NATURE | تحقيق إخباري

مختبرات الجيب

الهواتف المحمولة تساعد على أَخْذ العلوم القائمة على المختبرات التقليدية إلى الميدان، والفصل الدراسي، والعيادة.

جفري إم. بِركل

Nature (2017) doi:10.1038/545119a | Published online | English article

حصل الباحثون على هذه الصور لساحل بولينزيا الفرنسية عن طريق تحميل هاتف ذكي على طائرة "كودي" ورقية فائقة الاستقرار.

حصل الباحثون على هذه الصور لساحل بولينزيا الفرنسية عن طريق تحميل هاتف ذكي على طائرة "كودي" ورقية فائقة الاستقرار.

E. Reynaud/N. Le Bescot/J. Girardot/UCD/VA'A MOTU/Explore

مع نهاية الربيع وبداية الصيف، على طول الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية، يبدأ التفكير في العُطلات، والشواطئ، والنزهات، والبعوض. وليست مقاطعة برِنس ويليام بولاية فيرجينيا في الجنوب الغربي من واشنطن العاصمة استثناءً من القاعدة. ففي عام 2016، جهز المسؤولون في المقاطعة مصائد لجمع البعوض، واختباره؛ بهدف اكتشاف وجود الفيروسات المسببة للأمراض. عادة ما تشتمل عملية الاختبار على أخْذ الحشرات إلى المختبر، وتحليلها؛ بحثًّا عن مؤشرات على وجود أحماض نووية مسببة للأمراض؛ وهي عملية قد تستغرق أيامًا كاملة، غير أنه في شهر سبتمبر الماضي، تمكَّن جوزيف راسل من الحصول على تلك البيانات نفسها داخل صالون سيارته المريح، مكيَّف الهواء، بفضل هاتفه الذكي، وجهاز محمول باليد يُعرف باسم "تو3" two3 من صنع شركة "بايوميم" في فيلاديفيا بولاية بنسلفانيا.

يمكن لـ"تو3" - الذي يساوي حجمه حجم مُكَبِّر صوت صغير في جهاز كمبيوتر محمول، ويَجري التحكُّم فيه بواسطة هاتف "آيفون" متصل به - أن يختبر ثلاث عينات من الأحماض النووية؛ بحثًا عن سلسلتين مستهدفتين في وقت واحد. ويمكنك ببساطة أن تفتح أعلى الجهاز، وتضع أنابيب العينات فيه، وتضغط زر البدء. يقول راسل بحماس: "إنه أمر مدهش". وراسل هو باحث ما بعد الدكتوراة في مؤسسة "إم آر آي جلوبال" في جايثرسبرج بولاية ميريلاند، وهو الذي قام بتشغيل الجهاز الذي كان موضوعًا على حامل الأكواب في سيارته أثناء انتقاله من موقع إلى آخر. ويُضيف راسل: "بحلول الوقت الذي جمعتُ فيه المجموعة الثانية من البعوض، كنتُ قد عرفت نتائج المجموعة الأولى من الموقع السابق".

توضِّح تجربة راسل السهولة التي يَنقِل بها الباحثون عِلْمهم من المختبر إلى الميدان، بفضل أداة متزايدة القوة والقدرة، يحملها كثير من الناس بالفعل في جيوبهم؛ وهي الهاتف الذكي.

يقول أيدوجان أوزجان - مهندس الكهرباء والبيولوجيا بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجيليس - إن الهاتف الذكي الذي يجمع بين جهاز كمبيوتر، وكاميرا، وجهاز تحديد المواقع العالمي جي بي إس GPS، وشبكة اتصال، وأجهزة استشعار، وبطاريات في حزمة واحدة مدمجة يشبه "سكين الجيش السويسري" متعددة الاستعمالات، التي يمكن استخدامها في كل مكان تقريبًا. أمضى أوزجان العقد الماضي في تطوير تطبيقات وأجهزة تُحَوِّل الهواتف الذكية إلى مَجاهر وأجهزة استشعار بيولوجية متزايدة الكفاءة.

