تحقيق إخباري

عندما تنفد المبيدات الحشرية

تؤدي المقاوَمة في الوقت الراهن إلى استنفاد الترسانة الزراعية التي تتصدى للحشرات والأعشاب الضارة والأمراض. ومن ثم، يمكن للتقنيات البيولوجية الحديثة تقديم المساعدة.

بروك بوريل

  • Published online:
طائرة لرَشّ الحقول تقوم برَشّ إحدى مزارع الموز في الفلبين بمبيدات للفطريات.

طائرة لرَشّ الحقول تقوم برَشّ إحدى مزارع الموز في الفلبين بمبيدات للفطريات.

Romeo Gacad/AFP/Getty

يستهلّ بروك زولر يومه كل صباح بمتابعة النشرة الجوية. فعلى مدار الأعوام الخمسة الماضية، عانى الكثير من مزارعي كاليفورنيا - مثل زولر - من حالة غير مسبوقة من الجفاف. أما الآن، فإنهم يواجهون مشكلة معاكِسة تمامًا. ففي الشهور الأولى من عام 2017، هطل المطر بالفعل بكميات فاقت كل ما نزل من السماء من مطر على مدار العام الماضي بأكمله في كيلسيفيل، حيث يزرع زولر الجوز وعنب النبيذ، ويقوم بتأجير مساحات من الأراضي لمزارعي الكمثرى. لقد أدَّت الأوحال الناتجة عن الأمطار إلى إبطاء وتيرة أعمال التقليم، وأَخَّرَت تنفيذ عمليات الرش المستخدَمة في مكافحة أنواع الحشرات الرئيسة على مدار الشتاء. فإذا استمرت الأمطار حتى حلول الربيع، من الممكن أن يؤدي ذلك المزيج من الدفء والرطوبة إلى وقوع حالات من العدوى الفطرية والبكتيرية. يظن زولر أنه لكي يحمي محاصيله، سوف يضطر إلى استخدام العديد من مبيدات الآفات التقليدية.

إنّ الاختيارات المتاحة حاليًّا أصبحت أضيق نطاقًا، نتيجةً للمقاومة. وبصفة عامة، فإن مرض "اللفحة النارية"، وهو مرض بكتيري، يمكنه أن يتسبب في حدوث تقرُّحات متدلية في جذوع أشجار الكمثرى، يستجيب عامة للمضادات الحيوية، ولكن مفعول الأدوية يبطل، إذا تم استخدامها بإفراط. أما مرض "جَرَب الكمثرى"، وهو فطر يؤدي إلى تكوُّن بقع بنية قبيحة المنظر على الثمار، فيتطلب استخدام العديد من مبيدات الفطريات على مدار الموسم الزراعي بكامله. يستخدم زولر - الذي يعمل أيضًا مستشارًا لمكافحة الآفات الزراعية - بعض تلك المواد الكيميائية مرة واحدة فقط، قبل أن يبدأ مفعولها في التلاشي. يقول: "تَحْدُث المقاوَمة بسرعة شديدة، ويراوِدك الأمل في ألّا تهطل أمطار كثيرة؛ حتى يمكنك تدبر الأمر بما في جعبتك من مبيدات".

تُعَدّ مقاومة مبيدات الآفات التقليدية، بين الحشرات، أو الأعشاب الضارة، أو المُمْرِضات الميكروبية، من الأمور الشائعة في المَزارع على مستوى العالم. وتدعم جمعية "كروب لايف إنترناشونال" - وهي جمعية صناعية، مقرها بروكسل - الجهود التي قامت بحصر 586 نوعًا من المفصليات، و235 نوعًا من الفطريات، و252 نوعًا من الأعشاب الضارة التي تستطيع مقاومة نوع واحد على الأقل من مبيدات الآفات المُصنَّعة (انظر: "ارتفاع نسبة المقاومة"). وتلك هي فقط الحالات التي تَعَرَّف عليها العلماء، وسجلوها رسميًّا.

