أخبار

 إعادة تصميم الخميرة يسبر أسرار التطوّر

تستطيع الخلايا أن تنمو بجينوم جزئي اصطناعي.

إيمي ماكسمِن
  • Published online:
يُصنع الخبز باستخدام خميرة Saccharomyces cerevisiae.

يُصنع الخبز باستخدام خميرة Saccharomyces cerevisiae.

KUNI TAKAHASHI/BLOOMBERG VIA GETTY

ذات مرة، تساءل عالِم الأحياء التطورية ستيفن جيي جولد عمّا قد يحدث، إذا ما أُعيد شريط الحياة مرة أخرى إلى البداية. اختبر علماء الأحياء الاصطناعية جانبًا واحدًا من هذه الفكرة، عبر تصميم كروموسومات من الصفر، وغرسها في الخميرة، ومراقبة ما إذا كانت تلك الكائنات المُعدّلة، يمكنها أن تستمر في العمل بشكل طبيعي، أم لا.

وقد تبين أنها تظل تعمل بالفعل، حسبما ذكر في سبع ورقات بحثية نُشرَت في منتصف شهر مارس في دورية "ساينس" Science، تصف إنشاء واختبار وتعديل خمسة من كروموسومات الخميرة، كانت قد أعيد تصميمها1-7. وإضافةً إلى كروموسوم سادس خُلِّق سابقًا، تمثّل هذه الكروموسومات أكثر من ثلث جينوم خميرة الخبيز Saccharomyces cerevisiae. ويتوقع الاتحاد الدولي الذي يتألف من أكثر من 200 باحث، والذي قام بتخليق الكروموسومات، الانتهاء من تخليق جينوم خميرة صناعي بالكامل، وذلك بحلول نهاية العام.

قد يساعد العمل الذي قام به الفريق حتى الآن في إدخال تحسينات كبيرة على تخليق الميكروبات، لإنتاج الكحول، والعقاقير، والعطور، والوقود. وقد يُستخدَم كدليل للبحوث المستقبلية المتعلقة بكيفية تطوُّر الجينومات وعملها.

يقول جاك نيومان، المؤسِّس المشارك لشركة "أميريس بيوتكنولوجيز" Amyris Biotechnologies في إميريفيل بكاليفورنيا: "المدهش في الأمر أنّهم يكتشفون كيفية تطويع الجينوم - وليس تخليقه فقط – من خلال دورة التصميم، ثم البناء، ثم الاختبار، ثم التعلُّم". ويضيف قائلًا إنّ الأسلوب شبيه بأسلوب قد ينتهجه علماء الحاسوب عند محاولتهم فهْم شفرة حاسوبية كُتِبت قبل عقد من الزمن، رغم أنّ المهمة أصعب بكثير مع الجينومات التي مرّت بملايين السنين من التطور.

في عام 2010، كشف9 عالِم الوراثة كريج فينتر وفريقه - في مؤسسة "جيه. كريج فينتر" في لاهويا بولاية كاليفورنيا - عن أول جينوم اصطناعي، وهو بمثابة نسخة بدائية من الشفرة الجينية لطُفيل بكتيري يُدعى Mycoplasma mycoides. وبعد مضيّ أربع سنوات، قام فريق بقيادة جيف بوكي - وهو عالِم وراثة متخصص في الخمائر في مركز لانجون الطبي بجامعة نيويورك في مدينة نيويورك - بتخليق8 أحد كروموسومات الخميرة. والخميرة هي كائن أكثر تعقيدًا، ومصنّف على أنه من حقيقيات النواة، مثل النباتات، والديدان، والبشر.

حجر الأساس

كان هدف فنتر هو التعرف على الجينوم الأصغر اللازم لاستمرار الحياة، إلّا أن بوكي قد سعى لاستكشاف أسئلة جوهرية حول عملية التطوُّر، مثل ما إذا كان بوسع الخمائر التطوّر من خلال مسارات بديلة.

وللبحث عن إجابة، قام بوكي بتعيين كل واحد من الكروموسومات الـ16 الخاصة بالنوع S. cerevisiae لفرق مختلفة من المتعاونين معه، والمنتشرين عبر أربع قارات مختلفة. كانت مهمة كل فريق خلق كروموسوم مستقر، لكن قابل للتطور، وقادر على إبقاء الخميرة تستمر في العمل بشكل طبيعي.

