أنباء وآراء

سرطان: مفاجآت الخلايا الجذعية الورمية

تُعَدّ انقسامات الخلايا الجذعية أمرًا ضروريًّا لنمو الورم. والآن، تكشف الإزالة الموجهة إلى مجموعة معينة من الخلايا الجذعية عن دورها في تطور الورم، وفي نموّ الأورام التي تتشكل نتيجة لهجرة الخلايا إلى مواقع بعيدة.

فلوريان آر. جريتين

  • Published online:

كان مِن المقرَّر أن يشكِّل القضاء على الخلايا الجذعية السرطانية استراتيجية علاجية، إذ تُعتبر هذه الخلايا ضرورية لتشكيل الورم، ولبقائه1. ففي الخلايا الظهارية التي تشكِّل الطبقة السطحية للأمعاء، تتمكن الخلايا المعروفة باسم "خلايا الخبايا القاعدية العمودية" - التي تعبِّر عن البروتين المستقبل Lgr5 (وتُسمى الخلايا +Lgr5) - من العمل كخلايا جذعية في أثناء عملية استتباب الأمعاء2. وهذه هي أيضًا الخلايا التي ينشأ منها سرطان القولون والمستقيم3. وفي بحث نُشر مؤخرًا بدورية Nature، أعلن دي سوسا إي ميلو وزملاؤه4 نتائج تحليلهم لدور هذه الخلايا في الأورام الموجودة أصلًا.

تتميز ظهارة الأمعاء بقدرة رائعة على التجدّد الذاتي، وعادةً ما تُعتبر خلايا +Lgr5 - التي تتكاثر بنشاط - هي المسؤولة عن الإنتاج اليومي لجميع أنواع الخلايا الظهارية في الأمعاء2، رغم أن هناك أنواعًا عديدة من الخلايا الأكثر تمايزًا يمكن إعادة برمجتها؛ لتجديد الخلايا +Lgr5، استجابةً لتلف الأنسجة والإجهاد الخلوي4 -6. وقد بحث دي سوسا إي ميلو وزملاؤه فيما إذا كان من الممكن تعويض فقدان مجموعة الخلايا الجذعية +Lgr5 في السرطان، أم لا.

أَنْتَجَ عمل سابق تم من قِبَل المختبر نفسه فئرانًا مهندَسة وراثيًّا7؛ لتعبّر عن مستقبِل لِسُمّ الخُناق في الخلايا الجذعية +Lgr5، إلى جانب بروتين فلوري يساعد في المتابعة المجهرية للخلايا. وعند إعطاء سُمّ الخُناق لهذه الحيوانات، فهو يدمّر الخلايا +Lgr5 تحديدًا. وباستخدام خلايا من هذه الفئران، طوّر الباحثون في المختبر مجموعات من الخلايا المعوية، التي تُعرف بالأنسجة شبه العضية، وطبقوا تقنيات التحرير الجينومي؛ لإدخال العديد من الطفرات اللازمة؛ لتحفيز ظهور سرطان القولون والمستقيم في الخلايا.

زرع الباحثون تحت جلد الفئران الأنسجة شبه العضية الطافرة، حيث شكلت الخلايا أورامًا. ومن ثم، عُولجت الحيوانات بِسُمّ الخُناق؛ لإحداث استنفاد طويل الأمد للخلايا +Lgr5 الخاصة بالورم، إلا أن تدمير الخلايا  +Lgr5لم يؤد إلى انكماش الأورام، التي بقي حجمها ثابتًا؛ ما يشير إلى أن بعض الخلايا غير المعبّرة عن Lgr5  قد تعوِّض فقدان الخلايا +Lgr5؛ للحفاظ على حجم الورم. والأكثر من ذلك.. أنه بمجرد إيقاف إعطاء سُمّ الخُناق، عاودت الخلايا +Lgr5 الظهور بسرعة، ونما الورم بمعدل مماثل لما شوهد في الأورام الضابطة المزروعة، التي لم تعالَج بِسُمّ الخُناق (الشكل 1). وتشير أنماط انتساخ الخلايا الورمية المستمَدَّة من الأورام مستنفدة الخلايا +Lgr5 - مقارنةً بتلك الضابطة غير المستنفدة - إلى زيادة الأهداف النهائية لبروتين Myc، وهو بروتين يمكنه دفع تقدُّم الدورة الخلوية. وقد يكون ذلك مسؤولًا عن النمو التعويضي للخلايا الورمية في غياب الخلايا +Lgr5.

