أنباء وآراء

تَقَدُّم في تكنولوجيا الدماغ المصغَّر

دراستان تدمجان تقنيات متطورة لإنماء وتحليل أنسجة مستزرَعة ثلاثية الأبعاد، تشبه البِنَى الدماغية البشرية؛ ما يتيح دراسة كيفية تفاعل المناطق الدماغية ونضوج الخلايا العصبية.

جيه. جراي كامب، وباربرا تروتلين

  • Published online:

على مدار الأعوام القليلة الماضية، أتاح إنتاج أنسجة شبيهة بالدماغ البشري، من خلايا جذعية مستزرَعة في مستنبتات ثلاثية الأبعاد2،1، إجراء تحليلات متقدمة لكيفية نمو الدماغ، وتغيُّر نموه خلال عملية التطور، وتأثره بالمرض3-5. ومع هذا.. ليس واضحًا حتى الآن أي أنواع الخلايا تحديدًا ستنشأ في "الأنسجة شبه العضية" الدماغية تلك، ومقدار تباين الأنسجة شبه العضية المنفردة، وما إذا كان بمقدور الشبكات العصبية الناضجة أن تتشكل وتعمل داخل تلك الأنسجة، أم لا. وباستخدام مزيج من الأساليب المتطورة، تصف ورقتان بحثيتان7،6 - نُشرتا مؤخرًا بدورية Nature - بعض الخطوات المحورية المتخَذة في سبيل الإجابة على هذه الأسئلة.

ثمة استراتيجيتان عامّتان تُستخدمان لإنماء أنسجة شبه عضية للأدمغة البشرية. ففي الاستراتيجية الأولى، تُوَجَّه الخلايا الجذعية متعددة القدرات (وتُسمى اختصارًا PSCs، وهي تستطيع إنتاج أي نوع من الخلايا في الجسم)، بحيث تشكل طبقة من الخلايا الجذعية، تُسمى الظِّهارة العصبية، وهي قادرة على تكوين خلايا عصبية. تُتْرَك الظِّهارة العصبية لتنمو بمفردها، ومن الممكن أن يؤدي هذا إلى توليد مناطق دماغية متعددة (الشكل 1-أ). توفر استراتيجية التنميط الذاتي هذه إمكانية فهْم كيفية تنظيم المناطق الدماغية لذاتها، وتفاعلها بعضها مع بعض. ومع ذلك، كثيرًا ما توجد اختلافات ملحوظة بين الأنسجة شبه العضية المنفردة، وبين المجموعات المستزرَعة على حدة.

الشكل 1. سبيلان إلى الدماغ المصغر. من الممكن إنماء بِنى تُسمى أنسجة شبه عضية - تشبه مناطق من الدماغ البشرية الجنينية - داخل المختبر، من خلايا جذعية بشرية متعددة القدرات (PSCs)؛ وهي خلايا تستطيع توليد جميع أنواع الخلايا الموجودة في الجسم. أ. استحثت كوادراتو وزملاؤها6 خلايا جذعية متعددة القدرات، لتكوين طبقة خلوية، تحولت عن طريق التنميط الذاتي إلى أنسجة شبه عضية مؤلَّفة من مناطق دماغية متعددة. وقد كشفت قياسات النشاط العصبي عن أن تلك الأنسجة تحتوي على خلايا تستجيب للضوء بشكل مشابه للخلايا المستقبِلة للضوء في الشبكية، ما يوضح أن الخلايا العصبية بمقدورها أن تنضج داخل الأنسجة شبه العضية. قام الباحثون بعزل خلايا منفردة، وتحليل أنماط التعبير الجيني الخاصة بها (الترانسكريبتوم)، بهدف تحديد نطاق أنواع الخلايا داخل الأنسجة شبه العضية. ب. استخدم بيري وزملاؤه7 جزيئات التأشير من أجل توجيه نمو بِنى مستزرَعة ثلاثية الأبعاد، تُسمى أجسامًا شبه كروية، تمثل منطقتين من الدماغ المُقدَّم (الدماغ المُقدَّم البطني، والبالة الظهرية). وأدَّى اندماج الأجسام شبه الكروية إلى تكوين أنسجة شبه عضية شبيهة بمُقدَّم الدماغ. وقد كشف التصوير أن الخلايا العصبية المسماة بالخلايا العصبية المتوسطة قد هاجرت من المنطقة البطنية إلى الظهرية، ما يقدم معلومات عن التفاعلات بين مناطق الدماغ. كما أجرى هؤلاء الباحثون أيضًا دراسات أحادية الخلية للترانسكريبتوم.