ومع وجود مليارات الأجهزة قيد الاستعمال، وشبكات خلوية آخذة في التحسن باستمرار، من حيث التغطية، وسرعة نقل البيانات، يستخدم الباحثون هواتفهم لنقل عِلمهم إلى أماكن أبعد كثيرًا.

إنّ الهواتف الذكية — على الرغم مما وصلت إليه من قدرة — صُنعت في البداية وعيون مُصَنِّعِيها على السوق الاستهلاكية، لا العِلْم. وفي سعيهم لكَسْب الزبائن، يوسِّع المُصَنِّعون باستمرار حدود ما يمكن لهواتفهم أن تفعله، خاصة فيما يتعلق بجودة كاميرات التصوير. يقول أوزجان: "كم عدد المستهلكين الذين "يحتاجون" إلى كاميرا، دِقَّتها 40 ميجا بكسل؟ ربما كانت نسبتهم ضئيلة للغاية"، لكنه يضيف قائلًا إن العلماء يمكن أن يستفيدوا من مستشعِرات الصور المُحَسَّنة تلك، ومن المزايا التي توفِّرها.

كثيرًا ما يستطيع الباحثون الاستفادة من تلك المزايا بالخروج عن طرق الاستخدام المألوفة، دون الحاجة إلى تطبيقات متخصصة تؤدي وظائف معينة. فقد ابتكر ماثيو ديتس - جَرّاح تقويم العظام في كلية الطب بجامعة وست فيرجينيا في مورجانتاون - طريقة لقياس نطاق حركة مفاصل الأطراف، باستخدام مقياس التسارع في أجهزة "آيفون"، وهو أداة الاستشعار المدمجة في الجهاز، التي تتيح للمستخدمين التحكُّم في ألعاب الفيديو بإمالة شاشاتهم. يقول ديتس إنّ رد فعل زملائه كان الاندهاش، ويضيف قائلًا: "لم أكن أعلم أن هاتفي يمكنه أن يفعل ذلك!".

واليوم، تُستخدم الهواتف الذكية في طيف واسع من الأغراض العلمية والطبية. وقد استَخدمت مجموعة أوزجان تلك التكنولوجيا في تصميم أجهزة تصوير أكثر تعقيدًا، وأكثر حساسية، ومن بينها أجهزة تستطيع تصوير فيروسات منفردة، وجزيئات الحمض النووي. وطوَّر المهندس الميكانيكي ديفيد إريكسون، وعالِم التغذية سورابه مِهتا - وكلاهما في جامعة كورنيل في إيثاكا بنيويورك - نظامًا معتمِدًا على أجهزة "آيفون"، يُسمى "نيوتري  فون" NutriPhone، يمكنه اختبار وجود "المغذيات الدقيقة"، مثل فيتامين ب12، والحديد في دم المرضى. في البداية، كان المستخدمون يضعون شريحة اختبار داخل أداة مساعدة تُوضَع أمام كاميرا الهاتف؛ غير أن "إريكسون" طوَّر الآن نسخة لاسلكية تقلل الاتصال بين العينات المأخوذة من الجسم، وبين الهاتف إلى أدنى حد. يقول إريكسون: "إذا كنتَ تُجْرِي تشخيصًا، خاصة إذا كان لعدد من الأشخاص، باستخدام هاتفك الشخصي، فثمة احتمال لانتقال التلوث من العيِّنة إلى الهاتف، وبعدئذ تضعه على أذنك، ثم مَن يدري ماذا يمكن أن يحدث؟". وقد أَسَّس إريكسون شركة باسم "فيتاسكان" في إيثاكا؛ لتسويق تلك التكنولوجيا تجاريًّا.