الشكل 1 | الخلايا الجذعية الورمية.قام دي سوسا إي ميلو وزملاؤه4 باستكشاف دور مجموعة من الخلايا الجذعية في نمو الأورام الأولية والخلايا الورمية، التي هاجرت عبر مجرى الدم؛ لتشكل أورامًا في موقع بعيد، ضمن عملية تُعرف باسم الانتقال الورمي. استخدم الباحثون نموذج فأر يعاني من سرطان القولون والمستقيم، حيث يؤدي إعطاء سُمّ الخُناق (DT) إلى تدمير أي خلايا جذعية سرطانية تعبِّر عن البروتين  Lgr5 (وتُسمى الخلايا الجذعية +Lgr5) بشكل انتقائي.أ، عندما عُولج ورم أَوَّلِي تحت الجلد باستخدام سُمّ الخُناق؛ دمّرت الخلايا الجذعية +Lgr5، بينما بقي الورم بحجمه نفسه. يشير ذلك إلى أن هناك خلايا أخرى قد أدت وظائف الخلايا الجذعية، لتحل محل الخلايا التي ماتت بعد العلاج بِسُمّ الخُناق. ومع وقف العلاج بِسُمّ الخُناق؛ زاد حجم الورم، وعاودت الخلايا الجذعية +Lgr5 الظهور.ب، عندما تم القضاء على الخلايا الجذعية +Lgr5 في ورم في القولون، نتج عن ذلك تراجُع كبير في أورام الكبد النقيلية.ج، في نقيلة كبدية كانت موجودة في الأصل، أدَّى تدمير الخلايا الجذعية +Lgr5 إلى انكماشها. ومع إيقاف العلاج بِسُمّ الخُناق؛ لم ينمُ الورم.

الشكل 1 | الخلايا الجذعية الورمية.قام دي سوسا إي ميلو وزملاؤه4 باستكشاف دور مجموعة من الخلايا الجذعية في نمو الأورام الأولية والخلايا الورمية، التي هاجرت عبر مجرى الدم؛ لتشكل أورامًا في موقع بعيد، ضمن عملية تُعرف باسم الانتقال الورمي. استخدم الباحثون نموذج فأر يعاني من سرطان القولون والمستقيم، حيث يؤدي إعطاء سُمّ الخُناق (DT) إلى تدمير أي خلايا جذعية سرطانية تعبِّر عن البروتين  Lgr5 (وتُسمى الخلايا الجذعية +Lgr5) بشكل انتقائي.أ، عندما عُولج ورم أَوَّلِي تحت الجلد باستخدام سُمّ الخُناق؛ دمّرت الخلايا الجذعية +Lgr5، بينما بقي الورم بحجمه نفسه. يشير ذلك إلى أن هناك خلايا أخرى قد أدت وظائف الخلايا الجذعية، لتحل محل الخلايا التي ماتت بعد العلاج بِسُمّ الخُناق. ومع وقف العلاج بِسُمّ الخُناق؛ زاد حجم الورم، وعاودت الخلايا الجذعية +Lgr5 الظهور.ب، عندما تم القضاء على الخلايا الجذعية +Lgr5 في ورم في القولون، نتج عن ذلك تراجُع كبير في أورام الكبد النقيلية.ج، في نقيلة كبدية كانت موجودة في الأصل، أدَّى تدمير الخلايا الجذعية +Lgr5 إلى انكماشها. ومع إيقاف العلاج بِسُمّ الخُناق؛ لم ينمُ الورم.

كبر الصورة

لا شك أن إظهار إمكانية الاستغناء عن الخلايا +Lgr5 من أجل صيانة الورم أمر مثير للدهشة، بيد أنه يضيف إلى الأدلة الدامغة للتكيُّف الخلوي – أي قدرة الخلايا على التغيّر من نوع إلى آخر - في الأمعاء، وقدرة الخلايا الظهارية المعوية على العودة إلى خلايا جذعية، عن طريق عكس التمايز (أي تغيير حالتها التمايزية)، في أثناء عملية التجديد8 ونشوء الورم10،9.

