NATURE | تحقيق إخباري

تفعيل الجينومات في أفريقيا

استثمارات تبشِّر بجَلْب الطب الشخصي إلى القارة السمراء. فهل سيجدي ذلك نفعًا؟

ليندا نوردلنج

Nature (2017) doi:10.1038/544020a | Published online | English article

تتنوع جينومات الأفريقيين والأشخاص الذين هم من أصول أفريقية حديثة تنوعًا هائلًا، وهو ما لم يستكشفه العلماء إلا مؤخرًا.

تتنوع جينومات الأفريقيين والأشخاص الذين هم من أصول أفريقية حديثة تنوعًا هائلًا، وهو ما لم يستكشفه العلماء إلا مؤخرًا.

Nana Kofi Acquah

يبدو أن حكومة دولة زيمبابوي كانت تنتظر كارثة في الصحة العامة، حتى تُقِرّ بجدوى الطب الشخصي؛ ففي عام 2015، انتقلت الحكومة من استخدام توليفة قياسية من ثلاثة أدوية لعلاج فيروس نقص المناعة البشرية إلى عقار مركّب في قرص واحد، يتميز برخص سعره، وسهولة تناوله يوميًّا. يلبي العقار الجديد توصيات "منظمة الصحة العالمية" بإدماج مثبط فيروسات النسخ العكسي "إيفاڤيرنز" كخط علاجي أول في برامج الصحة العامة، لكنْ في الوقت الذي تمَّت فيه توعية عشرات الآلاف من الزيمبابويين بأهمية العقار، سرعان ما أفادت التقارير  بإقلاع أعداد كبيرة من الأشخاص عن تناوله.

لم يثر هذا الأمر اندهاش كولين ماسيميرمبوا، عالِم الوراثة، والمدير المؤسِّس للمعهد الأفريقي لعلوم وتكنولوجيا الطب الحيوي في هراري. ففي عام 2007، أثبت ماسيميرمبوا أن متغيرًا جينيًّا ما يحمله عدد كبير من الزيمبابويين يعمل على إبطاء قدراتهم على  انحلال عقار "إيفاڤيرنز"1. أما هؤلاء الذين لديهم نسختان من المتغير الجيني، والذين يُقَدَّر عددهم بحوالي 20% من السكان، فإن العقار يتراكم لديهم في مجرى الدم؛ مسببًا أعراضًا جانبية، كالهلوسة، والاكتئاب، والميل إلى الانتحار. وكان قد حاول ماسيميرمبوا تعريف حكومته بذلك، لكن "إيفاڤيرنز" لم يكن آنذاك هو العقار الرئيس في برنامج الدولة لعلاج فيروس نقص المناعة البشرية، ولذلك.. تجاهلت وزارة الصحة تلك التحذيرات.

واصل ماسيميرمبوا نشر أبحاثه، إلا أن السلطات المعنية لم تلتفت إليها، حتى ظهرت مشكلة. وكان من الممكن تفادي الكثير مما حدث، لو أن الحكومة كانت قد أصغت له، فكما يقول ماسيميرمبوا: "العقار ليس سيئًا، ونعلم أنه يمكن تطويره في أفريقيا".

ينتمي ماسيميرمبوا إلى طراز فريد من العلماء؛ فهو من الباحثين القلائل الذين سلكوا نهج الطب الشخصي في أفريقيا، في الوقت الذي ينتهج فيه معظم العلماء حول العالم نهجًا آخر يبحث سبل تحسين الرعاية الصحية، عبر ابتكار أساليب تشخيصية، وعلاج للبيئة، وأنماط الحياة، وجينات المرضى، بيد أن ذلك قد يتغير؛ ففي الأعوام الخمسة الأخيرة، استثمرت المنظمات الدولية المموِّلة للأبحاث أكثر من 100 مليون دولار أمريكي في مشروعات تهدف إلى تعزيز إجراء الأبحاث الوراثية على أبناء القارة الأفريقية، وقد تسهم هذه الدراسات في تطوير أدوية للأفريقيين وغيرهم من ذوي الأصول الأفريقية الحديثة في أوروبا والأمريكتين، الذين يتعرضون للأمراض بمعدلات أكبر من بقية الأعراق الأخرى، وهو أمر كثيرًا ما يُعزى إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية، بينما يعزوه بعض العلماء إلى جذور وراثية أيضًا.

