تحقيق إخباري

الماضي المشترك الذي لم يحدث

كيف يسهم "الفيسبوك" والأخبار الزائفة والأصدقاء في تحريف الذاكرة، وتغيير التاريخ.

لورا سبيني

  • Published online:

Clockwise from top left: G. Tomasevic/Reuters; A. Hussein/Getty; D. Berehulak/NYT/Redux/eyevine; Rolls Press/Popperfoto/Getty; J. Pitts/Afropean; D. Mitidieri/Getty

حفلت الأخبار مؤخرًا بأمور عجيبة. فقد شهد هذا العام بالفعل بعض التلميحات من أعضاء إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى "مذبحة بولينج جرين"، وإلى هجمات إرهابية في السويد، وفي أتلانتا بولاية جورجيا، لم تقع مطلقًا.

سرعان ما جرى تصويب المعلومة الخاطئة، ولكن يبدو أنّ بعض الأساطير التاريخية يكون من الصعب مَحْوه. فعلى سبيل المثال، منذ عام 2010 على الأقل، قامت إحدى المجموعات على شبكة الإنترنت بمشاركة الذكرى التي كان من الواضح أنها لا تتزعزع بشأن وفاة نيلسون مانديلا في السجن في ثمانينات القرن العشرين، على الرغم من حقيقة أن الرجل عاش حتى عام 2013، وأنه قد غادر السجن في عام 1990، ومضى بعد ذلك ليصبح أول رئيس أسود لدولة جنوب أفريقيا.

من المعروف أن الذاكرة غير معصومة من الخطأ، ولكن بعض الخبراء يساورهم القلق بشأن ظاهرة جديدة بدأت في الظهور. يقول عالِم النفس دانييل سكاكتر، الذي يدرس الذاكرة بجامعة هارفارد في كامبريدج بولاية ماساتشوستس: "تتم مشاركة الذكريات فيما بين المجموعات بأساليب مبتكرة، من خلال مواقع معينة، مثل "فيسبوك"، و"إنستجرام"؛ مما يزيل الحدود الفاصلة بين الذاكرة الفردية، والذاكرة الجماعية. إنّ تطور المعلومات المغلوطة المبنية على الإنترنت - مثل مواقع الأخبار الزائفة، التي حظيت بدعاية كبيرة مؤخرًا - يمكنه تشويش ذاكرة الفرد وذاكرة الجماعة بطرق مزعجة".

تشكِّل الذاكرة الجماعية أساسًا للتاريخ، كما أن فهم الناس للتاريخ يشكل الطريقة التي يفكرون بها في المستقبل. فعلى سبيل المثال، تمت الإشارة إلى الهجمات الإرهابية الوهمية؛ من أجل تبرير حظر السفر المفروض على مواطني سبع "دول مثيرة للقلق". ورغم أن التاريخ قد خضع في أغلب الأحيان لتفسيرات ذات غايات ومقاصد سياسية، فإن علماء النفس يقومون حاليًّا ببحث العمليات الأساسية التي بواسطتها تتشكل الذاكرة الجماعية، وذلك لفَهْم ما يجعل تلك الذاكرة سريعة التأثر بما تتعرض له من تشويش. يبين هؤلاء العلماء أن الشبكات الاجتماعية تقوم بدور كبير في تشكيل الذاكرة، وأن الأشخاص يحتاجون إلى قليل من التحفيز؛ حتى ينصاعوا لذاكرة الأغلبية، حتى لو كانت خاطئة. ورغم ذلك.. فإن النتائج لا تدفع جميعها إلى التشاؤم، حيث تشير الأبحاث إلى وسائل يمكن من خلالها التخلص من تلك الذكريات الخاطئة، أو مَنْعها من التشكل في المقام الأول.

