NATURE | كتب وفنون

عالَم من شِبَاك العناكب

يجد فيليب بول نفسه منشغلًا بأعمال فنية نَسَجَتْها آلاف العناكب الجنوب أمريكية.

فيليب بول

Nature (2017) doi:10.1038/543314a | Published online | English article

كيف توقِع الكون في شرك شبكة عنكبوت

"متحف بوينس آيرس للفن الحديث"، ابتداء من 6 أبريل.

"حفلة موسيقية عنكبوتية"، عمل فني لتوماس ساراتشينو، 2016، بمشاركة العنكبوت Nephila senegalensis، والغبار الكوني لنيزك الكوندريت Porus Chondrite، وطاقم عمل "برثينج إنسمبل" Breathing Ensemble.

"حفلة موسيقية عنكبوتية"، عمل فني لتوماس ساراتشينو، 2016، بمشاركة العنكبوت Nephila senegalensis، والغبار الكوني لنيزك الكوندريت Porus Chondrite، وطاقم عمل "برثينج إنسمبل" Breathing Ensemble.

Courtesy the artist and E. Schipper, Berlin. Photography: Studio Tomás Saraceno, 2016

يبدو أن التحذير الشهير بعدم العبث مع الحيوانات أو الأطفال لم يصل بعد إلى توماس ساراتشينو، الفنان المولود بالأرجنتين، والمقيم في برلين، الذي يؤمن بأن العناكب الغازلة المدارية قادرة على سرقة الأضواء، ولا يمكن التنبؤ بسلوكها. يعتمد ساراتشينو على آلاف العناكب كمعاونين له في معرضه في متحف بوينس آيرس للفن الحديث.

يتجول الزائرون وسط أكثر من 190 مترًا مربعًا من شِبَاك العناكب التي نسجها Parawixia bistriata، وهو عنكبوت غازل مداري، موطنه عدد من دول أمريكا الجنوبية. ويستضيف جناحٌ ثان "حفلة موسيقية عنكبوتية"، حيث تتصل شبكة عنكبوتية ينسجها غازل مداري أصلي آخر، هو العنكبوت Nephila clavipes، بمجسات تلتقط الحركات الارتدادية لخيوط الشبكة العنكبوتية، وتبث تلك الاهتزازات عبر مكبرات صوتية، مثيرة حركات العناكب في حلقة من ردود الفعل. وفي غضون ذلك.. تقوم الموجات الصوتية الصادرة من المكبرات الصوتية ببث "غبار كوني" – جزيئات دقيقة من نيزك الكوندريت – في الهواء، وتحاكي أشعة من الضوء حركاتها الراقصة، حيث يحاول ساراتشينو أن يشير إلى علاقة تخيلية بين الشبكات العنكبوتية، و"الشبكات الكونية" للمادة (بما فيها من مجرّات، وسُدُم، وغبار، ومادة مظلمة) المتغلغلة في الكون، وهو موضوع قام بالتناقش فيه مع علماء الفيزياء الفلكية.

ويتسم السلوك الاجتماعي لعناكب Parawixia bistriata بالتعقيد، فهي تعيش في مستعمرة، وخلال النهار تبني أعشاشًا مشترَكة تشبه خلايا النحل، وعند الغسق تصل شِبَاكها العنكبوتية الفردية ببعضها البعض؛ لتشكل شبكة كبيرة تصطاد بها فرائسها. وعند نضجها، تبدأ العناكب في الاعتماد على نفسها في الصيد. وبالمثل، يُعَدّ عمل ساراتشينو الفني مشروعًا جماعيًّا - إلى حد بعيد - مبنيًّا بما يقرب من 40 مليون أو أكثر من خيوط الشبكات العنكبوتية الفردية. ويشبِّه ساراتشينو كل خيط منها بأنه "أثر في الهواء"، تمامًا كالأثر الذي تتركه حبة غبار سابحة في الهواء. ويقول إن الزائرين سيرون في البداية "تفاصيل بسيطة للغاية، ومع تَنَقُّلهم خلال تلك التفاصيل، تظهر لهم خيوط الشبكات العنكبوتية المتداخلة المتلألئة، ومرافئ السدم، والمجموعات الهجينة من المجرّات، ليتعرفوا على عوالم مصغرة من المشارَكة". ويُسمح للزوار بالاستلقاء والتمتع بالنظر إلى هذا الكون المؤلَّف من خيوط حريرية.