هذا، وهناك مُسَلسِلات من الحمض النووي معتمِدة على الهاتف الذكي. ففي المملكة المتحدة، أعلنت شركة "أوكسفورد نانوبور تكنولوجيز" عن جهاز تجاري، يُسمى "سميدج آيون" SmidgION، وهي تتوقع أن يكون جاهزًا لطرحه في الأسواق بحلول نهاية عام 2017. وفي شهر يناير، استعرض ماتس نيلسون - من جامعة ستوكهولم، ويعمل مع أوزجان - أداة ملحقة بهاتف ذكي صُنع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، مهمتها الكشف عن طفرات الحمض النووي في قطاعات من النسيج. استخدم الفريق الجهاز (مع هاتف "نوكيا لوميا 1020"، يعمل بنظام التشغيل "ويندوز") من أجل عَدّ الخلايا السرطانية باستخدام تقنيات تألُّقية فلوريسنتيّة، ويأمل نيلسون في أنه سيتيح في النهاية التشخيص السريع لدرنات مرض السل المقاوِمة للمضادات الحيوية في الهند؛ وهي حالة عادة ما يستغرق كَشْفها شهورًا في ذلك الجزء من العالم.

 

ديمقراطية التشخيص

ربما لم تكن قدرة الهواتف الذكية على تغيير القواعد أكثر جلاءً مما هي عليه في الدول النامية. ففي البيئات "فقيرة الموارد"، عادة ما يكون وجود الأشخاص المدرَّبين نادرًا، وتكون الأجهزة المخبرية أكثر ندرة. وغالبًا ما تكون البنية التحتية الأساسية - مثل الكهرباء، والماء الجاري النظيف - لا يُعتمد عليها، غير أن الشبكات الخلوية توفِّر قدرًا أكبر من المرونة.

في عام 2014، قضى آيزاك بوجوك – المتخصص في طب المناطق الاستوائية في معهد بحوث مستشفى تورونتو العام بكندا - بعض الوقت في بلدة جراند موتشو الريفية في جنوب كوت ديفوار؛ باحثًا عن دليل على وجود مرض طفيلي، يُسمى داء البلهاريسيات (الأكثر شهرة باسم البلهارسيا)، وهو مرض يؤدي إلى مضاعفات في الكبد، والمعدة، والأمعاء، والجهاز البولي التناسلي.

إنّ أداة "السلسكوب" الملحَقة بالهاتف الذكي تتيح للتقنيين - وهُم على مكاتبهم - فحص العينات؛ لكشف وجود الطفيليات.

إنّ أداة "السلسكوب" الملحَقة بالهاتف الذكي تتيح للتقنيين - وهُم على مكاتبهم - فحص العينات؛ لكشف وجود الطفيليات.

ISAAC BOGOCH

يقول بوجوك إن داء البلهاريسيات مستوطن في كوت ديفوار. والمرض، الذي ينتشر عن طريق الماء الملوث، يسهل تشخيصه وعلاجه في حال تَوَفَّر مجهر لموظفي الرعاية الصحية، وتَوَفَّر لهم التدريب على استخدامه؛ وهو ما لا يتوافر غالبًا.

ولسدّ هذه الفجوة، حوَّل بوجوك وزملاؤه بعض الهواتف الذكية إلى مَجاهر محمولة، ودرَّبوا التقنيين المحليين على كيفية استخدامها في فحص بول وبراز المرضى المشتبه في إصابتهم. يقول بوجوك: "بدلًا من نقل الناس أو العينات إلى المختبرات البعيدة، بإمكاننا جلب المختبرات إليهم". ويُضيف قائلًا إن مثل هذه الاستراتيجيات تضفي شكلًا ديمقراطيًّا على الرعاية الصحية؛ لكنها تسهِّل أيضًا الرصد الوبائي، وتفتح الباب أمام تحليل الصور عن بُعد، وحتى التحليل الآلي. وعلى سبيل المثال، طَوَّر يوهان لوندين - مدير البحوث في معهد الطب الجزيئي الفنلندي بجامعة هلسنكي - ماسِح شرائح فلوريسنتيًّا آليًّا باستخدام مكونات هاتف محمول، واختبره مؤخرًا في تنزانيا في بحثه أيضًا عن عدوى البلهاريسيات. يقول لوندين إنه على الرغم من عدم وجود كهرباء في المدرسة التي أُجريت فيها التجربة، أمكن إرسال صور الشرائح التي جُمعت في الميدان إلى أجهزة خادم في هلسنكي، بمعدل 20 حقل رؤية في الثانية، عبر شبكة الهواتف المحمولة، ثم أمكن تنزيلها مرة أخرى في تنزانيا؛ من أجل التقييم الفوري. أَسَّس لوندين أيضًا شركة "فيمّيك" ؛ من أجل تسويق تحليل شرائح مسبِّبات الأمراض الآلية تجاريًّا على شبكة الإنترنت.