على مدار عدة عقود، كانت صناعة المواد الكيميائية الزراعية تطرح منتجات جديدة؛ لتحلّ محلّ المنتجات القديمة، ولكنْ في بالنسبة للكثير من المحاصيل، أوشك ذلك المورد على النضوب. لقد انخفض معدل اكتشاف مبيدات الآفات "تقريبًا إلى الصفر في الأعوام العشرة الماضية، أو نحوها"، حسبما تقول سارة أولسون، كبيرة المحللين البحثيين بشركة "لوكس" للأبحاث في بوسطن بولاية ماساتشوستس، وهي شركة متخصصة في التقنيات الناشئة. فاكتشاف وتطوير مواد كيميائية جديدة أمر صعب، ومكلف. وعندما تدخل إحدى تلك المواد حيز الاستخدام، سرعان ما تقوم الآفات بتطوير وسائل لمقاومتها، إلا إذا استُخدمت تلك المادة بعناية وحرص.

ومن ثم، يسعى العلماء في الوقت الراهن إلى البحث عن بدائل، ربما تسهم في الحدّ من المبيدات المُصنَّعة، أو تحلّ محلّها. يهتم العلماء تحديدا بالحلول البيولوجية، التي من بينها الميكروبات، والهندسة الوراثية، والجزيئات الحيوية، بل إن شركات المواد الكيميائية الكبرى ترى بشائر كافية للاستثمار في هذا العمل، وذلك لا يعني وضع نهاية للمبيدات المُصنَّعة، ولكنه يمكن أن يساعد في الإبطاء من وتيرة انتشار المقاومة. كذلك ربما تساعد بعض المنهجيات المزارعِين في خفض النفقات، وحماية العمال، وإرضاء عامة الناس، الذين يتزايد قلقهم باستمرار من الكيماويات المُصنَّعة.

تقول أولسون: "تُعَدّ المقاوَمة الناشئة للآفات دافعًا قويًّا لإيجاد بدائل، ولكن في الأغلب الأعم لا يقتصر الأمر على مجرد الاختيار ما بين المواد الكيميائية، والخيارات البيولوجية، أو غيرها، وإنما يمتد إلى الإقرار بأنّ بإمكانك أن تفعل المزيد بأسلوب أكثر دقة، باستخدام بعض هذه الأدوات".

كبر الصورة

عوامل مساعدة ميكروبية

في بداية القرن العشرين، اندلعت جائحة غامضة؛ أبادت ديدان القز الثمينة في شتى أنحاء اليابان. وفي عام 1901، كشف عالِم البكتيريا إيشيواتا شيجيتان عن سبب تلك الظاهرة، ألا وهو نوع من بكتيريا التربة غير المعروفة، التي وجدها بداخل دودة قز ميتة. وبعد ذلك بعقد من الزمن، في مقاطعة تورينجن الألمانية، وجد عالِم الأحياء إرنست بيرلينر البكتيريا في يرقات عثة الدقيق، وهي من الآفات الشائعة، وقدَّم وصفًا نموذجيًّا لقاتل الحشرات الذي أُطلق عليه اسم Bacillus thuringiensis، أو "Bt" اختصارًا.

تخترق البروتينات التي تنتجها بكتيريا "Bt" أمعاء العديد من أنواع الحشرات، ولطالما استُخدمت بوصفها مبيدًا طبيعيًّا لعدة عقود. ظل العلماء يبحثون طويلًا عن المزيد من الميكروبات القاتلة للآفات. يقول روجر بيتشي، العالِم المتخصص في بيولوجيا النبات، وخبير أمراض النبات بجامعة واشنطن في سانت لويس بولاية ميزوري: "لم يكن ذلك مجالًا حديثًا عندما كنتُ طالبًا في مرحلة الدراسات العليا منذ ما يقرب من 45 عامًا".

ولكن الميكروبات في الوقت الراهن تشق طريقها نحو تَسَيُّد الاتجاه العام لصناعة الكيماويات الزراعية. ففي عام 2012، دفعت شركة "باير كروب ساينس" 425 مليون دولار أمريكي لشركة "أجرا كويست"، وهي شركة تنتج مبيدات الآفات الحيوية، ويقع مقرها في ديفيس بولاية كاليفورنيا. وعلى مدار الأعوام القليلة الماضية، وضعت أيضًا شركات أخرى متعددة الجنسيات - من بينها "دوبونت"، و"مونسانتو"، و"سينجينتا" - استثمارات في المجال نفسه.

