحديد تاريخ رسوم الماشية والبضائع المرتبطة بالمجموعات الوافدة، فربما نستطيع البدء في إماطة اللثام عن طبيعة التفاعلات بين المجموعات في هذا الشكل المبكر من التواصل".

يقول بيرس إنه قبل أقل من ألفي عام فقط، أتت مجموعات تعيش على الرعي والزراعة إلى جنوب أفريقيا بشكل منفرد، حيث التقت بالمجموعات التي تعيش على الصيد وجمْع الثمار، مثل شعب البوشمن. يقول: "نحن نعرف القليل نسبيًّا عن هذه المجموعات، بسبب ندرة الأدلة الأثرية". وتُظهِر الرسوم الصخرية أن هذه المجموعات كانت تتفاعل مع بعضها البعض، لكنها إذ كانت قد اكتُشِفَت في مواقع لا تحتوي على قطع أثرية أخرى، فلذلك، لم يتم تأريخها بشكل موثوق.

يقول بيرس: "ما كنا نفعله سابقًا كان في غير محله". ويضيف قائلًا إنه "رغم أننا نعرف الكثير عن معاني هذه الرسوم، فإن التقنيات العلمية لم يتم تطبيقها بشكل واسع على الاكتشافات الأثرية في المنطقة". كما يقول إن خبراء كثيرين افترضوا أن الدهان الأسود المستخدَم في الرسوم الأفريقية كان يتألف بشكل أساسي من مركبات المنجنيز، وأن القطع الفنية الصخرية قد احتوت – بالتبعية - على كميات ضئيلة جدًّا من الكربون، لا يمكن الاعتماد عليها في التأريخ. ونتيجة لذلك، فإن التقنيات التي طُورت في أوروبا وفي غيرها لم يتم تطبيقها من قبل في أفريقيا.

بيد أن الرسوم الصخرية بجنوب أفريقيا في الواقع مهمة للغاية. يقول عالِم الآثار أليستير بايك، من جامعة ساوثامبتون بالمملكة المتحدة، الذي لم يشارك في البحث المذكور: "كانت دراسات التراث العرقي لفن شعب السان – البوشمن - هي حجر الأساس للعديد من نماذج التفسير الاجتماعي للفن، التي ما زلنا نستخدمها حتى اليوم". كما يمكن للرسوم التي تركها شعب البوشمن وغيرهم أن تساعد الباحثين على تحديد تواريخ أحداث أخرى مهمة، ومنها تاريخ ظهور الطقوس الدينية القديمة.

إن تأريخ الرسوم الصخرية يُعتبر فنًّا صعبًا في حد ذاته، فاستخراج العينات المهمة يضر بالرسوم، كما أنه يصعب تمييز المواد الأصلية من الملوثات الحديثة، إذ تتراكم المركّبات التي تحتوي على الكربون على الرسوم مع مرور الزمن، وتؤثر على عملية التأريخ بالكربون المشع. ولا يكفي أن تعرف أن العينة تحتوي على الكربون؛ فالفحم المستخدَم في الرسم - على سبيل المثال - يمكن أن يتسبب في إضافة قرون إلى عمر الرسم الفعلي، ومن ثم يؤثر على نتائج اختبارات الكربون.

 

أصباغ من نسج الخيال

تقول أديلفين بونو، باحثة ما بعد الدكتوراة بجامعة لافال في كيبك في كندا، وهي المؤلف الأول للبحث: "بينما كنا نصنف الدهانات المختلفة، أدركنا أن شعب البوشمن قد استخدم ثلاث مواد مختلفة لصنع الدهان الأسود: الفحم، والسخام، وأسود الكربون، التي هي بمثابة دهون أو شحوم محروقة". وكان لا بد من إنتاج السخام وأسود الكربون قبل استخدامهما ببضع ساعات، وهو ما يعني أنه يمكن اختبارهما للحصول على تاريخ دقيق.

وقد استند فريق بونو إلى هذه الحقيقة في تقنيتهم متعددة المراحل. أولًا، أخذ الباحثون عينات صغيرة جدًّا - يقل حجمها عن ملِّيمتر مربع واحد - وحددوا تركيبها الكيميائي. وكانوا عندما يعثرون على نِسَب من الكربون تكفي لاختبارها، يأخذون عينة أكبر. أزال الفريق مركّبات السطح التي تراكمت على مدار قرون، مثل أوكسالات الكالسيوم، التي تؤثر على نتائج الاختبارات، ثم حددوا بعد ذلك عُمْر العينة، عن طريق التأريخ بالكربون.

شَكَّك عالِم الآثار جورج سوفيت - من مركز "إميل كارتيلاك" لبحوث ودراسات فن ما قبل التاريخ بجامعة تولوز جان جوريه في فرنسا - في كفاءة عملية التنظيف، قائلًا: "يبدو أنهم حَذِرون بشأن الكشف بوضوح عن إزالتهم التامة لأوكسالات الكالسيوم، ولا أعرف لماذا".

أمّا بايك، فقد رحَّب بالتقنية وبالنتائج، إلا أنه حذَّر من أنها ربما لا تكون مناسِبة للمواقع الأقدم التي يوجد بها المزيد من الملوثات العضوية. ويقول: "لو كانت هذه الرسوم أقدم، لكنتُ أكثر حَذَرًا في قبول هذه النتائج"، إلا أن المواقع الحديثة المصنوعة من مواد مشابِهة يمكن تأريخها باستخدام هذا الأسلوب.

ويضيف بايك: "آمل أن يتمكن الفريق من الاستمرار في تأريخ الرسوم الموجودة في أفريقيا، فالأشكال الأولى للتعبير الرمزي عُرِفَت في أفريقيا، وربما تكون هناك رسوم أقدم، لم يُعثَر عليها بعد، أو لم تُؤَرَّخ بعد".