درَّب فريق بوجوك مستخدمي مَجاهر محليين على التعرف على بيوض ديدان البلهارسيا في بول وبراز البشر في المناطق الريفية. وبدلًا من العمل في بيئة المختبَر المعهودة، يقومون بالتحليل على "طاولة بسيطة خارج عيادة ميدانية".

استُخدمت في الاختبار أداة ملحقة بسيطة بهاتف محمول، صُنعت بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، وتُسمى "سِلسكوب شيستو" CellScope Schisto، وجرى تطويرها في مختبر دانييل فلتشر، وهو مهندس بيولوجي بجامعة كاليفورنيا في بركلي. يتكون "السلسكوب" أساسًا من علبة ذات غطاء، تضع عدسة هاتف محمول مقلوبة فوق كاميرا الهاتف الذكي؛ من أجل تكبير الصورة. كما اختبر الفريق أيضًا مجهرًا تجاريًّا محمولًا باليد، يُسمى "نيوتن إن إم 1" Newton Nm1، وقارنوا النتائج التي حصلوا عليها بتلك المأخوذة باستخدام مجهر طبي عادي. كان كلا الجهازين المحمولين حساسَين لمستويات منخفضة من العدوى، لكن أداء "إن إم 1" كان أفضل، ربما لأن "السلسكوب" لا يحتوي على وظيفة مدمجة لمسح الشرائح، كما يقول بوجوك. ويقوم الفريق الآن بمعالجة هذا القصور (J. T. Coulibaly et al. PLoS Negl. Trop. Dis. 10, e0004768; 2016).

وفي هذه الأثناء، استخدم فريق فلتشر "السلسكوب" في البحث عن أدلة على وجود عالة طفيلية أخرى، وهي دودة اللوا اللوائية الفيلارية الأسطوانية في الكاميرون.

ولفعل ذلك، زَوَّد فريق فلتشر عدسة "السلسكوب" المقلوبة بصَفّ من الصمامات الثنائية المشعة للضوء (LEDs)، وأردوينو (وهو جهاز يُستخدم فيه كمبيوتر صغير جدًّا منخفض التكلفة، ويعتمد عليه الباحثون بشكل متزايد في جمْع البيانات وتحليلها)، وبلوتوث، ومنصة آلية لتحريك العينة، ويَجري التحكُّم في تلك المكونات جميعًا بواسطة هاتف ملحق بها. ولإجراء الاختبار، يضع الباحثون - الذين يعملون مع نظراء لهم في فرنسا، والكاميرون، ومعاهد الصحة الوطنية الأمريكية - قطرة دم غير معالَجة لأحد المرضى في أنبوب شعري، ثم يضعون الأنبوب في الجهاز الملحق بالـ"آيفون"، ويلتقطون أفلامًا قصيرة، مدة كل منها 5 ثوان لحقل رؤية واحد من الأنبوب الشعري كل مرة. وبهذه الطريقة، يمكنهم البحث عن اضطرابات في توزيع كريات الدم الحمراء مما يدل على وجود دودة اللوا اللوائية المتلوية. وتُحلَّل الصور في الهاتف نفسه خلال ثلاث دقائق، من لحظة وخْز الإصبع، حتى لحظة التشخيص.