انخرط بيتشي - الذي كان رائدًا في تطوير المحاصيل الغذائية المعدلة وراثيًّا - في مجال الميكروبات كذلك مع شركة "إنديجو أجريكالتشر"، وهي شركة ناشئة، يقع مقرها بالقرب من بوسطن. يختار علماء شركة "إنديجو" ميكروبات لتعزيز البيومات الداخلية للمحاصيل، وهي الكائنات المجهرية التي تعيش داخل أنسجة النباتات، ويقومون بإدماجها في طبقة يتم تغليف البذور بها. وعندما تنبت البذرة، تبدأ ساق النبات في تكوين نتوءات صغيرة وهي تشق طريقها عبر التربة الصلبة. وينبغي أن تتيح تلك النتوءات للميكروبات استعمار النبات، والمساعدة في حمايته من الإجهاد البيئي، مثل العطش. ومن الجدير بالذكر أنّ في العام الماضي جمعت الشركة 100 مليون دولار في شكل تمويل.

تتكتم شركة "إنديجو" على ما يخصّ السلالات المحددة التي تستخدمها، ولكنّ المزارعين قد زرعوا بالفعل البذور المغلفة التي أنتجتها الشركة في مساحة تُقَدَّر بعشرين ألف هكتار من القطن، و8 آلاف هكتار من القمح في الولايات المتحدة. لا تُعَدّ هذه المساحات كبيرة، إذا ما قورنت بأربعة ملايين هكتار من القطن، و21 مليون هكتار من القمح، زرعها المزارعون الأمريكيون في عام 2016، ولكنها توضح أن الناس على استعداد للتجريب. يقول بيتشي، الذي عمل في البداية كبيرًا للمديرين العلميين بالشركة، ولا يزال يرأس مجلسها الاستشاري العلمي، إن "إنديجو" تتطلع بحماس إلى إضافة مقاوَمة الآفات إلى قائمة المزايا الناتجة عن عملية تغليف البذور التي تقوم بها الشركة، ويضيف قائلًا: "كُلِّي أمل في أن تتوفر حفنة من المنتجات في غضون خمس سنوات".

تَستخدِم شركات أخرى بالفعل الميكروبات، بوصفها مبيدات للآفات. وتقوم شركة "مارون بايو إنوفيشنز" في ديفيس بزراعة الميكروبات، واستخدامها مع المواد الكيميائية التي تنتجها لقتل الآفات. قامت الشركة بفحص 18 ألف جينوم ميكروبي، وطرحت في الأسواق حتى الآن خمسة منتجات. ومن بين الميكروبات الخاصة بها، سلالة من البكتيريا المعروفة باسم Burkholderia، وهي تنتج أنواعًا متعددة من الكيماويات، بناء على طريقة زراعتها. تُستخدم تلك البكتيريا لإنتاج مبيد للحشرات، وكذلك مبيد للديدان الخيطية (يُستخدم في مكافحة ديدان معينة)، وربما تكون قادرة أيضًا على إنتاج مبيد للأعشاب.

تمتلك بكتيريا Burkholderia "الآلية الجينية لصنع فئات متعددة من المركّبات"، حسبما تقول باميلا مارون، مؤسِّسة الشركة ومديرتها التنفيذية. وربما يرجع ذلك إلى كيفية تطور تلك البكتيريا لتدافع عن نفسها. 