الشكل 1. سبيلان إلى الدماغ المصغر. من الممكن إنماء بِنى تُسمى أنسجة شبه عضية - تشبه مناطق من الدماغ البشرية الجنينية - داخل المختبر، من خلايا جذعية بشرية متعددة القدرات (PSCs)؛ وهي خلايا تستطيع توليد جميع أنواع الخلايا الموجودة في الجسم. أ. استحثت كوادراتو وزملاؤها6 خلايا جذعية متعددة القدرات، لتكوين طبقة خلوية، تحولت عن طريق التنميط الذاتي إلى أنسجة شبه عضية مؤلَّفة من مناطق دماغية متعددة. وقد كشفت قياسات النشاط العصبي عن أن تلك الأنسجة تحتوي على خلايا تستجيب للضوء بشكل مشابه للخلايا المستقبِلة للضوء في الشبكية، ما يوضح أن الخلايا العصبية بمقدورها أن تنضج داخل الأنسجة شبه العضية. قام الباحثون بعزل خلايا منفردة، وتحليل أنماط التعبير الجيني الخاصة بها (الترانسكريبتوم)، بهدف تحديد نطاق أنواع الخلايا داخل الأنسجة شبه العضية. ب. استخدم بيري وزملاؤه7 جزيئات التأشير من أجل توجيه نمو بِنى مستزرَعة ثلاثية الأبعاد، تُسمى أجسامًا شبه كروية، تمثل منطقتين من الدماغ المُقدَّم (الدماغ المُقدَّم البطني، والبالة الظهرية). وأدَّى اندماج الأجسام شبه الكروية إلى تكوين أنسجة شبه عضية شبيهة بمُقدَّم الدماغ. وقد كشف التصوير أن الخلايا العصبية المسماة بالخلايا العصبية المتوسطة قد هاجرت من المنطقة البطنية إلى الظهرية، ما يقدم معلومات عن التفاعلات بين مناطق الدماغ. كما أجرى هؤلاء الباحثون أيضًا دراسات أحادية الخلية للترانسكريبتوم.

كبر الصورة

© Replace me

أما الاستراتيجية البديلة، فتتمثل في استخدام جزيئات التأشير من أجل التحكم في تنميط الظِّهارة العصبية، وذلك حتى تتكون منطقة دماغية محددة - كالدماغ المُقدَّم، أو منطقة ما تحت المهاد، على سبيل المثال (الشكل 1-ب). وقد تحسِّن هذه التقنية من القدرة على توليد الخلايا، لكن إلى الآن لم يحدد الباحثون جميع الإشارات التي تخلق كل منطقة فرعية من الدماغ. وإضافة إلى ذلك.. لم يتضح بعد ما إذا كان بإمكان مناطق معينة أن تتشكل في غياب البِنى الملاصقة لها، أم لا.

شرعت كوادراتو وزملاؤها6 في دراسة تركيب ووظائف الأنسجة شبه العضية الدماغية النامية بالتفصيل. وقام الباحثون بتعديل أحد بروتوكولات التنميط الذاتي3، للحدّ من موت الخلايا، الذي يمكن أن يحدث بالقرب من مركز الأنسجة شبه العضية، بسبب نقص الأكسجين. واصلت تلك الأنسجة المستزرَعة باستخدام هذه الطريقة معدلة النضوج على مدى أكثر من تسعة أشهر، ما أتاح دراسة تطور الخلايا العصبية على مدار فترة زمنية تعادل فترة الحَمْل في البشر.

كما قام الباحثون بتحليل أنماط التعبير الجيني (الترانسكريبتوم) لأكثر من 80 ألف خلية، من أنسجة شبه عضية، تتراوح أعمارها بين 3 و6 أشهر. ويُعَدّ ذلك أوسع تحليل لخلايا أحادية يُجري على تركيب الأنسجة شبه العضية حتى الآن. وكشفت تلك البيانات عن وجود تجمعات خلوية متنوعة من مناطق دماغية مختلفة. وبتركيزهم على أنواع الخلايا الشبكية، بيَّنَ الباحثون أن الأنسجة شبه العضية الخاصة بهم تحوي تقريبًا كل أنواع الخلايا الموجودة في هذا النسيج داخل الجسم الحي. كما وجدوا أدلة على نضوج الخلايا العصبية بمرور الوقت، إذ تبدأ في التعبير عن الجينات التي تتوسط عمليات التواصل الشبكي مع الخلايا العصبية الأخرى.