ولكي نحارب تأثير الأخبار الزائفة، حسبما يقول ميكاه إدلسون، الباحث في شؤون الذاكرة بجامعة زيورخ في سويسرا، "من المهم أن نفهم ليس فقط مسألة إنشاء تلك المواقع، وإنما أيضًا طريقة استجابة الناس لها".

الكل معًا الآن

إنّ الاتصال يسهم في تشكيل الذاكرة، حيث أظهرت الأبحاث التي أُجريت على مجموعات ثنائية من الأشخاص، أثناء حديثهم عن الماضي، أن أحد المتحدثين بإمكانه تعزيز جوانب حدث معين، من خلال تكرار الحديث عن تلك الجوانب بصورة انتقائية1. ولهذا الكلام منطقيته.. فالأشياء التي يكثر ذِكْرها، يكثر تَذَكُّرها، من جانب المتحدث والمستمع كليهما. وهناك نتيجة طبيعية أقل وضوحًا، تتمثل في أن المعلومات ذات الصلة، التي لا يتكرر ذكرها، يكون احتمال تلاشيها أكبر من المعلومات غير ذات الصلة، وهو تأثير يُعرف باسم "النسيان المدفوع بالتذكُّر".

طرحت الأبحاث تلك الظواهر الإدراكية التي تحدث على المستوى الفردي بوصفها آلية لتلاقي الذاكرة، وهي العملية التي بواسطتها يحدث أن يتفق شخصان أو أكثر على ما حدث، ولكنْ في السنوات القلائل الماضية ظهرت أدلة على أن هناك قوى على مستوى المجموعة تؤثر على ذلك التلاقي أيضًا. ففي عام 2015، أوضح عالِمَا النفس ألين كومان - بجامعة برينستون في نيو جيرسي - وويليام هيرست - بجامعة ذا نيو سكول في مدينة نيويورك - أن الشخص يتعرض لقدر أكبر من النسيان المدفوع عند الاستماع إلى شخص في جماعته الاجتماعية المقربة - كأنْ يكون طالبًا في الجامعة نفسها - بدرجة أكبر مما لو كان ينظر إلى الشخص على أنه غريب2، أي أن احتمال حدوث تلاقي الذاكرة يزداد داخل الجماعات الاجتماعية، عنه فيما بين تلك الجماعات. وهي نتيجة لها أهميتها في ضوء نتائج الاستبيان، التي تشير إلى أن 62% من الراشدين الأمريكيين يعرفون الأخبار عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تكون عضوية الجماعة واضحة ومعززة في أغلب الأحيان3.

يمكن للجماعات أيضًا تشويش الذاكرة. ففي عام 2011، عرض إدلسون - الذي كان يعمل حينها بـ"معهد وايزمان للعلوم" في رحوفوت بإسرائيل - فيلمًا وثائقيًّا على 30 متطوعًا. شاهد المتطوعون الفيلم في مجموعات، تتكون المجموعة الواحدة من خمسة أشخاص. وبعد ذلك ببضعة أيام، أجابوا بشكل فردي عن أسئلة تتعلق بالفيلم. وبعد أسبوع من جلسة المشاهدة تلك، أجاب المشاركون عن الأسئلة مرة ثانية، ولكن تلك المرة كانت بعد أن رأوا الإجابات التي يُفترض أن أعضاء جماعتهم كانوا قد قَدَّموها. عندما كانت معظم الإجابات المختلقة خاطئة، انصاع المشاركون للإجابة الخاطئة نفسها في 70% من المرات، رغم أنهم كانوا قد أجابوا بشكل صحيح في البداية، ولكنْ عندما علموا أن الاجابات قد تم توليدها عشوائيًّا؛ قام المشاركون بتغيير إجاباتهم الخاطئة في 60% من المرات تقريبًا4. يقول إدلسون: "وجدنا أن العمليات التي تحدث أثناء مرحلة التعرض المبدئي للمعلومات الخاطئة تجعل تصويب تلك المؤثرات أكثر صعوبة لاحقًا".