من الناحية التاريخية، لطالما كان المزارعون قلقين بشأن استخدام مبيدات الآفات الحيوية، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن استخدام تلك المواد أصعب من استخدام المواد المُصنَّعة.. فبعضها يمكن أن يتحلل سريعًا في ضوء الشمس، أو الحرارة، على سبيل المثال. كما أن تلك المواد - بصفة عامة - لا تمتلك فاعلية المواد المُصنَّعة نفسها، بمعنى أنها لا تستطيع – ببساطة - أن توجِّه الضربة القاضية للآفات مثل المواد الكيميائية، ولكن الحصول على بديل مباشر ليس بالضرورة هو المقصد. وعوضًا عن ذلك.. يمكن للمبيدات الحيوية للآفات الحدّ من استخدام الكيماويات المُصَنَّعة، كما تقول مارون، التي تضيف قائلة إنّ الميكروبات "لا يتحتم أن تعمل بشكل متقن مثل الكيماويات، رغم أن بعض منتجاتنا يرقى إلى المستوى نفسه بالفعل، ولكن عندما يتم استخدام هذه المنتجات، فإنها تحسِّن من نتاج المحصول وجودته بدرجة أفضل من استخدام الكيماويات بمفردها".

المقاوَمة.. وتقنية "كريسبر"

منحت أداة التحرير الجيني الفعالة "كريسبر-كاس9" CRISPR–Cas9  العلماء إمكانيات جديدة. رغم أن التقنيات السابقة، كتلك التي تخلق كائنات معدلة وراثيا بواسطة إضافة جينات جديدة، يمكنها مباشرة أن تقتل الآفات الحشرية أو تمنح المحاصيل حصانة ضد مبيدات الأعشاب القوية، فإن هندسة المحاصيل بحيث تستطيع مقاومة المرض، لهو أمر أكثر صعوبة.

أحد الأسباب وراء ذلك يتمثل في كيفية التحكم في جينات مقاوَمة الأمراض في خلايا النبات. يقول آدم بوجدانوف، خبير أمراض النبات بجامعة كورنيل في إيثاكا بنيويورك: "في الطبيعة، تكون جينات المقاوَمة في المعتاد مقيَّدة بشكل محكم"، فإذا أصبحت تلك الجينات نشطة بشكل مفرط؛ يمكنها عندئذ تدمير النبات، ولكنْ في الكائنات التقليدية المعدلة وراثيًّا، لا يمكن للعلماء السيطرة على النهاية التي سيؤول إليها جين مضاف إلى الجينوم المستهدَف، كما أن الجينات المقاوِمة للمرض ربما لا يتم التعبير عنها بشكل سليم، إذا هبطت في المكان الخطأ. يقول بوجدانوف إن تقنية "كريسبر" مفيدة تحديدًا، لأنها "تجعلك تتحكم في موضع الإدخال، ومن ثم يمكن التحكم في التعبير".

"أعتقد أن تقنية "كريسبر" تمثل موجة المستقبل، إذا كنا سنتمكن من البقاء والصمود كصناعة".

يستخدم بوجدانوف تلك التقنية حاليًّا في تصنيع أرز، يكون بطبيعته مقاوِمًا لتَخَطُّط الأوراق البكتيري، واللفحة البكتيرية، وهما اثنان من أكثر الأمراض تدميرًا. يُجْرِي جان ليتش - معاون بوجدانوف، وخبير أمراض النبات بجامعة ولاية كولورادو في فورت كولينز - أيضًا في الوقت الحالي تجارب على تقنية "كريسبر" وغيرها من أدوات التحرير الجيني الأقدم؛ لاستهداف أجهزة المناعة للنباتات، ويقوم بإنتاج أرز يستطيع مقاومة نطاق واسع من الأمراض، وليس فقط مجرد مرض واحد.

يستخدم العلماء تقنية "كريسبر" مع أنواع أخرى من النباتات، وتحديدًا النباتات التي لم يتم استهدافها على نطاق واسع في ثورة التعديل الوراثي المبكرة، لأنه كان من الصعب جدًّا هندسة تلك النباتات. ويَستخدِم الباحثون في جامعة روتجرز في نيو برونزويك بنيو جيرسي حاليًّا التقنية في إنتاج نوع من عنب النبيذ، يستطيع مقاومة مرض البياض الزغبي. كما أنتج فريق من الولايات المتحدة نوعًا من الطماطم، يقاوم العديد من أنواع بكتيريا Pseudomonas وبكتيريا Xanthomonas1. كذلك قام العلماء في بكين بإنتاج قمح مقاوِم لمرض البياض الدقيقي2.