وعلى الرغم من قلة مَن يشكِّكون في أهمية الجينومات الأفريقية، فإن الآراء تختلف تجاه ترجمة ذلك إلى تحسُّن في الرعاية. وعلى الصعيد العالمي، أخفق الطب الشخصي في تحقيق الآمال التي كانت معقودة عليه، حتى في الدول التي تغدق في الإنفاق على الصحة، ويرى البعض أن تلك الأموال التي تُنفَق على دراسة الجينات ينبغي مِن الأَوْلَى استغلالها في تحسين الرعاية الصحية الأساسية في القارة.

 

تمثل تلك المسألة البسيطة مشكلة لعدد كبير من العلماء الأفريقيين؛ فقد أصابهم الإحباط، بسبب عدم تَمَكُّنهم من إجراء بحوث في عدد كبير من المجالات، بدايةً من الصحة، وصولًا إلى الأصول البشرية، وهو المجال الذي حقق استفادة خاصة من بيانات الجينوم الأفريقية، حيث يرغبون في استفادة الأفريقيين أنفسهم من تلك الأبحاث. ويرى ماسيميرمبوا وآخرون أن توفُّر الأموال فرصة للتحكم في جمْع واستخدام قاعدة البيانات الوراثية، ويقول ماسيميرمبوا: "لن يتمكن الأفريقيون من المشاركة، إلى حين توفير الإمكانيات اللازمة في القارة".

 

دِقَّة التقدير السكاني

ثمة مشكلة كبيرة تكمن في ارتفاع تكلفة الطب الشخصي؛ ففي قارة تعاني - في المقام الأول - من صعوبة توفير حتى الرعاية الصحية الأساسية، قد تبدو الأدوية المصنَّعة خصيصًا لأفراد من المرضى ضَرْبًا من الكماليات.

بدأ نهج "الصحة العامة المتعلقة بشعوب معينة"، وهو نهج جديد في مجال الطب الشخصي، ترتكز فيه القرارات الصحية على السكان والمجتمعات، بدلًا من الأفراد، وتدور فكرته حول استخدام الدراسة الجينومية المتأنية لسكان أحد البلاد؛ لتوعية برامج العلاج العامة، فعلى سبيل المثال.. قد يعدِّل أحد البلاد قائمة أدويته الأساسية، التي تشتمل على الأدوية التي تشتري منها كميات بأسعار مخفضة من شركات الأدوية؛ لاستبعاد الأدوية التي عُلِم تَسَبُّبها في مشكلات لسكانها.

وهذا يحدث بالفعل في بعض البلدان، كبتسوانا، التي تُعَدّ من البلدان متوسطة الدخل، التي توقفت عن استخدام العقار الثلاثي الذي يحتوي على "الإيفاڤيرنز" في عام 2016، ولجأت بدلًا منه إلى عقار جديد أكثر كفاءة، وإنْ كانت تكلفته أعلى، ويُسمى "دولوتجرافير"، وذلك لشيوع المتغير الوراثي الذي يسبب مشكلات مع تناول عقار "إيفاڤيرنز"، حيث يحمل ما يقرب من 13.5% من سكان بتسوانا نسختين من ذلك المتغير الوراثي. وفي عام 2015، حظرت أثيوبيا تناول عقار الكودين مسكِّن الآلام، نظرًا إلى أنّ نسبة كبيرة من سكانها يحملون المتغير الوراثي الذي يتسبب في سرعة تحوُّل العقار إلى "مورفين"، حيث يمكن أن يسبب مشكلات في التنفس، بل وقد يؤدي إلى الوفاة.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

Nana Kofi Acquah

إنّ نهج الصحة العامة المتعلقة بشعوب معينة يستقطب بشدة منظمات التمويل الرائدة في مجال الذكاء التكنولوجي، الشغوفة بالارتقاء بالصحة، فعلى سبيل المثال.. عقدت كل من مؤسسة "بيل ومليندا جيتس"، و"تحالف دفع عجلة التميز في مجال العلوم في أفريقيا" AESA، وهي مؤسسة تمويلية في مدينة نيروبي بكينيا، قمة الصحة العامة المتعلقة بشعوب معينة في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا في أكتوبر الماضي. وكذلك تعمل المفوضية الأوروبية على وضع خطة لمبادرة الصحة العامة المتعلقة بشعوب معينة، ويخطط تحالف (AESA) - الذي يتلقى دعمًا من مؤسسات تمويلية دولية ومنظمات أفريقية - للتوسع في مجال الصحة العامة المتعلقة بشعوب معينة.