استخدمت الفرق برامج حاسوبية لتصميم شفرات كروموسوماتهم، فقاموا بحذف بعض التسلسلات التي توجد في كروموسومات الخميرة الموجودة طبيعيًّا، مثل العناصر المتكررة، أملًا في زيادة استقرار النسخ الاصطناعية. ومنحوا ما أنتجوه آلية تُحاكي التّنوُّع العشوائي الذي يدفع عملية التطور. وعند تحفيز هذا النظام المُبعثر، يكون بوسعه خلط ومضاعفة وحذف جينات بشكل عشوائي.

قام فريق بقيادة باحثين من معهد باستور في باريس بتوثيق2 تغيرات هيكلية حدثت بشكل مفاجئ في نواة الخميرة الاصطناعية، حتى مع استمرار نموها، وإنتاجها البروتينات، وتكاثرها. يقول بوكي: "يبدو أنّنا نستطيع حقًّا "تعذيب" الجينوم بطرق معقدة، وكثيرًا ما تتماسك الخميرة، ولا تكترث لذلك، وتواصل نموها بشكل طبيعي".

وبعض فِرَق الاتحاد ابتكر تقنيات؛ للتعرُّف بسرعة على الأخطاء في الكروموسومات الاصطناعية4،3. كما قام فريق آخر - بقيادة باحثين من جامعة تيانجين في الصين - بتحسين بعض التقنيات لإزالة الأخطاء الموجودة في التسلسلات الجينية للكروموسومات دفعةً واحدة، باستخدام أداة التحرير الجيني "كريسبر-كاس9"، (المرجع 5).

يقول جورج تشيرش، المتخصص في علم الوراثة بجامعة هارفارد في كامبريدج بماساتشوستس: "كونهم قد قاموا بتخليق 536,024 زوجًا من القواعد في ذلك الكروموسوم، واستخدام تقنية "كريسبر" فقط للتلاعُب بـ45 زوجًا منهم، هذا أمر مشجع. فهو يجعلك تشعر أنّه ربما يكون ذلك هو الخطوة الكبيرة القادمة".

ومن غير المرجح أن تستبدل عملية تخليق الجينوم أدوات مثل "كريسبر"، التي تتيح للعلماء إضافة أو حذف عدد محدود من الجينات في أحد الكائنات، كما يقول، لكنه قد يصبح الأسلوب المفضّل للاستخدام في التطبيقات التي تستدعي إجراء تغيرات جينية معقدة. يشمل ذلك تصميم الخميرة وميكروبات أخرى؛ لإنتاج عطور ومواد أخرى؛ فمثلًا، يستطيع المُصَنِّعون الذين يعتمدون على مثل هذه الميكروبات استخدام الجينومات الاصطناعية؛ لجعل هذه الكائنات أكثر مقاومة للفيروسات الضارة.

يقول تشيرش: "إذا أخدت تلك السلالات [الميكروبية]، وأعدت برمجة شفرتها، ثم أعدتها إلى مكانها؛ عندها ستبتعد الفيروسات كثيرًا، بحيث لا تستطيع العودة ثانية. سيكون الأمر أشبه بالعودة إلى العصور الوسطى، وإعطاء قنابل هيدروجينية لدولة ما".

وقد بدأت مجموعات عدة بذل جهود لتخليق جينومات من أنواع معينة، مثل بكتيريا Escherichia coli، ومن البشر أيضًا. ويثق بوكي بأنّ الاتحاد الخاص به سيكون قادرًا على إنشاء جينوم خميري اصطناعي بالكامل، بحلول نهاية العام. وكان الفريق قد أنشأ بالفعل عدة كروموسومات إضافية، وهم يعملون على إصلاح الأخطاء فيها واختبارها.

من شأن آخِر ما توصّل إليه الفريق من نتائج أن يشجع آخرين للسعي خلف أحلام وطموحات كبيرة، كما يقول تشيرش: "لقد استطاعوا تحفيز تغيرات راديكالية في الشفرة، وهذا يشجعك على أن تكون حتى أكثر راديكالية من ذلك".

References

  1. (Richardson, S. M. et al. Science 355, 1040–1044 (2017
  2. (Mercy, G. et al. Science 355, eaaf4597 (2017
  3. (Mitchell, L. A. et al. Science 355, eaaf4831 (2017
  4. (Wu, Y. et al. Science 355, eaaf4706 (2017
  5. (Xie, Z.-X. et al. Science 355, eaaf4704 (2017
  6. (Zhang, W. et al. Science 355, eaaf3981 (2017
  7. (Shen, Y. et al. Science 355, eaaf4791 (2017
  8. (Annaluru, N. et al. Science 344, 55–58 (2014
  9. (Gibson, D. G. et al. Science 329, 52–56 (2010