يمثل تعديل القمح وراثيًّا تحديًا صعبًا، نظرًا إلى أن النبات يحتوي على ثلاثة جينومات شبه متطابقة. كان على فريق بكين أن يقوم في الأساس باستهداف ثلاث صيغ من أحد جينات المقاوَمة. تقول كيكسيا جاو، عالمة بيولوجيا النبات بمعهد علم الوراثة وعلم الأحياء النمائي التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، وعضو الفريق: "تستطيع مع "كريسبر" تعطيل العديد من الجينات في الوقت نفسه".

يُذكَر أنّ علماء الصناعة يقعون في فخ التأثر والاندهاش أيضًا. فعلى سبيل المثال.. وقَّعت شركة "مونسانتو" في سبتمبر الماضي رخصة غير حصرية مع "معهد برود" في كامبريدج بولاية ماساتشوستس، الذي ربح في فبراير نزاعًا يخص براءة اختراع متعلقة بتقنية "كريسبر". يقول توم آدامز - نائب الرئيس لشؤون التقنية الحيوية بشركة "مونسانتو" - إن الشركة بصدد استكشاف كيف يمكن استخدام تقنية "كريسبر" لتعزيز مقاوَمة الأمراض، وتحمُّل العطش، وزيادة الإنتاجية في بعض المحاصيل.

ويمكن استخدام ذلك النهج أيضًا بطرق تزيد من استخدام مبيدات الآفات. يقول أدامز إن التحرير الجيني يمكنه ابتكار محاصيل تستطيع تحمُّل مبيدات الأعشاب، بدرجة تشبه كثيرًا المحاصيل المعدلة وراثيًّا لشركة "مونسانتو" التي تتحمل الجليفوسات الكيميائية، ولكن هذه المنتجات مثيرة للجدل، فالسماح للمزارعين باستخدام مركّب الجليفوسات بحُرِّية، ودون قيود، أدَّى إلى زيادة الاعتماد عليه.

إدارة التداخل

قبل أن تبشِّر تقنية "كريسبر" بتغيير العالَم بفترة طويلة، كان علماء الأحياء متحمسين بشأن وسيلة جينية أخرى لمكافحة الآفات، وهي تداخل الحمض النووي الريبي (RNAi)، وهي آلية يتم فيها شَغْل جزيئات الحمض النووي الريبي المزدوجة بواسطة كائن عضوي، وتقوم بتعطيل جين معين بشكل فعال.

في بعض الأحيان، يمكن للتقنية أن تجعل من السهل استهداف آفات معينة. ومن الممكن البدء بتسلسل جيني دقيق، ثم بناء جزيئات صغيرة للتدخل في نشاط الجين، حسبما يقول سوني راماسوامي، مدير "المعهد الوطني للأغذية والزراعة" NIFA، ذراع التمويل البحثي لوزارة الزراعة الأمريكية، الذي يدعم حاليًّا العديد من الدراسات الخاصة بالحمض النووي الريبي.

تتمثل الخدعة في انزلاق الجزيء داخل الهدف في الزمان والمكان المناسبين. فعلى سبيل المثال.. ينبغي وجود الحمض النووي الريبي في نبات بأكمله، أو عبر شتى أجزائه؛ للدفاع عنه ضد الحشرات الماصّة. ويمكن التأكد من ذلك الإجراء عبر الهندسة الوراثية، ولكن العملية مكلفة، وتواجه العوائق التنظيمية والعامة نفسها التي تواجهها عملية إنشاء أي كائن معدل وراثيًّا. ولو حدث وأصبحت الآفات مقاوِمة لتداخل الحمض النووي الريبي، فسوف ينبغي على الباحثين تصميم نبات جديد تمامًا؛ لكي يحل محله.