يعطي هذا الجهاز نتائج تضاهي تلك التي يعطيها تحليل الدم الشائع، من دون أي نتيجة سلبية كاذبة، ونتيجتين موجبتين كاذبتين فقط من 33 عينة (M. V. D’Ambrosio et al. Sci. Transl. Med. 7, 286re4; 2015). ويقول فلتشر لقد جرى التحقق منذئذ من النتائج لدى مئات الأشخاص المصابين بالعمى النهري، الذي تسبِّبه الدودة كلاَّبية الذنب المتلوية. ويُضيف: "إن صنع جهاز في المختبر، على غرار ما يحب الأكاديميون فعله، وبيان أنه يمكن أن يعمل لَشَيءٌ جيد، أما صنع أجهزة تعمل بكفاءة، ويمكن الاعتماد عليها في الميدان، فهي نقلة مجهدة جدًّا؛ لكنها نقلة مُرضية للغاية حينما تُفلِح بالفعل".

 

تطبيقات أوسع

يَستخدم آخرون هواتفهم الذكية لأغراض ذات صلة بالتعلم. فقد عملت طالبتا الدراسات العليا في الهندسة الحيوية بجامعة بنسلفانيا، ميجان سبِرِّي، وهايدي نورتون، مع شركة "بايوميم" Biomeme، والمجموعة التعليمية "تك جيرلز" TechGirlz؛ من أجل تعريف 18 طالبة من طالبات المدارس بمجال البيولوجيا الجزيئية الحديث باستعمال أجهزة "آيفون".

طلب الفريق طبق سمك ساشيمي طازج من ثلاثة مطاعم في فيلادلفيا، واختبر السمك باستعمال جهاز "تو3"؛ لمعرفة ما إذا كانت قائمة الطعام تَصِف نوع السمك بدقة، أم لا. ولم يكن الوصف صحيحًا في حوالي نصف الحالات.

تقول سبِرِّي إنه بالنسبة إلى الطالبات، فالقدرة على"الربط" بين الفصل الدراسي والحياة الواقعية جعلت التجربة مثيرة للغاية. وتضيف: "كانت تجربة مثالية، باعتبارها أول تجربة مخبرية. إنها مثال من عالَم الواقع: ثمة سمكة نستقصي تكوينها الجيني، ونرى ما إذا كانت هي السمكة المطلوبة، أم لا".

واستخدم آخرون هواتفهم لصنع مَجاهر تعليمية. فعلى سبيل المثال، طوَّر المهندس البيولوجي إينجمار ريدل-كروز - بجامعة ستانفورد في كاليفورنيا – "لودوسسكوب" LudusScope بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. يحتوي الجهاز على صمامات ثنائية مشعة للضوء، يُتحكَّم فيها بواسطة عصا ألعاب، يمكن للطلاب استعمالها لدفع حيوانات الأوالي وحيدة الخلية الحساسة للضوء ضمن حقل الرؤية. وقام جوليان كولومبيلي - وهو مهندس، ومدير المرفق المركزي للمجهرية الرقمية المتقدمة بمعهد بحوث الطب الحيوي في برشلونة بإسبانيا - بالجمع بين قدرة الهواتف الذكية، و"الليجو"؛ لتوضيح مبادئ مجهرية صحيفة الضوء.

يقول كولومبيلي إن نظام "ليجوليش" LEGOLish لا يُعَدّ مجهرًا حقيقيًّا؛ فهو لا يحتوي على عدسات مكبرة، لكنه يستطيع تصوير أجسام، تتراوح مقاساتها بين سنتيمتر واحد، وسنتيمترين، وهو حجم جنين فأر تقريبًا.

"بدلًا من نَقْل الناس أو العيِّنات إلى المختبرات البعيدة، بإمكاننا جَلْب المختبرات إليهم".

يُمرِّر النظامُ الضوءَ من صمام ثنائي ليزري رخيص، عبر أنبوب مليء بالماء، ويعمل كعدسة أسطوانية؛ لتكوين صحيفة رقيقة من الضوء. وتقوم مجموعة من تروس "الليجو" بنقل العينة وتدويرها عبر صحيفة الضوء؛ لإنتاج قطاعات ضوئية، يَجري التقاطها بعدئذ بواسطة الهاتف. يتكلف الجهاز - من دون الهاتف - حوالي 200 دولار أمريكي.