ولتحقيق تلك الرؤية.. يجب إجراء المزيد من الأبحاث على الجينومات الأفريقية، إذ إنّ معظم الدراسات الجينومية يرتكز حتى الآن على البِيض من ذوي الأصول الأوروبية. وقد كشف تحليل إحصائي نُشر في دورية Nature في العام الماضي2 أن 3% فقط من الدراسات العالمية للارتباطات الجينومية - التي تربط الصفات الوراثية بأنماط الصحة، أو المرض، أو تحمُّل العقار - أُجريت على أفريقيين، في مقابل 81% أُجريت على أشخاص من ذوي أصول أوروبية.

وهناك تَحَدٍّ آخر، يتمثل في أن الأفريقيين هم أكثر الفئات المتغيرة وراثيًّا على وجه الأرض، إذ إنّ أفريقيا كانت المهد الأول للبشرية، وعلى ترابها عاشت البشرية أطول أعمارها؛ ومن ثم، يغلب على سكانها التنوع الوراثي بمعدلات أكبر من أي قارة أخرى، إذ يحمل سكانها تغيرات وراثية لا توجد في أي مكان آخر.

من جهته، يقول تشارلز روتيمي - المدير المؤسِّس لمركز الأبحاث الجينومية والصحة العالمية، التابع للمعاهد الوطنية للصحة في بيثيسدا بولاية ميريلاند - إن وجود هذين العاملين يفيد بأن العلماء لم يتوصلوا إلى حل جزء كبير من لغز الجينات البشرية. هذا.. إضافة إلى أنّ الاختبارات التي تُجرى لتوفير خيارات علاجية لأصحاب البشرة البيضاء قد لا تناسب الأفريقيين، ومَن ينتمون إلى أصول أفريقية حديثة. وأضاف روتيمي قائلًا: "إننا في موقف قد يجعلنا نخطئ في التشخيص".

ويُعَدّ روتيمي أيضًا من مؤسسي مبادرة الوارثة والصحة البشرية في أفريقيا (H3Africa)، التي أطلقها صندوق وِيلْكَم تراست" الخيري للطب الحيوي في لندن، ومعاهد الصحة الوطنية الأمريكية في عام 2010. ولمّا كانت هذه المبادرة تهدف إلى بناء قدرات بحثية في مجال الجينومات في القارة الأفريقية، فقد وزعت في الدورة الأولى من البرنامج  مبلغ 70 مليون دولار على العلماء الأفريقيين، الذين كانوا يشاركون في مشروعات بحثية مع علماء من الولايات المتحدة وأوروبا (انظر: "تحالف متطور"). وثمة دورة ثانية من البرنامج، بقيمة 64 مليون دولار، قيد التطبيق الآن.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

 Source: h3Africa

تستهدف الأبحاث فك طلاسم ألغاز، لطالما حيرت الأطباء الإكلينيكيين ردحًا من الزمان، كأسباب تزايُد خطر تعرُّض الأفريقيين لأمراض الكلى المزمنة في سن مبكرة، مقارنة بذوي البشرة البيضاء. ومن جهته، قال دوموا أدو - أخصائي الكلى بكلية الطب في جامعة غانا بالعاصمة أكرا، وأحد الباحثين الأساسيين في شبكة أبحاث الكلى التابعة لمبادرة (H3Africa) - إنه ليست هناك عوامل بيئية معينة توضح سبب حدوث ذلك، إلا أن عددًا كبيرًا من الأفريقيين يحملون متغيرات وراثية في جين صميم البروتين الشحمي L1 (APOL1)، الذي يُحتمَل أنه يزيد من خطر التعرُّض لأمراض الكلي3. ومن المحتمَل أن يكون سبب انتشار تلك المتغيرات بين الأفريقيين هو وجود مقاومة لديهم لداء المثقبيات الأفريقي، أو مرض النوم، وهو مرض طفيلي تنقله ذبابة "التسي تسي". ورغم ارتفاع متوسط العمر المتوقَّع في الدول الأفريقية، فإن أمراض الكلى أيضًا قد شهدت ارتفاعًا ملحوظًا. وأضاف أدو قائلًا: "إنّ معظم المصابين بأمراض الكلى ينتهي بهم المطاف إلى الموت، بسبب العجز في إمكانيات الغسل الكلوي وزراعة الكلى في القارة. يا له من مرض مروِّع".