يَعتقِد كل من العلماء الأكاديميين وعلماء الصناعة أن هناك خيارًا أفضل، ربما يتمثل في تطبيق الأحماض النووية الريبية مباشرةً على أوراق المحصول، أو جذوره. تقول سويسيا مياو - الباحثة في شؤون التفاعل بين النباتات والحشرات بـ"معهد فسيولوجيا وإيكولوجيا النبات"، التابع لمعاهد شنجهاي للعلوم الحيوية في الصين - إن ذلك الخيار يبدو "أنسب وأكثر مرونة من المحاصيل المعدلة وراثيًّا".

في عام 2015، أوضحت3 مياو وأعضاء فريقها أن تداخل الحمض النووي الريبي، الذي يتم تطبيقه على جذور الأرز والذرة، يساعد في الحماية من الحشرات، ولكنّ وضع نظام للري ربما يكون صعبًا في الواقع العملي، فالتربة تكتظ بالميكروبات والإنزيمات التي يمكنها إتلاف الحمض النووي الريبي، قبل أن يصل إلى النبات. كذلك تُجْرِي مياو أبحاثها أيضًا على رشاشات الرذاذ، التي يمكنها تطبيق تداخل الحمض النووي الريبي مباشرة على النباتات والحشرات.

وهناك شركات - مثل "مونسانتو"، و"سينجينتا" - تهتم بتداخل الحمض النووي الريبي أيضًا. تقول "مونسانتو" إن منتجاتها الأولى، أحدها مخصَّص للحماية من العثة Varroa destructor، وهي آفة تصيب نحل العسل، وأخرى من الخنافس البرغوثية، التي تهاجِم محصول البذور الزيتية (زيت الكانولا)، وسوف تُطرح في الأسواق بحلول منتصف العشرينات من القرن الحالي. أما "سينجينتا"، فسوف تنتهي من منتَجها الأول، الموجَّه إلى خنفساء بطاطس كولورادو (Leptinotarsa decemlineata) "بحلول أوائل العقد القادم"، وفقًا لما ذكره ستيفن وول، الذي يشرف على الاستراتيجية التنظيمية، واستراتيجية سلامة المنتج لمنتجات تداخل الحمض النووي الريبي بشركة "سينجينتا" في ريسيرتش تريانجل بارك بولاية كارولينا الشمالية.

تواجِه تقنية تداخل الحمض النووي الريبي تحديات أخرى أيضًا، وتبدو التقنية فعالة ضد بعض أنواع الحشرات، مثل الخنافس، ولكنْ مِن الصعب استخدامها ضد أنواع العثة ويرقاتها، لأسباب غير واضحة. ومن الممكن أيضًا أن تطوِّر الآفات التي تستجيب بالفعل لتداخل الحمض النووي الريبي نوعًا من المقاوَمة. يقول وول: "يبدو أن الطبيعة تَجِد مَخْرَجًا على الدوام. لذالا بد من إدارة رذاذ تداخل الحمض النووي الريبي، مثل أي منتج آخر، فلا ينبغي الاقتصار على استخدامه وحده".

ويرى بعض العلماء أنه رغم أن تداخل الحمض النووي الريبي ربما يستهدف الآفات بشكل أكثر مباشرةً من مبيد آفات واسع الطيف، لا يزال هناك احتمال لحدوث أضرار جانبية؛ فتداخل الحمض النووي الريبي يمكن أن يقتل الحشرات النافعة التي تشترك في الجينات نفسها مع آفة معينة. وفي استعراض4 لمَخاطر التقنية أُجري في عام 2013، كَتَب علماء وزارة الزراعة الأمريكية أنه رغم أن تداخل الحمض النووي الريبي وسيلة واعدة لحماية المحاصيل، فإنه يجب تقييم فوائده، مقابل "المَخاطر البيئية النسبية التي تطرحها التقنية".   

العودة إلى الأرض

في الوقت ذاته، وحيث إن خطوط إنتاج مبيدات الآفات مستمرة في الانكماش، بينما المقاومة تنمو وتزداد، يحتاج المزارعون إلى خيارات جديدة. يختلف الموقف من محصول زراعي إلى آخر، ومن مزرعة إلى أخرى، ولكن بعض الحقول يقتصر على استخدام مبيد آفات فعال واحد فقط. يقول زولر: "إنك تقوم حرفيًّا بتطوير مقاوَمة للمبيد الذي تركته، ولذا.. فأنت تستخدمه بضع مرات أكثر مما اعتدتَ أن تفعل، وذلك لأنه لا يستمر طويلًا، ولا يوجد لديك شيء آخر تستخدمه".