صَمَّم كولومبيلي مع زميله خوردي أنديلا - الذي يعمل في معهد العلوم الفوتونية في برشلونة أيضًا - نظام "ليجوليش" في البداية لاستعماله كجوائز لأفضل لوحات الإعلانات في مؤتمر مجهرية صحيفة الضوء، الذي نَظَّمَاه في عام 2014، لكنهما حَدَّثا التصميم بعد ذلك؛ لجَعْله ملائمًا للتطبيقات العلمية، لكنْ بتكلفة أكبر بعشرة أضعاف. يقول كولومبيلي إنه يمكن للباحثين استخدام ذلك التصميم المعدَّل، المصمَّم كإضافة للاستريوسكوب ذي الرؤية ثلاثية الأبعاد، لإتقان إجراءات تجهيز عيِّناتهم قبل حجز موعد على جهاز المرفق المركزي للمجهرية الرقمية المتقدمة. ويضيف: "نعتقد أن هذا يمكن أن يساعد العديد من المختبرات، لأنه سيتيح لهم الحصول بسهولة على نظام يمكنهم صنعه واستخدامه في غضون أسبوع، مقابل أقل من 2000 دولار أمريكي".

 

من المختبر إلى الميدان

إنّ قابلية الهواتف الذكية للنقل تجعلها مفيدة للغاية في المواقع النائية. ففي أواخر العام الماضي - على سبيل المثال - أخذ بيتر كاونتوَيْ - عالِم البيولوجيا المكروية البحرية في مختبر بيجَلو لعلوم المحيطات في شرق بوثبَيْ بولاية مَيْن - جهاز شركة "بايوميم تو3" إلى محطة بَالْمَر في شمال القارة القطبية الجنوبية. استخدم هو وفريقه الجهاز، لدراسة كيفية استقلاب البكتيريا البحرية للديميثيلسولفونيوبروبيانات dimethylsulfoniopropionate، وهو مركّب عضوي كبريتي، تُنتِجه العوالق النباتية الدقيقة المشارِكة في صنع أنماط الطقس العالمية.

وأخذ إيمانويل رينود - في كلية دبلن الجامعية - هاتفه الذكي إلى جزيرة فاكارافا المرجانية الصغيرة في بولينزيا الفرنسية؛ لدراسة صحة وبِنْيَة الشعاب المرجانية ضمن مجموعة من مقاسات الطول. وللحصول على أوسع زاوية رؤية، جَمَع فريقه بين تكنولوجيا القرن الواحد والعشرين، والطائرة الورقية "كودي" Cody، وهي طائرة ذات تصميم فائق الاستقرار، طَوَّرها رائد مجال الطيران، صامويل فرانكلين كودي، في عام 1901.

استخدم الفريق الطائرة الورقية لحَمْل هاتف "أندرويد" رخيص في الهواء، ثم سَحَب زورق صغير الطائرة لمدة ست ساعات تقريبًا. التقط الهاتف صورة كل 20 دقيقة، ثم ضغط الصور، وأرسل البيانات إلى كمبيوتر في أسفل. عُولجت الصور فيما بعد، من أجل رسم خريطة ثلاثية الأبعاد للشعاب المرجانية. وبلغت تكلفة التجهيزات الكلية حوالي 400 دولار؛ وهي قيمة زهيدة، أتاحت لهم تَرْكها للباحثين المحليين؛ لمتابعة عملية الرصد، بعد عودة الفريق إلى دبلن.

يقول رينود إنه حتى في جزيرة فاكارافا - التي يبلغ تعداد سكانها 400 نسمة فقط - تنتشر الهواتف في كل مكان. ويضيف: "إننا نريهم فقط أنه بدلًا من إرسال الرسائل النصية طوال الوقت، بإمكانهم أيضًا القيام بأشياء مفيدة".

 

.. وإلى العيادة

يمكن للهواتف الذكية (والأجهزة ذات الصلة القابلة للارتداء، مثل ساعة أبل، وفيتبيت، وساعة الدراسة التي أَعلنت عنها مؤخرًا شركة "ألفابت" أن تجمع بيانات ذات أهمية طبية، مثل عدد الخطوات، ومعدَّل نبض القلب. ففي شهر إبريل الماضي، ذكر موقع أخبار الأعمال الأمريكي CNBC أن شركة "أبل" كانت تقوم بتطوير مستشعِرات؛ لقياس سكر الدم عبر الجلد. ويحاول الباحثون إيجاد طرق جديدة، لاستخدام مثل هذه البيانات في الإجابة عن أسئلة ذات صبغة علمية.

