تحقيق إخباري

كيفية البحث عن ثقب أسود

من خلال بناء تليسكوب بحجم كوكب الأرض، يأمل علماء الفلك أن يتمكنوا من التقاط الصور الأولى لأفق الحدث، عند نقطة اللاعودة.

دافيديه كاستيلفيكي
  • Published online:

ESA advanced concepts team; S. Brunier /ESO

إليكَ كيفية التقاط ثقب أسود. أولًا، عليك أن تقضي عدة سنوات في جمع أسماء ثمانية من أفضل المراصد الراديوية، المنتشرة عبر أربع قارات؛ من أجل تكاتف الجهود للقيام بعملية بحث غير مسبوقة. والخطوة التالية هي أن تقوم بتنسيق الخطط، بحيث تحوِّل تلك المراصد انتباهها في الوقت نفسه نحو مراقبة البقاع نفسها من السماء لعدة أيام. وبعد ذلك.. عليك بإجراء عمليات رصد على نطاق لم يسبق له مثيل في البحث العلمي، جامِعًا كمية من البيانات، تبلغ 2 بيتابايت كل ليلة.

تلك هي الخطة المندفعة، التي وُضعت ضمن تجربة كان مقررًا لها أن تُجْرَى خلال شهر مارس، خاصة بتليسكوب أفق الحدث (EHT)، وهو مجموعة من التليسكوبات الراديوية الواقعة حول العالم؛ لإنشاء مرصد افتراضي، يقارب في حجمه حجم كوكب الأرض. هذا.. ويأمل الباحثون أن يتمكنوا - عند فَرْزهم تلال البيانات الناتجة - من التقاط تفاصيل - تُسجَّل للمرة الأولى على الإطلاق - حول الثقب الأسود الموجود في منتصف مجرّة درب التبانة، إضافة إلى صور لثقب أسود آخر أكبر بكثير، يقع في المجرّة الأبعد M87.

إنّ السبب في كون تلك الجهود تستهلك قوى فلكية جبارة، هو أن تلك الثقوب السوداء بعيدة للغاية عن كوكب الأرض، بحيث يُفترض أن تظهر في حجم كعكة على سطح القمر؛ ما يتطلب قوة تقريب تتفوق على تليسكوب "هابل" Hubble الفضائي بأكثر من ألف مرة، لكنْ حتى لو تمكَّن الباحثون من التقاط بضع وحدات بكسل ضبابية فقط، قد يكون لذلك تأثير كبير على مبادئ الفيزياء الأساسية، والفيزياء الفلكية، وعلم الكونيات. ويهدف تليسكوب أفق الحدث إلى الحصول على صور مقربة لأفق الحدث لكل ثقب أسود، وهو السطح الذي تصبح الجاذبية بعده قوية جدًّا، حتى إنّ لا شيء يعبره يتمكن من القفز خارجه مرة أخرى أبدًا. وعن طريق التقاط صور لما يحدث خارج تلك المنطقة، سيتمكن العلماء من وضع نظرية النسبية العامة لأينشتاين تحت واحد من أكثر الاختبارات صرامةً حتى الآن. كما يمكن أن تساعد تلك الصور في  تفسير كيفية إطلاق بعض الثقوب السوداء فائقة الكتلة لنفثات قوية بشكل مذهل، والتحكم في مجرّتها، وما هو أبعد من ذلك.

لكنْ سيتطلب الأمر أولًا تعاوُنَ ظروف الطقس. كما سيحتاج مرصد أفق الحدث إلى سماوات صافية تمامًا، وذلك في كل من الثمانية مواقع في آن واحد، بدءًا من هاواي، حتى جبال الأنديز، ومن جبال البرانس إلى القطب الجنوبي. هذه القيود وغيرها تمنح الفريق مدة أسبوعين فقط كل عام للقيام بمحاولة. يقول مدير مرصد أفق الحدث شيبرد دويلمان، وهو عالِم في الفيزياء الفلكية بجامعة هارفارد في كامبريدج بماساتشوستس: "كل شيء لا بد أن يكون صحيحًا تمامًا".

"يستمتع علماء الفلك الراديوي بتحدي الإتيان بفعلٍ ما يكاد يكون مستحيلًا"، كما يقول روجر بلاندفورد، وهو عالِم في الفيزياء الفلكية بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا، وليس من بين المشاركين في ذلك التعاون. وقد يقدم لهم مرصد أفق الحدث التحدي الأصعب حتى الآن.