أمّا مشاركة العنكبوت Nephila clavipes ، فهي بمثابة سيمفونية متقنة، حيث إنّ الجسيمات النيزكية الصغيرة - التي تم الحصول عليها بالتعاون مع "متحف برلين للتاريخ الطبيعي" - تختلط مع الغبار في الهواء، لتصبح جزءًا من المشهد الصوتي، ويتم تتبُّع تحركاتها وتصويرها في مقاطع فيديو، ومن ثم تكبير تلك المقاطع على شاشة عرض، في حين تتم ترجمة المسارات عبر خوارزمية مُعَدَّة إعدادًا خاصًّا إلى صوت ذي تردد منخفض، ثم تُبَثّ عبر 24 مكبرًا للصوت. وهكذا، تُدمج أصوات الغبار، والشبكات العنكبوتية، والعناكب، والأصوات العرضية للزوار معًا في نسيج صوتي واحد.

تساعد اهتزازات خيوط الشبكات العنكبوتية العناكبَ على تحديد موقع الفريسة باستخدام القرائن الصوتية التي تلتقطها المجسّات الموجودة في أقدامها (B. Mortimer et al. J. R. Soc. Interface 13, 20160341; 2016). ويمكن تصميم الشبكة نفسها لتعزيز المعلومات المتعلقة بالاتجاهات من هذه الاهتزازات.

وتتجاوز طموحات ساراتشينو البُعْد الجمالي لهذا العمل الفني، فالاستوديو الخاص به في برلين مجهَّز بمختبر يؤوي 300 عنكبوت. وفي هذا المعرض، يتعاون ساراتشينو (مِن أجل فَهْم كيف تتخذ العناكب قراراتها الجماعية) مع اثنين من العلماء؛ الأول هو عالِم العنكبوتيات مارتن راميريز في متحف برناردينو ريفادافيا الأرجنتيني للعلوم الطبيعية في بوينس آيرس، والثاني هو عالِم الأحياء أليكس جوردن من قسم السلوك الجماعي في معهد ماكس بلانك لعلم الطيور في كونستانز، ألمانيا. وقد طَوَّر ساراتشينو وفريق الاستوديو الخاص به أساليب رائدة، لتصور شبكات العناكب المعقدة ثلاثية الأبعاد.

وعمل ساراتشينو مع العديد من العلماء والمؤسسات العلمية على مر السنين، حيث قضى فترات تدريب في "المركز الوطني للدراسات الفضائية" في باريس، و"مركز الفنون والعلوم والتكنولوجيا"، التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج. وفي عام 2015، عرض عملًا فنيًّا في "مركز الفن المعاصر" بجامعة نانيانج التكنولوجية في سنغافورة، بعنوان "حفلات صاخبة لأوركسترا العناكب" Arachnid Orchestra Jam Sessions، حيث قام بتضخيم اهتزازات خيوط الشبكات العنكبوتية التي تُحْدِثها العناكب، وتحويلها إلى صوت، بينما قَدَّم موسيقيون بشريون عزفًا ارتجاليًّا مُرَافِقًا لعزف العناكب. ينظر ساراتشينو إلى كل شبكة من تلك الشبكات العنكبوتية باعتبارها نوعًا من المقاطع الوترية الارتجالية الفريدة التي تعزفها العناكب.

وبجانب خَلْق مشهد صوتي أثيري، كان المشروع مثالًا على الهدف الأوسع لساراتشينو؛ ألا وهو استكشاف التعايش بين البشر والحيوانات الأخرى. وعلى الرغم من أن شبكات العناكب في مَعَارِضه ليست بالضرورة مماثلة لنظيرتها المتدلية في الحدائق والمنازل، إلا أنّ العناكب تصنع إبداعات رقيقة في كل مكان حولنا، لكننا لا نلاحظها في الغالب. و"العملية الجمالية هنا"، حسبما يقول، تقرِّب العناكب "لتمثل أمام أعيننا". وعندما زار عالِم الاجتماع الفرنسي برونو لاتور الاستديو الخاص بساراتشينو؛ صرَّح بأنه سيتوقف عن إزالة خيوط العنكبوت في منزله. وإذا ما استمر ساراتشينو في المضي في طريقه، فإن لاتور لن يكون وحده مَن يبدي احترامًا أكبر لهذه العوالم المصغرة من الاهتزاز، والصوت، والضوء.

فيليب بول كاتب يعيش في لندن، وأحدث كتبه: "مملكة المياه" The Water Kingdom، و"أنماط في الطبيعة" Patterns in Nature.

البريد الإلكتروني: p.ball@btinternet.com