والسؤال الآن، إلى أي مدى يصل نضج هذه الخلايا العصبية؟ من خلال دراسة لسلسلة شرائح متتابعة من الأنسجة باستخدام مجهر إلكتروني، تم الكشف عن أن النسيج شبه العضي البالغ من العمر 8 أشهر قد احتوى على مجموعة من الوصلات العصبية، تساوي تقريبًا في كثافتها تلك الموجودة في قشرة دماغ جنين بشري. وعادةً ما كونت النتوءات العصبية الفردية وصلات عصبية متعددة، وهو ما يشير إلى أن الشبكات المعقدة تتشكل بحلول هذه المرحلة. ووجدت كوادراتو وزملاؤها أن هذه الوصلات بوسعها إطلاق الإشارات العصبية، وأشارت فترات الإطلاق المتزامن إلى احتواء الأنسجة شبه العضية على شبكات عصبية نشطة.

وأخيرًا، يُظْهِر الباحثون أن مجموعة فرعية من الخلايا العصبية قد انخفض معدل إطلاق الإشارات العصبية لديها بعد التعرض إلى الضوء. وتشير هذه البيانات - بالترافق مع بيانات الترانسكريبتوم التي تشير إلى أن الأنسجة شبه العضية احتوت على خلايا عصبية شبكية حساسة للضوء، تُسمى الخلايا المستقبِلة للضوء - إلى أنه من الممكن استخدام الأنسجة شبه العضية لدراسة كيفية تغير الشبكات العصبية، نتيجة لمحفِّزات فسيولوجية.

وجديرٌ بالذكر أن كوادراتو وزملاءها وجدوا اختلافات بالغة في التركيب الخلوي، بين مجموعات الأنسجة شبه العضية المختلفة. ويسلط ذلك الضوء على الحاجة إلى التحكم في هندسة الأنسجة شبه العضية، من أجل تحسين قابلية تكرار التجربة عند دراسة آليات الأمراض، على سبيل المثال. أما في الدراسة الثانية، فيقطع بيري وزملاؤه7خطوة كبيرة في هذا الاتجاه.

استخدم الباحثون أحد بروتوكولات التنميط المتحكَّم فيه، من أجل توليد بِنى ثلاثية الأبعاد، أطلقوا عليها اسم الأجسام شبه الكروية، التي تمثل إحدى منطقتي الدماغ المُقدَّم: الأولى هي الدماغ المُقدَّم البطني، الذي ينتج خلايا عصبية مثبطة، تُسمى الخلايا العصبية المتوسطة، والثانية هي البالة الظهرية، التي تحتوي على خلايا عصبية استثارية. وقد بيَّنت دراسات الترانسكريبتوم وحيدة الخلية أن الخلايا شبه الكروية كانت شديدة الشبه بتلك الآتية من المناطق المناظرة في أدمغة الأجنة البشرية.

بعد ذلك، قام بيري وزملاؤه بوضع أجسام شبه كروية ذات أنواع مختلفة إلى جوار بعضها البعض، ومكنوها من الاندماج على مدار بضعة أيام، من أجل تكوين أنسجة شبه عضية شبيهة بالدماغ المُقدَّم. هاجرت الخلايا العصبية المتوسطة من الأجسام شبه الكروية البطنية إلى المناطق الظهرية، متخذةً مسارًا مشابهًا بذلك الذي تسلكه هذه الخلايا العصبية المتوسطة داخل الجسم الحي. بعد هجرتها، نضجت الخلايا العصبية المتوسطة. ورصد الباحثون إطلاقًا أقوى للإشارات العصبية في الأنسجة شبه العضية المندمجة، بعد هجرة الخلايا العصبية المتوسطة، مقارنة بذي قبل.

استخدم الباحثون تقنية تصوير الخلايا الحية؛ لتتبُّع الخلايا العصبية المتوسطة المنفردة، وقارنوا سلوكها بسلوك الخلايا المكافئة لها في أدمغة البشر والفئران. واتضح أن بعض الجوانب البشرية لعملية الهجرة تكرر بشكل دقيق في الأنسجة شبه العضية المندمجة، ما وفر فرصًا مثيرة لدراسة الجينات التي تتوسط عملية الهجرة. وبالفعل، استخدم بيري وزملاؤه بعد ذلك منظومتهم في دراسة اضطراب النمو العصبي المعروف باسم متلازمة "تيموثي"، المرتبط بطفرات في بروتين ينظم هجرة الخلايا عصبية المتوسطة8.

