كتب وفنون

علوم البيئة: مياه مضطربة في البحيرات العظمى

تحدِّثنا آنا إم. ميكالك عن تطويع وغزو أكبر نظم المياه العذبة في العالم.

آنا إم. ميكالك 
  • Published online:

موت وحياة البحيرات العظمى 

دان إيجان، دبليو. دبليو. نورتون: 2017

ISBN: 9780393246438

تتعرض البحيرات العظمى عند حدود الولايات المتحدة وكندا لضغوط عظيمة.

تتعرض البحيرات العظمى عند حدود الولايات المتحدة وكندا لضغوط عظيمة.

Jeff Schmaltz, MODIS Rapid Response Team, NASA/GSFC

تَحتجِز البحيرات العظمى - التي تتمدد بين حدود كندا والولايات المتحدة - خُمس المياه العذبة الموجودة على سطح الأرض، وتغطي مساحة تقارب 250 ألف كيلومتر مربع؛ أي أنها تحتل حيزًا يزيد على مساحة المملكة المتحدة. تؤوي هذه البحيرات ما يزيد على 3,500 نوع من الحيوانات والنباتات، ويشمل ذلك 170 صنفًا من السَّمَك. ويعيش 30 مليون نسمة على تخوم هذه البحيرات. وعلى الرغم من عِظَم هذه البحيرات وجمالها الطبيعي الملهم، إلا أنه - وعلى امتداد مئات السنين الماضية - كان يُنظر إليها على أنها مورد ينبغي أن تتم السيطرة عليه. وفي الوقت الحاضر، تتضافر عوامل متعددة، تشمل الأنواع الدخيلة، والتلوث، والتغير المناخي، وأنواعًا أخرى من الضغوط، لكي تشكل جميعها عاصفة متكاملة تضرب تلك المنطقة.

وفي كتابه الممتع، "موت وحياة البحيرات العظمى" The Death and Life of the Great Lakes، يتتبع الصحفي دان إيجان تاريخ البحيرات، منذ وصول الأوروبيين الأوائل - مثل المستكشف الفرنسي جان نيكوليه، الذي جاب بحيرة مِتشيجان في عام 1634 على ظهر قارب مصنوع من خشب البتولا؛ باحثًا عن مَعْبَر يوصله إلى قارة آسيا - حتى التاريخ المعاصر. يركِّز إيجان على الأنواع الدخيلة التي تبعت البشر أثناء إعادة استكشافهم للبحيرات العظمى؛ من أجل خدمة مصالحهم. وبدايةً بأنواع الجلكي البحرية الطفيلية (Petromy­zon marinus)، التي كانت قد انتشرت على امتداد البحيرات العظمى بحلول ثلاثينات القرن الماضي، غَيَّرت الأنواع الدخيلة منظومة البحيرات تغييرًا جذريًّا، ودمرت المجموعات الأصلية فيها. يَحكي لنا إيجان قصة الطموح البشري، والابتكار، والغرور، ويتحدث أيضًا عن تصحيح الأخطاء، وعن الفرص.

قامت البحيرات العظمى بدور محوري في مسار التصنيع في القارة، وكانت شاهِدِي على مشروعات هندسية ضخمة ذات هدفين اثنين: فتح الجزء الداخلي من أمريكا الشمالية أمام حركة نقل البضائع، والتخلص من مياه الصرف الصحي. ويسمِّي إيجان هذين الهدفين - بذكاء - "البابين الأمامي والخلفي".

يرجع تاريخ إنشاء أولى القنوات والسدود في هذه البحيرات إلى عام 1781. ووصلت هذه المشروعات إلى ذروتها في عام 1959 مع افتتاح ممر سانت لورانس البحري. جلبت المراكب البحرية - التي بدأت تمخر عباب هذه البحيرات - أنواعًا من كائنات المياه العذبة من جميع أنحاء العالم، خصوصًا في مياه الصوابير التي كانت تُستخدم لتثبيت السفن. وبالإضافة إلى أنواع الجلكي سابقة الذكر، يلعب دور البطولة في القصة التي يحكيها لنا إيجان كلٌّ من سَمَك ألويف (وهو نوع من أنواع الرنجة، Alosa pseudoharengusونوعَي بلح البحر، المخطط والكواجا (Dreissena polymorphaو Dreissena bugensis)، التي نجحت جميعها في تدمير الشبكة الغذائية، وفرضت سيطرتها على النظام البيئي.

