NATURE | أخبار

التعايش مع "بريكسيت"

كيفية تعامل ثلاثة باحثين مع الاضطرابات التي سادت الفترة بين الاستفتاء على عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، وتفعيل المادة "50".

أليسون أبوت، وإوين كالاوي، ودانيال كريسي، وإليزابيث جيبني

Nature (2017) doi:10.1038/nature.2017.21714 | Published online | English article

سيمون إملر، عالمة الأحياء التطورية، سويدية الجنسية، تخطِّط لمواصلة أبحاثها في بريطانيا.

سيمون إملر، عالمة الأحياء التطورية، سويدية الجنسية، تخطِّط لمواصلة أبحاثها في بريطانيا.

Magnus Bergström/KAW Foundation

إثر تصويت المملكة المتحدة لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي في يوم 23 من شهر يونيو الماضي، بدأت فترة من التشكك والبحث الدؤوب عن الذات، خاصةً في أرجاء مجتمعٍ بحثي له روابط قوية مادية واجتماعية طويلة المدى بالقارة الأوروبية. فترسخت مشاعر القلق في المختبرات في جميع أنحاء البلاد حول تمويل العلوم، وحقوق الإقامة، بل وحتى بخصوص الهجمات العنصرية، إلا أن التصويت أشعل فتيل حرب زائفة أيضًا، حيث لم يكن لدى الحكومة الكثير مما يمكن فعله أو قوله، حتى قامت بتفعيل بند "المادة 50" التي كانت تتسم بالغموض في السابق، وهي جزء من معاهدة الاتحاد الأوروبي الحاكمة. وبذلك.. تبدأ رسميًّا في الانسحاب من الاتحاد (انظر: "انفصال بطيء"). وقد قامت رئيسة الوزراء تيريزا ماي بذلك بالفعل في يوم 29 من شهر مارس الماضي. وعلى إثر ذلك.. تحدثت دورية Nature مع ثلاثة أشخاص، تغيرت حياة كل منهم كثيرًا بقرار "الانسحاب"؛ للاطلاع على ما تحمله إلينا تجاربهم حول مسيرة تقدُّم العلوم في فترة ما بعد "بريكسيت".

 

سوف أنتقل إلى بريطانيا، رغم "بريكسيت"

سيمون إملر، متخصصة في علم الأحياء التطوري، جامعة أوبسالا، السويد

في العاشر من يونيو الماضي، عقدت إملر مقابلة شخصية؛ لشَغْل وظيفة أحلامها كباحثة دائمة في مجال تطوُّر النوع الجنسي، بجامعة إيست أنجليا (UEA) في مدينة نورويتش بالمملكة المتحدة. كانت إملر - سويدية الجنسية - وزوجها الإسرائيلي يديران مختبرات في جامعة أوبسالا، حين أعلنت جامعة إيست أنجليا عن حاجتها إلى مَن يشغل وظيفتين فيها، ولاحت أمامهما الفرصة للالتحاق بها، ولكنْ بعد ذلك بأسبوع، صوتت المملكة المتحدة لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي.

تتذكر إملر تلك اللحظة.. "قلنا حينها: لا يمكن لذلك أن يكون صحيحًا"، لكنْ بعد تأكيدات من أصدقاء لهما في المملكة المتحدة بأنّ الدولة ستظل ترحب بالمهاجرين، قررت إملر وزوجها أليكسي ماكلاكوف - المتخصص في علم الأحياء التطوري - أخْذ الخطوة الجريئة.. فانتقلت العائلة بالفعل إلى المملكة المتحدة في شهر مارس الماضي.

ورغم الشكوك التي تحوم حول نتيجة المفاوضات على المادة 50، تنظر إملر إلى النصف الممتلئ من الكوب، على أمل أن تحذو المملكة المتحدة حذو إسرائيل، باعتبارها دولة لا تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي، لكنها تضخ المال في الجهات التمويلية من قبيل مجلس البحوث الأوروبي، الذي تتلقى الدعم منه هي وزوجها. سوف تقوم إملر بالإبقاء على مختبر في أوبسالا لعام آخر، حتى يتمكن الطلاب الخريجون وباحثو ما بعد الدكتوراة من مواصلة العمل على مشروعاتهم هناك، لكنْ باعتبارها كانت باحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراة في جامعة شيفيلد في المملكة المتحدة، فهي تعرف منافع حرية التنقل عبر أوروبا، ومن ثم يساورها القلق بشأن ما ستعانيه لاستجلاب الخريجين وباحثي ما بعد الدكتوراة من بين عدد ضخم من العلماء الشباب.