 

وحوش الكون

منذ السبعينات، وعلماء الفلك يعرفون أن هناك مصدرًا غريبًا للإشعاع في قلب مجرّة درب التبانة. التقطت التليسكوبات الراديوية جسمًا مضغوطًا بشكل غير عادي، في المنطقة الممتلئة بالغبار في وسط المجرة، وتحديدًا في كوكبة القوس "Sagittarius"، وسَمّاه علماء الفلك "ساجيتاريوس إيه ستار" *Sagittarius A، ويُكتب اختصارًا: "*Sgr A". وفي النهاية، تمكنوا من جَمْع أدلّة دامغة على أن ذلك الجسم هو ثقب أسود فائق الكتلة، تعادل كتلته تعادل كتلة ما يقارب 4 ملايين شمس. أما الثقب الأسود *M87، الذي يقع في وسط مجرّة M87، فهو أكثر ضخامة، ويعادل حوالي 6 مليارات كتلة شمسية. وبالنظر إلى القُطر الزاوي في السماء، يمتلك هذان الثقبان أكبر آفاق حدث معروفة على الإطلاق للثقوب السوداء.

ورغم امتلاك العلماء فكرة جيدة حول كيفية تكوُّن الثقوب السوداء الصغيرة، لا أحد يعلم بشكل مؤكد كيف تتكون تلك الوحوش فائقة الكتلة. ولزمنٍ طويل، ظل علماء الفلك يساورهم الشك حيال إمكانية بلوغهم قوة التقريب المطلوبة؛ لتصويرها بشكل يُظْهِر التفاصيل.

ويكمن التحدي في المبادئ البصرية الأساسية، حيث تعتمد دقة الصورة بشكل كبير على عرض التليسكوب، أو فتحته، إضافة إلى الطول الموجي للضوء الذي يتم الرصد عنده. إنّ مضاعفة عرض التليسكوب تمكِّن العلماء من رؤية تفاصيل دقيقة بمقدار نصف العرض، وبالمثل عند تقصير الطول الموجي إلى النصف. وعند أطوال موجية تبلغ 1.3، أو 0.87 ملِّيمتر - وهي النطاقات الإشعاعية الوحيدة التي لا يمتصها الغلاف الجوي، ولا يشتتها الغبار بين النجمي والغازات الساخنة – تشير الحسابات إلى أن الأمر سيتطلب طبق استقبال راديوي أكبر بكثير من كوكب الأرض؛ من أجل تصوير *Sgr A، أو *M87.

كبر الصورة

وفي أواخر التسعينات، قام عالِم الفيزياء الفلكية هينو فالك - الذي كان يعمل آنذاك في "معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي" في بون في ألمانيا - والمتعاونون معه بالإشارة إلى أن انحناء الضوء الناجم عن جاذبية أحد الثقوب السوداء سيعمل وكأنه عدسة، تكبِّر *Sgr A بمُعامل مقداره 5، أو نحو ذلك1 كان هذا الخبر سارًّا، إذ كان معناه أن *Sgr A قد يكون في حدود قدرات قياس التداخل ذي خط الأساس الطويل جدًّا (VLBI) الموجود على الأرض. وتقوم هذه التقنية بدمج مراصد متعددة؛ لتكوِّن تليسكوبًا واحدًا افتراضيًّا، له فتحة فعالة كبيرة بمقدار المسافة الواقعة بينها.

ما يُعطي بصيصًا من الأمل في تصوير *Sgr A، والثقب الأكبر *M87، هو أنهما محاطان ببلازما فائقة السخونة، في الغالب هي بقايا نجوم لم تُبتلع مباشرة، لكن مُزقت بفعل إجهاد الجاذبية الشديد. يُشَكِّل الغاز "قرصًا تراكميًّا" يدور بسرعة، وتتحرك مكوناته الداخلية ببطء في اتجاه المركز في مسار حلزوني. وحسب تقديرات فالك وزملائه، إذا انتشرت إحدى شبكات VLBI عبر الكرة الأرضية بأكملها، وكانت تعمل عند طول موجي مقداره نحو ملِّيمتر واحد، يُفترض حينها أن تكون الشبكة حساسة بما يكفي لتبيِّن بدقةٍ الظل الذي يُلقيه *Sgr A على هالة من غازات القرص التراكمي.