وتشير الأدلة1إلى أن عملية التجذّع (أي امتلاك خصائص الخلايا الجذعية، كالقدرة على التجدد الذاتي والتمايز) هي شرط أساسي لانتقال الورم (النقيلة)، وهي العملية التي تهاجر فيها خلايا الورم من الموقع الأَوَّلِي لتشكُّل الورم، لتشكِّل أورامًا في مواقع بعيدة. وعندما قام الباحثون بزرع الأنسجة شبه العضية المكوِّنة للورم في قولون فأر، حدثت النقيلة وتكونت الأورام في الكبد، لكنْ حين عولجت الفئران بِسُمّ الخُناق؛ قلّت أورام الكبد النقيلية بشكل كبير، ما يشير إلى أن الخلايا +Lgr5 مطلوبة لبدء حدوث النقيلة. ولعل ما يبعث أكثر على الدهشة هو ما لاحظه الباحثون من أن فقدان الخلايا +Lgr5 من النقائل الكبدية الموجودة أصلًا قد أدى إلى انكماش تلك الأورام، وأنه عندما تم وقف إعطاء سُمّ الخُناق، لم تبدأ هذه النقائل في النمو من جديد – في تناقض صارخ لعودة النمو، التي لُوحظت في الأورام الأولية. ورغم أنه لا تزال هناك حاجة إلى معرفة ما إذا كانت هذه النتيجة ستنطبق أيضًا على النقائل التي تتطور في أنسجة أخرى غير الكبد، إلا أنها تؤكد على الأهمية العامة لعملية التجذّع، من أجل حدوث النقيلة في سرطان القولون والمستقيم.

إن النتائج التي توصّل إليها دي سوسا إي ميلو وزملاؤه تبعث على التشكيك في الفكرة المعروفة باسم النموذج الهرمي أحادي الاتجاه، المنطوية على أن هناك مجموعة مخصصة من الخلايا الجذعية في السرطان. وعادةً ما يُعتقد أن الخلايا الجذعية تشكل نسبة صغيرة فقط من أي مجموعة خلوية. ومع ذلك.. ونظرًا إلى أن عدد الخلايا +Lgr5 في الأورام التي فُحصت هنا كان مرتفعًا نسبيًّا (15-25% من مجمل الخلايا الورمية قبل استنفاد الخلايا +Lgr5)، فالتفسير الآخر قد يكون أن الخلايا +Lgr5 في سرطان القولون والمستقيم لا تملك الخصائص نفسها للخلايا الجذعية الموجودة لدى الخلايا   Lg5 الداعمة لاستتباب الأنسجة، لكن بالنظر إلى أن التجارب السابقة لتتبُّع الخطوط الخلوية، لتعقُّب مصير الخلايا في المراحل المبكرة من الأورام المعوية الحميدة، قد أكدت امتلاك الخلايا +Lgr5 لخصائص الخلايا الجذعية11، وأن الأورام تعوّض الخلايا +Lgr5 المفقودة بشكل سريع، فإن إمكانية مشاركة أنواع مختلفة من الخلايا الجذعية في السرطان وفي الاستتباب تبدو غير مرجّحة. كما أن عدم وجود مجموعة مخصصة من الخلايا الجذعية يبدو تفسيرًا أكثر منطقية، وسيدعم فكرة أن التجذّع يجب النظر إليه كخاصيّة يمكن اكتسابها في أي وقت خلال عمر الخلية، بغَضّ النظر عن حالة تمايزها، بدلًا من كونها خاصية خلوية داخلية تُكتسب فقط عند تشكل الخلية.

إن العمل الذي قام به دي سوسا إي ميلو وزملاؤه يطرح بعض الأسئلة المثيرة للاهتمام. فهل ثمة نوع محدد من الخلايا يعمل كخلايا جذعية "احتياطية"، تعوّض عن فقدان الخلايا +Lgr5 في الأورام؟ وهل يمتلك أي نوع من الخلايا الظهارية في الورم القدرة على التكيف وعكس التمايز؛ من أجل تشكيل خلايا جذعية؟ ربما حتى الخلايا السدوية غير الظهارية المجاورة تمتلك القدرة على تشكيل الخلايا الجذعية. ولذا.. تنبغي دراسة إسهام البيئة الصغيرة المحيطة بالورم، وموقع الخلايا المتكيّفة. يشير الباحثون إلى زيادة التعبير عن بروتين التأشير الخاص بالجهاز المناعي – الإنترفيرون - عند فقْد الخلايا +Lgr5 في الأورام، رغم أن التعبير عنه في الغالب ليس مطلوبًا من أجل عمل الخلايا الجذعية الاحتياطية، ويعكس مجرد استجابة الْتِهابية لموت الخلايا +Lgr5.