تقول إملر: "إنني متفائلة بصفة عامة. سيتعيَّن على الأوضاع أن تصل إلى مستوى قاسٍ، قبل أن نقرِّر المغادرة مرة أخرى، وقبل أن تصبح المعيشة صعبة جدًّا على غير البريطانيين في بريطانيا.. ونأمل أن نكون بعيدين كل البُعد عن ذلك".

 

أَقْضِي نصف وقتي في التعامل مع تداعيات "بريكسيت"

إيان تشابمان، الرئيس التنفيذي لمركز كولهام للطاقة الاندماجية، أبينجدون، المملكة المتحدة

في الصباح التالي لاستفتاء المملكة المتحدة على عضويتها في الاتحاد الأوروبي، بينما ساد شعور بالارتباك على سائر العاملين في مختبر المملكة المتحدة الوطني لأبحاث الطاقة الاندماجية، كان تشابمان عاكفًا على وضع الخطط.. فالمقابلة الشخصية التي كان سيجريها لتولِّي رئاسة المركز - الذي يستضيف مشروع تورس الأوروبي المشترك (يُسمى اختصارًا JET)، المموَّل من قبل الاتحاد الأوروبي – كانت على بُعْد أيام، وعلى حين غرةٍ أَضْحَى مصير المركز عالقًا. يقول تشابمان: "كنتُ قد أعددت كثيرًا للأشياء التي أودّ طرحها، ثم اضطررتُ إلى تمزيق كل ما كتبته، والبدء من جديد".

حصل تشابمان على الوظيفة. وأُسنِدَت إليه الآن قيادة مشروع JET في هذه الفترة المضطربة، وإدارة ما يقرب من 550 عاملًا مصابًا بالفزع. لذا.. حسب تقديرات هذا الفيزيائي، فهو يقضي نصف وقته - على الأقل - في التعامل مع تداعيات "بريكسيت".

يتمثل هدفه الأساسي في الإبقاء على JET - وهو مِرفق يحتفظ بالسجل العالمي للطاقة الاندماجية – لما بعد نهاية عقده - الساري الآن - في شهر ديسمبر من عام 2018. ومن أهدافه أيضًا الحفاظ على استمرار مشاركة المملكة المتحدة في المفاعل النووي الحراري التجريبي الدولي (يُسمى اختصارًا ITER) في جنوب فرنسا، الذي سيكون مشروع JET بمثابة منصة اختبار له. وفي شهر يناير الماضي، ازدادت المهمّتان صعوبة، عندما أعلنت حكومة المملكة المتحدة أنه كجزء من انسحاب الدولة من الاتحاد الأوروبي، سوف تنسحب أيضًا من الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية (Euratom)، وهي الهيئة التي تقوم بتوزيع تمويل مشروعات الطاقة الاندماجية الخاصة بالاتحاد الأوروبي، وتشرف على عضوية المملكة المتحدة في ITER.

شهدت الأَشْهُر التي أعقبت تصويت المملكة المتحدة على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي تقلبات وتغيُّرات عنيفة بالنسبة إلى العلماء.

23 يونيو 2016 المملكة المتحدة تصوِّت لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.

18 نوفمبر لجنة العلوم بمجلس العموم تصرِّح بأنه يجب إعطاء حق الإقامة لجميع باحثي الاتحاد الأوروبي الذين يعيشون في المملكة المتحدة.

21 نوفمبر حكومة المملكة المتحدة تتعهد بتخصيص مليارَي جنيه إسترليني إضافية (ما يعادل 2.5 مليار دولار أمريكي) سنويًّا، للإنفاق على البحث والتطوير، وذلك بحلول عام 2020.

17 يناير 2017 رئيسة الوزراء تيريزا ماي تضع "العلوم والابتكار" ضمن الأولويات الـ12 في مفاوضات "بريكسيت".

26 يناير الفيزيائيون مصدومون إثر تصريح الحكومة بأنّ الانسحاب من الاتحاد الأوروبي سوف يعني كذلك الانسحاب من الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية (Euratom).

24 يناير المحكمة العليا تُصْدِر حُكْمًا بضرورة تصويت البرلمان على "بريكسيت".

16 مارس تمرير مشروع قانون يسمح للحكومة بتفعيل المادة "50".

29 مارس تفعيل المادة "50" من قِبَل حكومة المملكة المتحدة.