يقوم زولر بالفعل باختبار مبيدات الآفات الحيوية، رغم أن المنتجات يمكن أن تكون غير متوافقة. يقول: "نحن نستخدمها في اختباراتنا البحثية كل عام، لأننا متفائلون. بعضها يبدو جيدًا جدًّا في أحد الأعوام، ولكنه لا يكون كذلك في العام التالي، رغم أنه من الجيد إدراج هذه المنتجات" مع مبيدات الآفات التقليدية.

أما فيما يخص المنهجيات الجينية، فإن زولر يعتقد أن المشترين سوف يكونون حذرين، نتيجة للخوف السائد من الأطعمة المعدلة وراثيًّا. أما المزارعون الآخرون، فيَبدون أكثر تفاؤلًا. يقول توني ديمير، نائب رئيس شركة "ديمير"، وهي شركة أمريكية لزراعة الطماطم: "أعتقد أن تقنية "كريسبر" تمثل موجة المستقبل، إذا كنا سنتمكن من البقاء والصمود كصناعة". ويرى ديمير أن التقنية سوف تكون مهمة تحديدًا للإجهاد البيئي، والآفات، والأمراض.

وأخيرًا، لا يمكن للتقنية بمفردها أن تنقذ المزرعة، فسوف يظل المزارعون معتمدين على الممارسات التقليدية القديمة، وكيفية إدارة الأرض الزراعية. فعلى سبيل المثال.. تساعد الدورة الزراعية في هدم دورة حياة الآفات والمُمْرِضات، فإذا لم يقم المزارعون بتناوب المحاصيل، وقاموا بزراعة المحصول نفسه على مدار العام بأكمله؛ فإنهم بذلك يقدِّمون غذاء كافيًا لآفات معينة، لكي تنمو وتترعرع. ويمكن كذلك أن تساعد زراعة المحاصيل بالقرب من بعضها بعضًا في حماية الأعشاب الضارة من ضوء الشمس. وبالنسبة إلى محاصيل أخرى.. يَسمح التقليم بدخول الهواء والضوء، مما من شأنه المساعدة في تجفيف الرطوبة التي تسمح للفطريات بالنمو.  

في بساتين الكمثرى بكاليفورنيا، مثل تلك التي يؤجرها زولر، يترك المزارعون النباتات المحلية – ومن بينها: الشوفان البري، وحشيشة الراي، ونبات مجد الصباح - تنمو فيما بين صفوف الأشجار، وذلك من شأنه أن يوفر موئلًا للمفترِسات الطبيعية التي تتصدى للآفات الحشرية. يقول زولر إنه من الضروري استخدام جميع الأساليب، الحديثة منها والقديمة، لحماية الغذاء والمكتسَبات.

تظل مقاومة الآفات لأي محصول زراعي عملًا مستمرًا، حسبما يقول زولر. وسوف تكون التقنيات الجديدة كذلك أمرًا ينظر فيه المزارعون. ويضيف زولر قائلًا: "من المفيد أن يكون لديك العديد من الأدوات".

References

  1. de Toledo Thomazella, D. P., Brail, Q., Dahlbeck, D. & Staskawicz, B. J. Preprint at BioRχiv http://dx.doi.org/10.1101/064824 (2016) 
  2. Wang, Y. et al. Nature Biotechnol. 32, 947–951 (2014) | article
  3. Li, H., Guan, R., Guo, H. & Miao, X. Plant Cell Environ. 38, 2277–2285 (2015) | article
  4. Lundgren, J. G. & Duan, J. J. BioScience 63, 657–665 (2013) | article

بروك بوريل صحفية علمية من بروكلين في نيويورك. حظي هذا التحقيق بدعم جزئي بواسطة منحة زمالة من مؤسسة "أليسيا باترسون" لعام 2016.