أخبار

شعوب السان تصوغ أخلاقيات البحث العلمي

المجتمعات الأصلية التي تمت دراستها بعمق - والمعروفة باستخدامها للغات الطقطقة - هي الأولى أفريقيًّا في صياغة مسودة لأخلاقيات البحث العلمي.

إوين كالاوي

  • Published online:
إحدى رقصات السان التقليدية التي تُؤَدَّى في أحد متاحف ناميبيا الحية.

إحدى رقصات السان التقليدية التي تُؤَدَّى في أحد متاحف ناميبيا الحية.

Oleksandr Rupeta/NurPhoto via Getty

تُعَدّ شعوب السان (المعروفة أيضًا بالبوشمن) التي تعيش في جنوب أفريقيا من أكثر مجموعات السكان الأصليين التي تمت دراستها في العالم، حيث قامت حشود من العلماء بدراسة أساليب حياتهم القائمة على الصيد وجمع الثمار، إضافة إلى لغة الطقطقة خاصتهم، وفنّهم الصخري القديم. وقد كان أفراد البوشمن من أوائل الأفريقيين الذين حصلوا على تسلسل للجينوم الخاص بهم.

لكن بعض السان يريدون أن يكون لهم القول الفصل في مثل هذه الأبحاث. ففي الثاني من مارس الماضي، قامت ثلاثة مجتمعات في جنوب أفريقيا بنشر وثيقة أخلاقيات البحث العلمي الخاصة بها، التي تُعَدّ الأولى من نوعها التي تُصْدِرها مجموعة من السكان الأصليين في أفريقيا. وعلى الرغم من أن هذه القواعد لن يكون لها وزن قانوني، فإن المؤلفين يأملون في إشعار العلماء بضرورة تقديم مقترحاتهم البحثية في مجتمعات البوشمن للجنة مراجعة مكوَّنة من أعضاء المجتمع. وتحذِّر القواعد المنصوص عليها من أن البوشمن قد يرفضون التعاون مع المؤسسات التي لا يلتزم أفرادها بالأخلاقيات المتفَق عليها.

وقد قام بوضع هذه المبادئ قادة تقليديون من مجموعات الزون (Xun!)، والخوي (Khwe)، والخوماني (Khomani!)، التي تمثلما يصل إلى 8,000 نسمة في جنوب أفريقيا.

يقول هيني سوارت، مدير معهد البوشمن الجنوب أفريقي (SASI) في كيمبرلي، الذي ساعد في وضع هذه القواعد: "لقد تدفق إلينا الباحثون على مر السنين. والهدف الآن ليس مَنْع الأبحاث، وإنما إجراؤها بطريقة صحيحة".

وكان الدافع وراء وضع مبادئ أخلاقيات البحث بحثًا نُشر في دورية 1Natureفي عام 2010 عن أول تسلسل لجينوم بشري من جنوب أفريقيا. وكان هذا الجينوم مأخوذًا من رئيس الأساقفة ديزموند توتو، الحائز على جائزة "نوبل" للسلام لعام 1984، إضافة إلى أربعة من رجال البوشمن من ناميبيا. وقد وافقت على الدراسة كل من: حكومة ناميبيا، ولجان الأخلاقيات في جامعات العلماء بأستراليا، وجنوب أفريقيا، والولايات المتحدة. وقام الباحثون أيضًا بتصوير رجال السان وهم يعطون موافقة شفهية بمساعدة أحد المترجمين.

لكن بعض قادة البوشمن شعروا بالاستياء؛ لكون الفريق لم يستشرهم، وكانوا قلقين بشأن كيفية حصول الباحثين على موافقة رجال السان، وذلك وفقًا لما ذكره روجر تشينلز، محامي حقوق الإنسان في ستيلينبوش، جنوب أفريقيا، الذي ساعد في صياغة مسودة الوثيقة (انظر: go.nature.com/2nwyj1m). ويقول تشينلز إن الدراسة "أثارت حفائظهم بشدة".

وكانت هذه الورقة البحثية قد استَخدمت بعض المصطلحات، مثل "البوشمن"، التي يعتبرها بعض أفراد السّان مسيئة. ويضيف تشينلز: "لم يُنظر إلى أي بحث حديث آخر باعتباره مهينًا لقادة السان، ومتعاليًا عليهم، مثلما نُظر إلى هذا البحث".

