NATURE | أخبار

عوالم منحنية في واقع افتراضي

يخطط علماء الطوبولوجيا للعمل على جعل الهندسة البديلة متاحة للجميع.

دافيديه كاستيلفيكي

Nature (2017) doi:10.1038/543473a | Published online | English article

يَستخدِم علماء الرياضيات الواقع الافتراضي، لمحاكاة التجول في فضاء زائدي.

يَستخدِم علماء الرياضيات الواقع الافتراضي، لمحاكاة التجول في فضاء زائدي.

ELEVR/CC BY

يقول عالِم الطوبولوجيا هنري سيجرمان، من جامعة ولاية أوكلاهوما في ستيلووتر: "يبدو الكون وكأنه يقع كله ضمن كرة، قد يبلغ نصف قطرها بضعة أمتار فقط". وتلك ليست إحدى نوبات الهلوسة المصاحِبة لعقار LSD، بل إنه يصف تجربته في استكشاف كون منحني، لا تنطبق عليه قواعد الهندسة العادية.

أَطْلَقَ سيجرمان والمتعاونون معه برنامجًا حاسوبيًّا، يسمح لأي شخص يملك جهاز عرض واقع افتراضي أن يتجول في أنحاء هذا العالم المنحني، الذي استعرضوه في شهر فبراير الماضي، من خلال ورقتين بحثيتين نُشرتا على خادم أركايف1،2 لنشر ما قبل الطباعة .arXiv.org

ولاستكشاف الاحتمالات الرياضية للهندسة البديلة، تخيَّل علماء الرياضيات هذه الفضاءات "غير الإقليدية"، التي يمكن فيها أن تتقاطع الخطوط المتوازية، أو تتباعد عن بعضها البعض. والآن، وبمساعدة أجهزة الواقع الافتراضي ذات الأسعار المعقولة نسبيًّا، يعمل الباحثون على جعل الفضاءات المنحنية متاحة أكثر، وهو مفهوم معاكِس للبداهة، يتضمن نظرية أينشتاين الكامنة وراء مفهوم الجاذبية، وأيضًا علم الزلازل، بل وقد تكشف أيضًا عن مبادئ جديدة في الرياضيات في أثناء ذلك.

تقول إليزابيتا ماتسوموتو، وهي عالمة فيزياء في "معهد جورجيا للتكنولوجيا" في أتلانتا: "يمكنك التفكير في الأمر، لكنْ لا يأتيك شعور حسي عميق حياله، حتى تُجَرِّبه فعلًا".

تَعتمِد الهندسة الإقليدية التقليدية على افتراض أن الخطوط المتوازية تبقى على المسافة نفسها من بعضها إلى الأبد، فلا تتلاقى، ولا تتباعد. أما في الهندسة غير الإقليدية، فينهار "افتراض التوازي" هذا. ومن ثم، ينشأ احتمالان رئيسان: أحدهما هو الهندسة الكروية، التي يمكن فيها أن تتلاقى الخطوط المتوازية - في نهاية المطاف - بالطريقة التي تتقاطع بها خطوط الطول الأرضية عند القطبين. والآخَر هو الهندسة الزائدية، التي تتباعد فيها تلك الخطوط.

يمثل ماتسوموتو وسيجرمان جزءًا من الواقع الافتراضي الزائدي، في تعاون يقدم تلك الفضاءات الزائدية للعامة. سيقوم فريقهما، الذي يضم مجموعة من علماء الرياضيات الفنانين في سان فرانسيسكو بولايةكاليفورنيا، ويدعى "إلي في. آر." eleVR، بكشف النقاب عن جهودهم في مؤتمر للفنون والرياضيات يُعقد في هذا الصيف.

في الثمانينيات، أَحْدَث عالِم الرياضيات بيل ثورستون ثورة في دراسة الهندسة ثلاثية الأبعاد. ويعود السبب في ذلك - بشكل جزئي - إلى تخيُّله لنفسه متجولًا في أنحائها. ومنذ ذلك الحين، يعمل علماء الرياضيات على تطوير رسوم متحركة، وحتى محاكِيات للطيران، تُظْهِر المنظر الداخلي للفضاءات غير الإقليدية.