كما أجرى الفريق محاولات المحاكاة الأولى لما يمكن أن ترصده شبكة كهذه. وعلى عكس أغلب التصورات الفنية للثقوب السوداء، فإن القرص التراكمي لا يختفي خلف الجسم بالشكل الذي تختفي به حلقات زحل جزئيًّا خلف الكوكب، إذ لا مكان للاختفاء حول الثقب الأسود، حيث تؤدي الجاذبية إلى انحناء نسيج الزمان والمكان، ويكون التأثير هنا شديدًا للغاية، حتى إنّ أشعة الضوء تلتف حول الثقب الأسود، لتُظْهِر صورًا متعددة مشوهة لما يقع خلفه. ومِن شأن ذلك أن يُظْهِر القرص التراكمي كما لو كان يلف ظل الثقب الأسود كهالة حوله. (كان فيلم "إنترستيلر" Interstellar الشهير الذي تم عرضه في عام 2014 هو الفيلم الأول الذي يصوِّر بدقة هذا النوع من انحناء الضوء حول ثقب أسود)، غير أنها لن تكون هالة تقليدية من النوع الذي يظهر في العديد من لوحات عصر النهضة. إنّ المناطق الداخلية في القرص التراكمي تدور بسرعة تقترب من سرعة الضوء، ومن ثم فإن جانبًا واحدًا من جوانب القرص - الجانب الذي يلف في اتجاه المراقب - ينبغي أن يبدو أكثر سطوعًا عن الآخر. وبناءً على ذلك.. يُفترض أن تكون النتيجة شيئًا مماثلًا للهلال (انظر: "قوة الظلمة").

"يستمتع علماء الفلك الراديوي بتحدي الإتيان بفعلٍ ما يكاد يكون مستحيلًا"

في عام 2004، قام فالك - وهو الآن في جامعة رادبود في نايميجن في هولندا - بقيادة الفريق الذي أَجرى واحدة من أُولَى عمليات الرصد للثقب *Sgr A باستخدام VLBI. كانت الشبكة التي استخدموها - والمنصوبة في الولايات المتحدة من قِبل "المرصد الوطني لعلم الفلك الراديوي" - تمتد على مسافة 2,000 كيلومتر، وكانت تستقبل البيانات عند طول موجيّ مقداره 7 ملِّيمترات2. ولم يمكِّنهم ذلك من الحصول على شيء أكثر من بقعة ضوئية، حيث كان الأمر أشبه برؤية الثقب الأسود من خلال زجاج مصنفر.

في تلك الأثناء، وبدايةً من عام 2007، قام فريق بقيادة دويلمان برصد *Sgr A بتقنية VLBI (المرجع 3)، وكذلك *M87 (المرجع 4). وباستخدام شبكات VLBI مكونة من ثلاثة مراصد، تمكَّن الفريق من إجراء قياسات عند طول موجي مقداره 1.3 ملِّيمتر، حيث استطاعوا بذلك رؤية أفق الحدث عن قرب. ورغم أنهم لم يلتقطوا صورة لأفق الحدث، إلا أنهم استطاعوا وضع حدود قصوى لحجمه المتوقَّع.

في نهاية الأمر، اجتمع الفريقان للعمل معًا، واندمجا مع آخرين؛ لتشكيل التعاون الحالي لتليسكوب أفق الحدث. وكلما نما الفريق، ينمو معه أيضًا عدد التليسكوبات المنضمَّة للمشاركة في جهود عملية التصوير.

وفي الشهر الحالي، سيكون أمام فريق تليسكوب أفق الحدث أربع ليال للرصد، أو ربما خمس ليال – وهو الحد الذي يفرضه في الغالب استخدامهم لمصفوف مرصد أتاكاما الملِّيمتري الكبير، أو "ألما" ALMA، في شيلي، والمُقَدَّرة قيمته بـ1.4 مليار دولار أمريكي، وهو يُعَدّ واحدًا من المراصد ذات الإقبال الأعلى في العالم. ويخطط الفريق لقضاء ليلتين في رصد *Sgr A، وليلتين أخريين لرصد *M87. وعند كل محطة رصد، ستُستخدم الساعات الذَّرية؛ لتحديد زمن وصول كل قمة وقاع لكل موجة كهرومغناطيسية، مقرّبة إلى أقرب عُشر نانو ثانية، حسبما أوضحت فريال أوزيل، وهي عالمة في الفيزياء الفلكية النظرية في جامعة أريزونا في توسان.