ويتوقع تشينلز أن مجتمعات ناميبيا وبوتسوانا ستتبنى رسميًّا هذه المبادئ في المستقبل. وحتى ذلك الحين، سيتم تشجيع الباحثين العاملين مع هذه المجتمعات على الانتباه لهذه القواعد، ومراعاتها، حسب قول تشينلز.

وعلى الرغم من ذلك، يتساءل ستيفان شوستر - عالِم الجينوم الذي شارك في الدراسة، بينما كان في جامعة ولاية بنسلفانيا في ستيت كوليج - عما إذا كانت آراء قادة السان في جنوب أفريقيا تمثل مجموعات السان الأخرى، أم لا. ويضيف شوستر، الذي يعمل الآن في جامعة نانيانج التكنولوجية في سنغافورة: "لماذا قد يحيط مجلس السان في جنوب أفريقيا علمًا بما نقوم به في شمال نامبيا؟". وبعد نشر بحث الجينوم، عَقَدَ قادة السان ورشات عمل مع العلماء، وخبراء الأخلاقيات، والمحامين؛ لصياغة مسودة المبادئ الأخلاقية للبحث. وقام بالتمويل "مشروع ترست" TRUST Project، وهو بمثابة جهد أوروبي لتعزيز أخلاقيات البحث العلمي في العالم.

ويقول سوارت إنّ عملية دعم البحث الملتزم بالقواعد الأخلاقية ما زالت في طور التشكُّل، ولكن سيتم تشجيع الباحثين على تقديم مقترحات لمجلس السان الجنوب أفريقي. ويضيف تشينلز قائلًا إنّ المجلس "يتعهد بعدم منع أو إعاقة البحث الجيد بدون مبرر".

ويأمل كل من تشينلز وسوارت أن ينجح تطبيق أخلاقيات وقواعد البحث الخاصة بالسان في الأبحاث المجراة على مجتمعات السكان الأصليين في أستراليا. فعلى الباحثين هناك أيضًا الحصول على موافقة الجماعات الممثلة لمجتمعات السكان الأصليين الإقليمية، أو المحلية. وقد استُقبلت دراسة2 أجريت في عام 2011 على أول جينوم لسكان أستراليا الأصليين (والمأخوذ من عيِّنة شعر من أوائل القرن العشرين) بما يشبه الرفض، حيث اعتبرت غير صالحة، لأن العلماء لم يسعوا من البداية إلى أخذ موافقة إحدى مجموعات السكان الأصليين. يقول سوارت: "نحن نتعلم من الأستراليين".

"فإذا أراد الباحثون العمل مع السان، وكان هذا هو البروتوكول المعمول به، فعليهم احترامه. هذا هو ما تعنيه العدالة الاجتماعية"، حسبما يقول هيملا سوديال، عالِم الوراثة بجامعة ويتواترسراند في جوهانسبرج، جنوب أفريقيا، الذي شارك في تأليف ورقة بحثية3 في عام 2012، حَلَّلت جينومات أفراد من السان.

وسعى ذلك الفريق للحصول على إذن للقيام بالبحث من مجلس السان بجنوب أفريقيا، ومن منظمة أخرى من منظمات السان، هي المجموعة العاملة للأقليات الأصلية في جنوب أفريقيا (WIMSA). وقام الباحثون بنقل نتائجهم إلى مجتمعات السان، وأبلغوا أفرادها بما تعلموه عن أصولهم الوراثية.

وتعتقد إيما كوال - عالمة الأنثروبولوجيا بجامعة ديكن في ملبورن، أستراليا - أن هذه القواعد الأخلاقية ستشجع العلماء على وضع مصالح مجتمعات البوشمن في الاعتبار. وتضيف كوال، التي تعمل على أخلاقيات البحث مع السكان الأصليين: "وفقًا لخبرتنا في أستراليا، سيتوصل الباحثون إلى حلّ، وسيغيرون مِن ممارساتهم".

References

  1. (Schuster, S. C. et al. Nature 463, 943–947 (2010
  2. (Rasmussen, M. et al. Science 334, 94–98 (2011
  3. (Schlebusch, C. M. et al. Science 338, 374–379 (2012