يعمل أدو في بحثه على دراسة العلاقة بين جين APOL1، وأمراض الكلى في أفريقيا على نحو أكثر دقة من الدراسات السابقة، لكن القدرة على توقُّع المرض عبر الاختبار الوراثي ستكون جدواه ضئيلة في المناطق التي لا يتوفر بها العلاج. ولذلك.. يتطلع أدو أيضًا إلى فهْم الآلية التي بها يتسبب الجين في المرض، آملًا أن يؤدي ذلك إلى إيجاد أدوية جديدة بأسعار معقولة. ويقول أدو: "إنّ منْع تلك الآلية المسبِّبة للمرض ليس أمرًا مستحيلًا".

هذا.. بينما تبحث مشروعات المبادرة (H3Africa) الأخرى في الأدلة الوراثية على تفاوت قابلية الأشخاص لتفاقم مرض فيروس نقص المناعة البشرية، والسكري من النوع 2، والسكتات الدماغية. وهناك مشروع متخصص في دراسة القابلية للإصابة بمرض النوم. وطمعًا في التوصل إلى التفاوت الوراثي الذي ربما يسبب ذلك التنوع الإكلينيكي، أعدت المبادرة (H3Africa) رقاقة من أجل التقييم السريع للتنوع لدى الأفريقيين. وتُستخدَم هذه الرقاقة كأداة لدراسات الارتباطات الجينومية، عبر توفير قائمة للباحثين بتلك المتغيرات، تُسمى تعدُّد أشكال النوكليوتيدات المفردة (SNPs)، التي يُحتمل ارتباطها بالقابلية للإصابة بمرض ما، أو تفاعل دوائي. وحتى هذه اللحظة، تَعَرَّف مشروع المبادرة (H3Africa) على 2.7 مليون شكل من الأشكال متعددة النوكليوتيدات المفردة، التي لم تكن معروفة في السابق، وأدرج العديد منها على الرقاقة. وتُعَدّ العينات المتخذة من جماعة سان (البوشمن) - إحدى جماعات السكان الأصليين لجنوب أفريقيا، التي تُصَنَّف بأنها أقدم تجمُّع وراثي منحدِر من بقية شجرة العائلة البشرية - بمثابة مادة خصبة للدراسة من الأشكال متعددة النوكليوتيدات المفردة الجديدة. ومن جهتها، قالت نيكولا مولدر، اختصاصية المعلومات الحيوية بجامعة كيب تاون في جنوب أفريقيا، التي تترأس الفريق العامل على الرقاقة: "إننا نتطلع بشغف شديد إلى استكشافها".

ورغم أن غالبية مشروعات المبادرة (H3Africa) لم تُنشَر نتائجها حتى الآن، هناك بوادر نتائج محتمَلة بدأت تظهر في الدراسات المطبوعة. فعلى سبيل المثال.. أفاد روتيمي وزملاؤه 4- في مارس من هذا العام - أن حوالي 1% من سكان غرب أفريقيا والأفريقيين الأمريكيين، وغيرهم من المنتمين إلى السلالات الأفريقية الحديثة يحملون متغيرًا وراثيًّا يزيد من خطر تَعَرُّضهم للسمنة. وفي الشهر الماضي أيضًا، أسفر التعاون بين علماء من جنوب أفريقيا وإيطاليا عن التعرف على المتغير الوراثي5 الذي يُحتمل أنه يزيد من خطر إصابة حامله بأمراض القلب، والأزمات القلبية. وقد تعرَّف العلماء على ذلك المتغير، عن طريق دراسة عائلة جنوب أفريقية، أنهكها هذا المرض، ولم يكن أفرادها يحملون أي متغيرات وراثية مرتبطة بهذا المرض في السابق. ورغم أن مدى انتشار ذلك المتغير في جنوب أفريقيا ليس معروفًا، فلربما كان له دور في ارتفاع معدلات الإصابة بأمراض القلب المنتشرة في البلد.

وقد تؤدي تلك الأفكار الجديدة إلى تطوير سبل العلاج للأفريقيين، والذين ينتمون إلى سلالات أفريقية حديثة، وقد تتمخض عن اكتشافات عن علم الوراثة البشرية. وفي هذا الصدد يقول روتيمي: "إن أصولنا جميعًا تعود إلى أفريقيا، ولذلك.. فإن فهْم الجينومات الأفريقية سيعم بالفائدة على العالم أجمع".