في عمليات قياس التداخل النموذجية، تتم مقارنة أزمنة الوصول في مواقع مختلفة بشكل آني، ثم يجري تثليثها؛ للتعرف على نقطة منشأها؛ لإعادة بناء الصورة، لكن في ظل وجود مراصد كثيرة منتشرة فى شتى بقاع الأرض (انظر: "جهود عالمية")، بما في ذلك أماكن تكون وصلات الإنترنت فيها بطيئة، سيتطلب الأمر من الباحثين تسجيل كل بث بشكل منفصل، ثم مقارنتها فيما بعد. يقول دانيال مارون، وهو عالِم في الفيزياء الفلكية في جامعة أريزونا: "لن تكون هناك صورة تظهر أمامنا على الشاشة". ويعني ذلك أن تليسكوب أفق الحدث سيكون بحاجة إلى تسجيل البيانات بمعدل أسرع من أي تجربة سابقة من أي نوع، حسب قول أفيري برودريك، وهو عالِم في الفيزياء الفلكية بجامعة واترلو في كندا، إذ ستنتِج ليلة نموذجية كَمًّا من البيانات يعادل ما يمكن أن ينتج عن سنة كاملة من التجارب في مصادم الهادرون الكبير، الموجود خارج جنيف في سويسرا.

كبر الصورة

ستُرسل أرفف الأقراص الصلبة التي تحتوي على البيانات الناتجة إلى موقعين مركزيين، حيث تقوم مجموعات من الحواسيب بتجميعها في صورة واحدة، وسوف تستغرق تلك المهمة ما يقرب من ستة أشهر. وبمجرد أن تكتمل تلك المرحلة، ستبدأ عملية تحليل البيانات، وهو الجزء البحثي العلمي الفعلي. ومن ثم، ففي الغالب لن تكون لدى الفريق نتائج يمكن نشرها قبل عام 2018.

 

الباحثون عن النفثات

يَعْقِد علماء الفيزياء الفلكية آمالًا كبيرة على نتائج تليسكوب أفق الحدث.. فهم مهتمون - على وجه الخصوص - بالبيانات التي يمكن أن تساعد في تفسير واحدة من أكثر الظواهر المدهشة في الكون، وهي نفثات عملاقة من جسيمات، تقذفها ثقوب سوداء فائقة الكتلة في الفضاء بين المجرّات، بسرعة تقترب من سرعة الضوء. وبعض تلك الثقوب السوداء، بما فيها *M87، يقذف تلك النفثات لمسافة أطول حتى عن مجرّاتها المضيفة، لكنْ لا تفعل ذلك كل الثقوب السوداء، فإذا ما كان *Sgr A يُطْلِق أي نفثات، ستكون صغيرة جدًّا، أو ضعيفة للغاية، إلى درجة لم تسمح برصدها حتى الآن.

والعلماء ليسوا متأكدين حتى مما تتكوّن منه تلك النفثات، لكن يبدو أنها تلعب دورًا كبيرًا في تطوُّر الكون. وعلى وجه الخصوص، عن طريق تسخينها للمادة بين النجمية، يمكن للنفثات أن تمنع تلك المادة من أن تبرد لتكوِّن النجوم، وبالتالي فإنها تُوقِف نمو المجرّة، كما يقول برودريك، الذي يضيف قائلًا: "إن النفثات تتحكم في مصير المجرّات".

والتفسير الأكثر احتمالًا لتلك النفثات - كما يقول علماء الفيزياء الفلكية - هو أنها تنتج عن طريق التواء المجالات المغناطيسية بشكل سريع خارج الثقب الأسود مباشرة، لكن ليس من الواضح من أين تأتي الطاقة الخاصة بها. ففي السبعينات، قام بلاندفورد وزملاؤه بتقديم نموذجين بديلين: في واحد منهما تأتي الطاقة من القرص التراكمي، وفي الثاني تُستمد من دوران الثقب الأسود نفسه (الذي لا يتزامن بالضرورة مع دوران القرص التراكمي). وفي عام 2015، أعلن5 فريق دويلمان عن التلميحات الأولى حول البِنْيَة في المجال المغناطيسي حول *Sgr A، باستخدام تقنية VLBI، عند طول موجي 1.3 مليمتر. وتشير نتائجهم إلى أن دوران الثقب الأسود حول نفسه هو المرشح الأكثر رجوحًا عن الأقراص التراكمية لمدّ النفثات بالطاقة، كما يقول بلادنفورد، إلا أن القوة الكاملة للتجارب القادمة يمكن أن تجعل ذلك الاستنتاج أكثر رسوخًا بكثير، كما يمكنها أن تكشف ما إذا كان *Sgr A يُطْلِق أي نفثات على الإطلاق، أم لا.