تتيح تطبيقات "أبل ريسيرش كيت"  - على سبيل المثال - للعلماء استخدام أجهزة "آيفون" في تجنيد الناس في مجال الدراسات الطبية، بالإضافة إلى إجراء الدراسات أيضًا. تقول إيفان تشان، مديرة الطب المشخصن والصحة الرقمية في معهد علوم الجينوم والبيولوجيا متعددة المستويات في كلية آيكان الطبية بماونت سيناي في مدينة نيويورك: "أرى أنها فكرة رائعة حقًّا". وتضيف قائلة إنّ كثيرًا من المستخدمين يأخذون هواتفهم الذكية حيثما ذهبوا، وتعترف قائلة إنها "مدمنة استخدام الهاتف الذكي"، وتتابِع بقولها: "فهو معي في كل ساعة، وفي كل يوم من أيام الأسبوع". وتوفِّر تطبيقات "ريسيرش كيت" طريقة للجمع بين تلك الجاذبية الشاملة للهواتف الذكية، وفضول الناس العلمي الفطري؛ لتحقيق إنجاز "رائع بحق"، على حد قولها.

عندما أطلقت شركة "أبل" تطبيقات "ريسيرش كيت" في عام 2015، أعلنت عن خمس دراسات أولية تستخدم تلك التطبيقات. بعض تلك الدراسات يَستخدم مستشعرات الهاتف الذكي؛ لتوثيق أعراض المريض؛ واستخدمت دراسات أخرى المستشعِرات في عمل مسح للمرضى، أو جمْع بيانات يقوم مستخدمو الهواتف بإدخالها. كانت تشان باحثًا رئيسًا في إحدى هذه الدراسات، وهي دراسة صحية عن الربو، حيث يُطلَب من المشاركين الإجابة عن أسئلة حول صحتهم كل يوم، ثم ربط تلك المعلومات بالأماكن التي كانوا فيها. تقول تشان إنه بفضل الذكاء التسويقي لشركة "أبل"، تَجاوَز استخدام التطبيق توقعاتها كثيرًا، إذ جرى تحميله حوالي 35 ألف مرة، وسجل 3 آلاف مشترك تسجيلًا كاملًا، ووافقوا على المشاركة في غضون ثلاثة أيام فقط.

ومع ذلك.. ففي النهاية، قد يمكِّن نموذج "ريسيرش كيت" الدراسات القائمة على الهواتف الذكية من الانتقال إلى ما هو أبعد من مجرد الملاحظة والرصد نحو توفير رعاية صحية مشخصنة بالفعل. وقد أطلق فريقٌ - يضم في عضويته جنيفر رادين، عالمة الأوبئة بمعهد سكريبس للعلوم النقلية في لا هويا بكاليفورنيا - مؤخرًا تطبيقًا قائمًا على "ريسيرش كيت"، يهدف إلى مسح دراسي للنساء الحوامل؛ للتعرف على الأعراض التي يشعرن بها. وتقول رادين إنه عن طريق الاستفادة من تجمُّع كبير ومتنوع من النسوة، يأمل الفريق في استخدام البيانات؛ لتقديم توصيات مشخصنة تناسِب تحديدًا نوع جسم المرأة، أو عِرْقها، واكتشاف المضاعفات مبكرًا، وحتى تقليل عدد الزيارات إلى الطبيب.

وسواء تحققت تلك المزايا، أم لم تتحقق، فإن ثمة شيئًا واحدًا مؤكدًا، وهو أنه لا توجد أي إشارة على انخفاض حدة التنافس العالمي في التباهي بالتميز التقني بين مطوِّري الهواتف الذكية. وتلك بشرى طيبة للمستهلكين؛ ورائعة للعِلْم.
جيفري إم. بِركل محرر التكنولوجيا في دورية Nature.