التكاليف، والإمكانيات

لم يفلت الاهتمام الذي تحظى به الأبحاث الوراثية في أفريقيا من التعرض للانتقاد. وكانت التكلفة هي العنصر الأساسي وراء تلك الانتقادات، إذ شهدت أفريقيا - شأنها شأن معظم المناطق النامية - تزايدًا سريعًا في انتشار الأمراض غير المعدية، كالسرطان. وفي البلدان المتقدمة، يعتمد تحديد أدوية السرطان - بشكل أساسي - على علم الوراثة. أمّا البلدان الأفريقية، فأكثرها يعاني من قلة أعداد المتخصصين في أمراض السرطان، كما تفتقر إلى إمكانيات التشخيص والعلاج. وعلى سبيل المثال.. في الوقت الذي تنخفض فيه معدلات الإصابة بسرطان الثدي في بعض البلدان الأفريقية، مقارنةً بالبلدان المتقدمة، فإن أعدادًا كبيرة من الأفريقيين ينتهي بهم الأمر إلى الوفاة من جرّاء المرض، لا لمجرد عدم توافر الرعاية اللازمة، ولكنْ لأن الأدوية العادية تبدو أحيانًا أقل فاعلية بالنسبة إلى بعض النساء الأفريقيات. ولا زالت الحاجة في القارة الأفريقية إلى معدّات معالجة السرطان أكثر إلحاحًا من الاختبارات الوراثية الجديدة المصمَّمة خصيصًا لدراسة الأورام السرطانية عند الأفريقيين. ففي إبريل من العام الماضي، على سبيل المثال، تَسَبَّب تعطُّل جهاز العلاج بالإشعاع الوحيد في أوغندا إلى إجبار المصابين على السفر إلى دولة كينيا المجاورة؛ لتلقِّي العلاج على نفقاتهم الخاصة.

وهناك مَن يرى أن مشروعات معينة - مثل مبادرة (H3Africa) - تبالغ في أهمية التباين الوراثي بين الأفريقيين والأوروبيين، وتأثيرات ذلك على الخيارات العلاجية المتاحة. وقد أعرب رينهارد هيلر - مدير مركز الأبحاث البروتيومية والجينومية، وهي منظمة غير ربحية للمعلومات الحيوية في كيب تاون - عن سعادته بتزايد الاهتمام بالجينومات الأفريقية، لكنه يرى أن عددًا كبيرًا من النُّهُج الجينومية - لا سيما تلك المستخدَمة في علاج السرطان - يمكن تطبيقها على الأفريقيين في الوقت الحالي، إذ يمكن أن تخضع خزعة مأخوذة من ورم بثدي سيدة أفريقية إلى التحاليل نفسها التي تمر بها تلك الخزعات المأخوذة من سيدة أوروبية؛ للبحث عن العلامات الوراثية الدالة على منشأها. وأضاف هيلر قائلًا إن البدء في تطبيق ذلك، حتى ولو على نطاق صغير، قد يوفر معلومات أكثر إفادة من مجرد التركيز على أوجه التباين بين العرقين، واستطرد بقوله: "علينا ألّا نحاول عرقلة الحكومات والمجتمعات في أفريقيا للحصول على الحلول المتطورة، لمجرد أننا نراها غير كاملة".

قد تسهم الأفكار المستلهَمة من وراء ذلك في إثراء الأبحاث الجينومية الأساسية، فكما يقول هيلر: "علينا أن نكون أكثر واقعية، وأن نعمل كل ما بوسعنا في الوقت الراهن، وإلّا فإذا ظللنا مكتوفي الأيدي؛ فسنمضي 50 أو 100 عام أخرى، دون الحصول على إجابات لأسئلتنا".

ويُعَدّ مختبر هيلر أحد المختبرات القليلة في قارة أفريقيا، التي يمكنها وضع تسلسل جيني. وفي الوقت الحالي، تقتصر الخدمات العلاجية للمختبر في معظمها على القطاع الصحي الخاص في جنوب أفريقيا، ولكنه يأمل في تطبيق ذلك العلاج الجينومي داخل القطاع العام، علمًا بأنّ العقبة الأساسية التي تحول دون ذلك - بجانب التكلفة، على حد قوله - تتمثل في نقص الفنيين والاستشاريين، وهو الأمر الموجود في عدد كبير من البلدان الغنية.