على المستوى الأعمق، من شأن التمعن في حجم وشكل أفق الحدث أن يضع نظرية الجاذبية الخاصة بأينشتاين تحت الاختبار للمرة الأولى، في النظام القاسي الذي يحيط بثقب أسود فائق الكتلة. ويأتي ذلك تبعًا للاكتشافات التاريخية التي أُعلن عنها في العام الماضي من قِبَل مرصد "ليجو" LIGO - وهو مرصد قياس تداخل موجات الجاذبية بالليزر - الذي تمكَّن من التقاط إشارة موجات الجاذبية الناتجة عن اندماج ثقوب سوداء هائلة، تماثل ضخامتها حجم النجوم الكبيرة. وقد تمت الإشادة بنتائجه، باعتبارها الدليل الأكثر إثارة حتى الآن على وجود الثقوب السوداء، إلا أنها لم تقدِّم حتى الآن أدلة حاسمة. وإضافة إلى ذلك.. فإن الثقوب السوداء فائقة الكتلة أكبر بملايين أو مليارات المرات، حسبما أشار برودريك. ويقول: "ما ننظر إليه هو مكان لا نعرف بالضرورة كيف تعمل مبادئ الفيزياء فيه".

وهناك أيضًا فرصة لأنْ يعثر تليسكوب أفق الحدث على شيء مختلف عن ثقب أسود في المناطق المستهدفة. أتى العلماء النظريون بعدد من الأفكار البديلة؛ لتفسير ما يحدث عندما تنهار المادة تحت وطأة وزنها. وحسب بعض تلك النظريات، لا تتشكل الثقوب السوداء على الإطلاق، لأن انهيار الجاذبية يتوقف قبل أن تَعْبُر البقايا النجمية نقطة اللاعودة. وقد ينتج عن ذلك نجم فائق الانضغاط، له سطح صلب، وربما ينبعث منه إشعاع يمكن التقاطه بواسطة تليسكوب أفق الحدث.

يقول عالِم الفيزياء الفلكية كارلوس بارسيلو - من "معهد الأندلس للفيزياء الفلكية" في غرناطة بإسبانيا - إنّ العثور على أي شيء من هذا القبيل هو احتمال بعيد. ويضيف: "يساورني بعض الشك حول كون عملية الرصد تلك ستكون قادرةً على التفريق بين الثقوب السوداء التقليدية، وأنواع أخرى من الأجسام الأكثر غرابة". ويقول بارسيلو وآخرون إنّ مرصد "ليجو" ربما تكون لديه فرصة أفضل لاختبار تلك النماذج، على سبيل المثال، عن طريق التقاط أصداء ناجمة عن اندماج ثقبين أسودين.

ورغم استمرار عمليات رصد VLBI في التحسن، قد تصل إلى نُقطة سيتمكن عندها العلماء من معرفة ما إذا كان أفق الحدث متماثلًا، كما تفترض نظرية النسبية العامة، أم لا، حسب قول ألكسندر ويتيج، المتخصص في تحليل المهمات في "المركز الأوروبي لأبحاث وتكنولوجيا الفضاء" في نوردفيك في هولندا. يقول ويتيج: "إن نسخة مستقبلية من تليسكوب أفق الحدث يمكنها أن تصل إلى قوة تقريب تسمح لنا بتمييز السمات الأكثر تعقيدًا في شكل الظل الظاهر هذا". ومن أجل هذا الهدف.. يحلم فالك بالفعل بمصفوفات من التليسكوبات الفضائية، التي يمكنها أن تجعل تليسكوب أفق الحدث أكبر حتى من كوكب الأرض نفسه.

ورغم ذلك.. فإن علماء الفلك في الوقت الراهن سيَقْبلون بكل سرور الحصول على صور بعدد صغير من وحدات بكسل، تمنحهم أول نظرة خاطفة على تلك الأجسام الضخمة بعيدة المنال. وكانوا قد كوّنوا صورًا تخيُّلية في أدمغتهم، مستوحاة غالبًا من كتب وأفلام الخيال العلمي، مثل فيلم "إنترستيلر" Interstellar. يقول بلاندفورد: "إن فكرة إمكانية لحاق علماء الفلك الراديوي بهوليوود، وعرض صور لثقوب سوداء موجودة بالفعل.. فكرة ساحرة".

References

  1. (Falcke, H., Melia, F. & Agol, E. Astrophys. J. 528, L13–L16 (2000
  2. (Bower, G. C. et al. Science 304, 704–708 (2004
  3. (Doeleman, S. S. et al. Nature 455, 78–80 (2008
  4. (Doeleman, S. S. et al. Science 338, 355–358 (2012
  5. (Johnson, M. D. et al. Science 350, 1242–1245 (2015