قام الباحثون بإنتاج أنسجة شبه عضية مندمجة تمثل دماغ مُقدَّم، من خلايا جذعية متعددة القدرات، جرى توليدها عن طريق تحفيز خلايا ناضجة متمايزة مأخوذة من مصابين بمتلازمة "تيموثي"؛ لتصبح متعددة القدرات. هاجرت الخلايا العصبية المتوسطة المأخوذة من المرضى بكفاءة أقل، مقارنة بتلك الضابطة، ويرجع ذلك غالبًا إلى عيب في الخلايا العصبية المتوسطة نفسها، وليس في البيئة الظهرية؛ إذ إن عملية الهجرة ظلت معيبة حين قام الباحثون بدمج الأجسام شبه الكروية البطنية المأخوذة من المرضى مع أجسام شبه كروية ظهرية برية النمط. وبهذا.. نجح بيري وزملاؤه في توليد منظومة ثلاثية الأبعاد متحكَّم فيها، تتسم بنشاطي الاستثارة والتثبيط العصبيين، وبمقدورها أن تحاكي بكفاءة اضطراب في هجرة الخلايا العصبية المتوسطة.

ومن ثم، تكشف الدراستان قدرة دراسة الترانسكريبتوم أحادي الخلية، عالية الإنتاجية، على تحديد كمية التنوع في أنواع الخلايا داخل الأدمغة شبه العضية. ومن شأن هذه الطرق أن تقدِّم عونًا كبيرًا لدراسة كيف يختل تركيب الخلايا وشبكات التعبير الجيني خلال المرض. ومع هذا.. فمن غير الواضح كيف سيتباين الترانسكريبتوم بين مجموعات الأنسجة شبه العضية المختلفة، وبين خطوط الخلايا الجذعية المختلفة التي ينتجها المريض نفسه، وبين المصابين بالمرض نفسه. وهذا أمر مهم تحديدًا عند المقارنة بين الأنسجة شبه العضية الخاصة بالمرضى، وتلك الضابطة، وينبغي تناوله بشكل تفصيلي.

من المعروف4 أن الخلايا العصبية شبه العضية يمكنها تخليق وصلات عصبية، إلا أن فحص الشرائح المتتابعة بالمجهر الإلكتروني يُعَدّ أسلوبًا جديدًا ورائعًا لدراسة البِنى المشبكية المفصلة داخل الأنسجة شبه العضية، ومن المأمول أن يمكِّننا من دراسة الخريطة الكاملة لشبكات الخلايا العصبية. وما زلنا ننتظر معرفة الكيفية التي "تقرر" بها الخلايا العصبية الارتباط ببعضها البعض، داخل هذه الأنسجة المعقدة والمتغايرة، وما إذا كانت الروابط تحاكي تلك الموجودة في الدماغ البشري الذي لا يزال في مرحلة التكوُّن، أم لا.

كما تبين دراسات عديدة أن الأنسجة الدماغية المهندَسة من الخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات بمقدورها أن تحاكي بدقة العلاقة بين المكونات العصبية وأسلافها9. وتبيِّن الدراسات الجديدة كيف يمكن تحسين تكنولوجيا الأدمغة شبه العضية، من أجل دراسة التفاعلات القائمة بين مناطق الدماغ، والطريقة التي يمكن أن تعمل بها الخلايا عصبية الناضجة داخل شبكة متناسقة. ومع مرور الوقت، سندرك كَمّ المعلومات التي يمكن أن تزودنا بها هذه الأدمغة المصغرة.

References

  1.  Sasai, Y. Nature 493, 318–326 (2013).  | article
  2. Lancaster, M. A. & Knoblich, J. A. Science 345, 1247125 (2014).  | article
  3. Lancaster, M. A. et al. Nature 501, 373–379 (2013).  | article
  4. Qian, X. et al. Cell 165, 1238–1254 (2016).  | article
  5. Mora-Bermúdez, F. et al. eLife 5, e18683 (2016).  | article
  6. Quadrato, G. et al. Nature 545, 48–53 (2017).  | article
  7. Birey, F. et al. Nature 545, 54–59 (2017).  | article
  8. Bortone, D. & Polleux, F. Neuron 62, 53–71 (2009).  | article
  9. Kelava, I. & Lancaster, M. A. Cell Stem Cell 18, 736–748 (2016). | article