وتتماشى الاستجابة الإدارية لهذه الغزوات مع التاريخ الأشمل لمجهودات الاستعادة البيئية، إذ تم تطوير سم انتقائي؛ للتحكم في أنواع الجلكي في خمسينات القرن العشرين، بعد أن انهارت مصايد السَّمَك في بحيرة مِتشيجان، وبحيرتَي هيرون وسوبيريور. تم بعد ذلك استقدام نوعَي الكوهو والشينوك من سَمَك السلمون (Oncorhynchus kisutchو Oncorhynchus tshawytscha)؛ لكي يقضيا على سَمَك الألويف الدخيل، منذ ستينات القرن الماضي. كذلك بدأ الغزو المزدوج لبلح البحر في أواخر ثمانينات القرن العشرين، وما زال مستمرًّا، لكنّ أمرًا مبهرًا حدث، إذ تطوَّر السمك الأبيض الأصلي في هذه البحيرات (Coregonus clupeaformis)، حيث بدأ في التغذِّي على بلح البحر، وعلى أنواع أخرى من السَّمَك الوافِد، من قبيل سَمَك جوبي المدوّر، الآكِل لبلح البحر (Neogobius melanostomus). ويقوم علماء الأحياء في الوقت الحالي باستكشاف طرق أخرى، للاستفادة من المفترِسات الأصلية في القضاء على الأنواع الدخيلة. وهذا التوجه نحو استخدام نقاط قوة الأنظمة الطبيعية وتعقيدها يمثل توجُّهًا عامًّا لدى العاملين في حقل الاستعادة البيئية.

تم عام 1848 الانتهاء من بناء "الباب الخلفي" الذي يصل ما بين البحيرات العظمى، ومستجمع مياه نهر المسيسيبي، الذي يصرف 40% من مياه الولايات المتحدة القارية. ضَمِنَ هذا المشروع سلامة الإمدادات المائية لشيكاجو بولاية إلينوي، عن طريق إرسال ماء الصرف إلى نهر المسيسيبي، بدلًا عن بحيرة مِتشيجان. وبذلك، أصبحت البحيرات العظمى عرضة لأعداد أكبر من الأنواع الدخيلة، وأبرزها سمك الشبوط الآسيوي، الذي سيطر على مستجمع مياه المسيسيبي.

وما زلنا بعيدين عن الوصول إلى حل، كما يوضح لنا إيجان، إذ تتابعت الأرقام القياسية في العقد الماضي على امتداد البحيرات العظمى من أدنى مستوى مسجَّل للمياه، متبوع بأقصى قيمة للغطاء الثلجي، ولزيادة مستويات البحيرات، إلى "المناطق الميتة"، بسبب شح الأكسجين، وانتشار الطحالب المضرة، إذ أدى انتشار الطحالب في عام 2014 إلى تعطيل إمدادات المياه إلى مدينة توليدو بولاية أوهايو، وذلك لمدة يومين في عام 2014.

ينسج إيجان المعلومات العلمية الكمية الرصينة في سرد غَنِيّ بقصص الأفراد الذين أشرفوا على المشروعات الهندسية، أو شهدوا تبعاتها، أو درسوا آثارها. ويقدِّم بذلك للقارئ كنزًا من المعرفة، التي تُحكَى كقصة عظيمة، بدلًا من محاضرة أكاديمية. وكنت أتمنى لو أن الكاتب قد أضاف بعض الخرائط، والصور، والأشكال التوضيحية؛ لكي يقدم مزيدًا من الشرح للأفكار الرئيسة، وللأنواع الدخيلة ذات الدور المهم في هذا الكتاب. وكان مِن المستحَب أيضًا أن يقدم لنا المؤلف كشفًا أكثر عمقًا لأوجه الشبه، مع توسُّع الأنواع الدخيلة في مناطق أخرى من العالم، وصِلَة ذلك التوسع بجودة المياه، وبالمستويات المتذبذبة لمياه البحيرات، وبالتغير المناخي. وبشكل عام، وعلى الرغم من أن الكتاب يفصِّل – أحيانًا - في موضوعات هامشية، إلا أنه يقدم لنا عرضًا لقصة رائعة، تم بحثها بدرجة عالية من الإتقان.

أما المستقبل، فيمكن تلخيصه باقتباسين يوردهما إيجان. ففي عام 1995، قال إسماعيل سراج الدين - الذي كان يشغل وقنها منصب نائب رئيس البنك الدولي - إن "حروب هذا القرن كان دافعها الرئيس هو التنافس على النفط، لكن حروب القرن القادم سوف تَحْدُث بسبب المياه". كما كَتَبَ عالِم الطبيعة الأمريكي ألدو ليوبولد في الأربعينات، قائلًا إنّ " الأمر يكون صائبًا عندما يحافظ على سلامة واستقرار وجمال المجتمعات الحيوية". ويأتي هذا الكتاب ليذكِّر بأن المجتمعات البشرية هي جزء من المجتمع الحيوي الواسع؛ الأمر الذي يحضّنا على تبنِّي رؤية ليوبولد؛ من أجل البحيرات العظمى وغيرها.