وبغض النظر عن الوقت المستغرَق في إعداد البحوث، فإن بطء وتيرة السياسات الحكومية في قارة أفريقيا يمثل عقبة أخرى أمام إدخال الطب الشخصي. ولعل خير مثال على ذلك.. طول تجاهُل نصيحة ماسيميرمبوا بشأن تداوُل عقار "إيفاڤيرنز" في زيمبابوي. فقد أتضح أن العقار الثلاثي لفيروس نقص المناعة البشرية - الذي تداولته الدولة في عام 2015 - له مفعول جيد لدى المرضى الذين يتحملونه، إلا أنه يصعب تحديد هؤلاء الأشخاص من بين قرابة 20% من المرضى الذين يحتمَل أن لديهم حساسية مفرطة للعقار. وقد أَعَدّ ماسيميرمبوا وزملاؤه اختبارًا وراثيًّا؛ لتحديد المتغير الوراثي المسبِّب للحساسية من العقار لدى حاملي المتغير، وقال إنه يمكن استخدام هذا الاختبار في تحديد الأشخاص الذين ينبغي تقليل جرعاتهم من عقار "إيفاڤيرنز"؛ وهو ما سيسهم - حسبما تراءى له ولزملائه - في تقليل مخاطر الآثار الجانبية، والحفاظ على الكفاءة العلاجية للعقار. وفي العام الماضي، حصل على مبلغ 500.000 راند (39000 دولار) من حكومة جنوب أفريقيا، كمنحة لتسويق اختباره، إلا أنه يعمل في سباق مع الزمن.

تدرس حكومات زيمبابوي وجنوب أفريقيا وأوغندا السير على خطى بتسوانا في التوقف عن استخدام عقار "إيفاڤيرنز" مطلقًا. ومع أن العقاقير البديلة لن تكون بالضرورة أقل فاعلية، فإن ذلك يشير إلى أن اختبار ماسيميرمبوا لن يعود له طلب، وهو ما يُعَدّ مصيرًا مُحبِطًا لاكتشافه.

ويعتقِد ماسيميرمبوا بأنه لا يزال هناك بعض الوقت للاستفادة من فكرته، ويرى أن الحكومات تستغرق سنوات لاستصدار قرارات بشأن الصحة العامة، وقد تكون العقاقير الجديدة مكلفة. وفي الوقت الذي تدرس فيه الحكومة الزيمبابوية الخيارات العلاجية بتأنٍّ، يواجه العديد من المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية اختيارًا صعبًا.. إمّا تناوُل العقار المتاح؛ ومواجهة آثاره الجانبية الخطيرة، أو التوقف عن تناوله؛ والتعرض لمخاطر تفاقم الإيدز. ورغم وجود بدائل أخرى، إلا أنّ معظم المرضى يُنصحون بأنْ "يتحلوا بالصبر"؛ أملًا في أن تخفّ الأعراض الجانبية، كما يقول. هذا.. ولا تتاح العقاقير الأخرى إلا لقلة قليلة منهم.

ولعل من حسنات هذه الكارثة أنها لفتت انتباه الحكومة إلى قيمة أبحاث ماسيميرمبوا، ففي فبراير من هذا العام، حصل على إحدى الجوائز الوطنية في العلوم، قيمتها 15.000 دولار. وفي هذا الصدد يقول ماسيميرمبوا: "على الرغم من قلة الترحيب بنتائجنا في البداية، فإن الدعم الوطني والإقليمي الحاليَّين مبشِّران جدًّا لمستقبل الطب الجينومي"، وأضاف قائلًا إنه إذا خرج اختباره من المختبر إلى ميدان التطبيق العملي؛ فسيصنع سابقة جديدة، وسنثبت قدرة العلماء الأفريقيين على الخروج بالأفكار من المختبرات إلى السوق".
  1. Nyakutira, C. et al. Eur. J. Clin. Pharmacol. 64, 357–365 (2008). | article 
  2. Popejoy, A. B. & Fullerton, S. M. Nature 538, 161–164 (2016). | article
  3. Parsa, A. et al. N. Engl. J. Med. 369, 2183–2196 (2013). | article
  4. Chen, G. et al. Obesity 25, 794–800 (2017). | article
  5.  Mayosi, B. M. et al. Circ. Cardiovasc. Genet. 10, e001605 (2017). | article
ليندا نوردلنج كاتبة مستقلة مقيمة في كيب تاون بجنوب أفريقيا. غطى صندوق "وِيلْكَم تراسْت" تكاليف السفر المرتبطة بالتغطية الصحفية لهذا المقال.