وبالمقارنة بتلك التصورات التي تم عرضها على شاشة الحاسوب، يتميز الواقع الافتراضي بأنه يعيد صياغة الطريقة التي تصل بها أشعة الضوء إلى كل عين. وفي الفضاء الإقليدي، يعني النظر إلى نقطة في اللانهائية أن خطوط بصر العينين ستتبع خطوطًا متوازية، لكنْ في عالم زائدي، سيتباعد المساران عن بعضهما البعض، كما يقول سيجرمان؛ ما يجبر المشاهِد على اتخاذ رد فعل مختلف. "هنا، إذا نظرت إلى نقطة في اللانهائية، سيكون عليك أن تجعل عينيك تحولّان قليلًا"، كما يقول. أما بالنسبة إلى "أدمغتنا الإقليدية"، على حد قوله، فذلك يجعل كل شيء يبدو قريبًا نوعًا ما.

ولكنّ الصِّغَر خادع.. فمِن أكثر الحقائق غرابةً حول الفضاء الزائدي، هي اتساعه الهائل. وفي الفضاء الإقليدي، تكبر مساحة السطح ضمن نصف قطر محدد بسرعة مربع طول نصف القطر، ويكبر الحجم أيضًا بسرعة مكعّبِه نفسها. أما في مساحات الفضاء الزائدي، فيختلف الأمر؛ حيث تزيد الأحجام بشكل أسرع (أُسيًّا) نسبةً إلى نصف القطر. وإحدى نتائج ذلك هي أن المستخدم المتجول لأحد الكواكب في العالم الزائدي يجد الكثير ليزوره على مسافة قريبة يمكنه أن يمشي إليها.

وحتى الآن، لا يوجد هناك الكثير للقيام به في عالم eleVR، عدا استكشاف البلاطات المكوَّنة من أشكال هندسية، كالشكل الخماسي والاثنا عشريّ السطوح، إلا أن الفريق يخطط لبناء منازل وشوارع زائدية، فضلًا عن تجارب تفاعلية، مثل لعب نسخة غير إقليدية من كرة السلة. ويأمل الباحثون أن تصبح برامجهم مفتوحة المصدر شائعةً في المتاحف العلمية، ولدى الأعداد المتزايدة من عشاق الواقع الافتراضي من المستخدمين.

وهناك آخرون يعملون أيضًا على جلب الفضاء الزائدي إلى الواقع الافتراضي. فقد قام دان ميشيلز - وهو عالِم رياضيات في جامعة إلينوي في أوربانا شامبين - بتطوير كون زائدي افتراضي، ضمن مشروعه كطالب، وذلك في عام 2014. كما ابتكر ديفيد دوماس - وهو عالِم في الطوبولوجيا في جامعة إلينوي في شيكاغو - بالاشتراك مع طلابه نسخةً من لعبة كرة المضرب في فضاء زائدي افتراضي، حيث إنّ أي كرة تُبعث في أي اتجاه.. تعود إلى نقطة البداية في نهاية المطاف.

وقد ينضم الواقع الافتراضي قريبًا إلى تقليد طويل من التصورات والأدوات التجريبية، التي ساعدت علماء الرياضيات في اكتشافاتهم. فتصوُّر الكُسُور - على سبيل المثال - أدى إلى اكتشافات حول أساسها الرياضي. ويقول دوماس: "إنّ اكتشاف كيفية الاستفادة من [الواقع الافتراضي] كأداة بحثية يبدأ الآن".

كما أعربت ماتسوموتو عن أنّ الفريق سيرغب أيضًا في ابتكار تجارب واقع افتراضي، لهندسيات أكثر غرابة. ففي بعض هذه الفضاءات، قد تبقى الخطوط المتوازية على مسافة ثابتة من بعضها البعض، إذا ما ذهبت في اتجاه واحد؛ لكنها قد تلتقي أو تتباعد في اتجاهات أخرى. فالمشي حول دائرة قد يؤدي بك إلى مكان أعلى أو أسفل نقطة البداية، مثل صعود أو هبوط سلم حلزوني.

ويمكن لتصوُّر أشكال هندسية مثل هذه أن يكون مفيدًا بشكل خاص كأداة رياضية، كما تقول، إذ إنّ "قلة قليلة جدًّا من الناس قد فكروا في تصوُّرها".

References

  1. Hart, V., Hawksley, A., Matsumoto, E. A. & Segerman, H. Preprint at https://arxiv.org/abs/1702.04004 (2017) | article
  2. Hart, V., Hawksley, A., Matsumoto, E. A. & Segerman, H. Preprint at https://arxiv.org/abs/1702.04862 (2017) | article