في بحث نُشر في دورية Nature على الموقع الإلكتروني، ذكر شيموكاوا وزملاؤه12 أنه في سرطان القولون والمستقيم البشري، أدَّى التدمير الانتقائي للخلايا +Lgr5 إلى تراجع مؤقت للورم، وأبدت خلايا أخرى تكاثرًا تعويضيًّا. وهكذا، سيكون من الضروري تحديد المسارات التأشيرية المسؤولة عن عودة ظهور الخلايا +Lgr5. وتشير الأدلة الأولية التي ساقها دي سوسا إي ميلو وزملاؤه إلى دور تلعبه إشارات Myc، إلا أن الطريقة التي يتم بواسطتها استشعار فقْد الخلايا +Lgr5 من قِبَل الخلايا المتبقية في الورم غير معروفة، كما أنه من غير المعروف أيضًا أيّ مِن عمليات التأشير المتعاقبة قد تؤدي إلى تفعيل Myc في غياب الخلايا +Lgr5. وإضافة إلى ذلك.. لم يقم الباحثون باختبار ما إذا كان تثبيط أو فقدان Myc يمنع تجمع الخلايا الجذعية الاحتياطي المقترح من العمل، أم لا، ولا ما إذا كان تثبيط Myc قد يسبِّب تراجع الورم الأولي في غياب الخلايا +Lgr5، أم لا.

ونظرًا إلى أنّ التثبيط الدوائي لـMycيمثّل تحديًا في الوقت الحالي، فإن تحديد مسارات التأشير الأولية أو غيرها من المسارات الأساسية قد يثبت فائدته، وربما يُمَكِّن مِن استئصال أورام القولون والمستقيم الأولية، عند اقترانها مثلًا بعلاج مستهدَف بالأجسام المضادة؛ لإزالة الخلايا +Lgr5 (المرجع رقم 13). وما قام به الباحثون يشير إلى أن إزالة الخلايا +Lgr5 قد يكون نهجًا جديرًابأنْ يتم اختباره لعلاج النقائل الكبدية، ما يطرح مساحة جديدة مثيرة للاستكشاف في المستقبَل.

References

  1. Nassar, D. & Blanpain, C. Annu. Rev. Pathol. 11, 47–76 (2016).  | article
  2. Visvader, J. E. & Clevers, H. Nature Cell Biol. 18, 349–355 (2016).  | article
  3. Barker, N. et al. Nature 457, 608–611 (2009).  | article
  4. de Sousa e Melo, F. et al. Nature 543, 676–680 (2017).  | article
  5. Buczacki, S. J. A. et al. Nature 495, 65–69 (2013).  | article
  6. Tetteh, P. W. et al. Cell Stem Cell 18, 203–213 (2016).  | article
  7. Tian, H. et al. Nature 478, 255–259 (2011).  | article
  8. Tetteh, P. W., Farin, H. F. & Clevers, H. Trends Cell Biol. 25, 100–108 (2015).  | article
  9. Schwitalla, S. et al. Cell 152, 25–38 (2013).  | article
  10. Davis, H. et al. Nature Med. 21, 62–70 (2015). | article
  11. Schepers, A. G. et al. Science 337, 730–735 (2012). | article
  12. ( Shimokawa, M. et al. Nature http://dx.doi. org/10.1038/nature22081 (2017
  13. Junttila, M. R. et al. Sci. Transl. Med. 7, 314ra186 (2015). | article

فلوريان آر. جريتين تعمل في معهد بيولوجيا الأورام والعلاج التجريبي، جورج سبيير هاوس، 60596 فرانكفورت، ألمانيا.

البريد الإلكتروني:  greten@gsh.uni-frankfurt.de