يقول تشابمان إن القرار لم يكن مفاجِئًا بالكامل، إلا أنه صدر من دون تحذير، أو خطة واضحة لكيفية المحافظة على استمرار برنامج الطاقة الاندماجية الخاص بالمملكة المتحدة، بعد انسحابها من الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية. يقوم تشابمان في الوقت الحالي بجَمْع البيانات؛ من أجل مساعدة الحكومة في التوصل إلى مقتضيات الخطوات المتعددة التالية، التي تتراوح بين الاشتراك في الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية كعضو مشارك، وبين تمويل برنامج بحثي مستقل.

كما يقضي تشابمان وقته في تهدئة العاملين. ويستعد العلماء في JET لإجراء تشغيل تجريبي في عام 2019، لمزيج من الوقود سوف يستخدمه ITER، من شأنه أن يشهد على JET وهو يتفوق على نفسه في إنتاج طاقة الاندماج؛ إلا أن ذلك قد لا يحدث أبدًا، فالمفاوضات الروتينية المجراة لمَدّ فترة عقد مشروع JET مؤجلة إلى أجل غير مسمى.

ويقول تشابمان إن حالة التشكك لم تتسبب بعد في بدء الهجرات الجماعية، بيد أن بعض الإداريين من بين فريق العمل قد قبلوا مناصب في أماكن أخرى، ورفض بعض المرشحين للعمل عروض توظيف قُدمت لهم؛ ما طرح أسئلة حول مستقبل مشروع JET.

ورغم تلك الشكوك، يرى تشابمان أن الحكومة تدرك مواطن الخطر، ويقول إنها تتصدى له، بيد أن مجتمع الطاقة الاندماجية في المملكة المتحدة يحتاج إلى إشارة واضحة من الحكومة، وبصورة عاجلة.

ويضيف تشابمان: "هناك مدة زمنية محددة، إذا انقضت؛ فسوف يزداد بعدها الاضطراب وتُستنزف قوانا، وستكون لذلك تأثيرات مدمرة جدًّا بالنسبة إلينا كمنظمة، وبالنسبة إلى مجتمع الطاقة الاندماجية بأكمله".

 

تعالوا إلى ألمانيا، حيث التمويل الجيد

مارينو زيريال، مدير معهد ماكس بلانك لبيولوجيا الخلية الجزيئية وعلم الوراثة في درسدن، ألمانيا

حسب توقعات زيريال.. فبِشَكْلٍ ما يمكن لـ"بريكسيت" أن يكون بمثابة هبة للأعمال البحثية الأوروبية. يقول: "أصبحَتْ المملكة المتحدة مع الوقت أقلّ جاذبية عما سبق لإجراء البحوث فيها. ولذا.. يتجه عدد أكبر من الناس نحو التفكير في العمل في بلدان في قلب القارة الأوروبية، وخاصةً ألمانيا، حيث التمويل الجيد".

تُعَدّ ميزانية الإنفاق على البحث والتطوير في ألمانيا، نسبةً إلى ناتجها المحلي الإجمالي، من بين أعلى الميزانيات في أوروبا.

ويتوقع زيريال أن يرى زيادة في طلبات الالتحاق بكبرى الكليات الدولية التي يديرها معهد "ماكس بلانك" بالاشتراك مع "جامعة درسدن التقنية"، إلى جانب طلبات لشَغْل وظيفة باحث ما بعد الدكتوراة، ومنصب قيادة المجموعات. يقول: "سيصبّ كل ذلك في مصلحتنا"، إلا أن "بريكسيت" سوف يؤثر بالسلب على العلوم الأوروبية على المدى الطويل، كما يقول. ويضيف: "عندما تفقد جزءًا مهمًّا من خريطة العلوم الأوروبية، مثل المملكة المتحدة، فإن ذلك سيُضْعِف المجتمع الأوروبي أكثر".

كما يساوره القلق بشأن احتمال أن تقلّ فرص التمويل في المملكة المتحدة للمشروعات البحثية التعاونية مع معاهد في قلب القارة الأوروبية، وأن تواجه الفرص المتبقية قدرًا أكبر من البيروقراطية. ويقول: "إن التمويل في الاتحاد الأوروبي، مهما كان ضعيفًا، يدعم الكثير من المشروعات، ويقدِّر المجتمعُ كثيرًا الجهود التعاونية التي تسهم فيه".

 

اقرأ مزيدًا من التجارب على الرابط التالي: go.nature.com/2nsqeju