كان من الصعب القيام بدراسة تلك العمليات وقت حدوثها في مجموعات كبيرة، حيث تتشكل الذكريات الجماعية من خلال المحادثة. ومنذ خمس سنوات، كان رصد عملية التواصل في مجموعات مكونة من عشرة أشخاص أو أكثر يتطلب عدة غرف للمحادثات الخاصة، وعددًا كبيرًا من الباحثين المساعدين، إلى جانب الكثير والكثير من الوقت، ولكن أصبح من الممكن حاليًّا أن يتفاعل العديد من المشاركين بصورة رقمية في آن واحد. فقد قامت مجموعة كومان بتطوير منصة برمجية، يمكنها تتبُّع الحوارات المتبادلة بين المتطوعين في سلسلة من المحادثات المحددة بوقت معين. يقول كومان: "يستغرق الأمر من الباحث المساعد 20 دقيقة، ويحتاج إلى غرفة واحدة في المختبر".

في العام الماضي، استخدمت المجموعة ذلك البرنامج، لتسأل - للمرة الأولى - عن كيفية تأثير هيكل الشبكات الاجتماعية على تشكيل الذاكرة الجماعية في الجماعات كبيرة الحجم. قدَّم الباحثون معلومات عن أربعة متطوعين خياليين من "قوات حفظ السلام" إلى 140 مشترِكًا من جامعة برينستون، تم تقسيمهم إلى مجموعات، تضم الواحدة عشرة مشاركين. طُلب في البداية من المشاركين تذكُّر أكبر قدر ممكن من المعلومات بأنفسهم. وبعد ذلك شاركوا في سلاسل من ثلاث محادثات، وهي بمثابة جلسات "دردشة" على شبكة الإنترنت، تستغرق الواحدة بضع دقائق، مع أعضاء آخرين من مجموعتهم، حيث قاموا في تلك المحادثات بتذكُّر المعلومات بجهد تعاوني. وفي النهاية، حاول المشاركون تذكُّر الأحداث مرة ثانية بجهد فردي.

نظر الباحثون في اثنين من السيناريوهات، في أحدهما قام فريق البحث بتشكيل مجموعتين فرعيتين، حيث كانت جميع المحادثات تقريبًا تجري داخل المجموعات الفرعية، بينما في السيناريو الآخر، تم تشكيل مجموعة واحدة كبيرة (انظر: "أهلًا موظف الهاتف"). وعلى الرغم من أن الأشخاص في المجموعة المنفصلة اتفقوا على المجموعة نفسها من المعلومات، حسبما قال كومان، فإن الأشخاص الذين كانوا في المجموعتين الفرعيتين تلاقوا - بشكل عام - على "حقائق" مختلفة حول المتطوعين الخياليين5.

كبر الصورة

المصدر: مرجع 5

يُوجَد ما يدلّ على ذلك الأثر في مواقف الحياة الواقعية، فعلى سبيل المثال، نجد أن الفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل، وأولئك الذين يعيشون في الضفة الغربية، وتم الفصل بينهم عنوة أثناء الحربين اللتين اندلعتا بين العرب وإسرائيل في عامي 1948، و1967، قد انجذبوا نحو صيغ مختلفة من ماضيهم، رغم وجود هوية عربية فلسطينية مشتركة6. وبالمثل ظهرت حقائق مغايرة بعد إقامة سور برلين.

يستطيع كومان في المختبَر أن يتلاعب بالشبكات الاجتماعية، ويتفحص الذكريات التي تتشكل نتيجة لذلك. كشفت مقارنته للسيناريوهين المذكورين أعلاه عن أهمية "الروابط الضعيفة" في عملية ترويج المعلومات. فتلك الروابط تعمل بين الشبكات، وليس داخلها (أي أنها روابط معرفة، أكثر من كونها روابط صداقة)، كما تساعد على مزامنة الصيغ الموجودة لدى شبكات منفصلة. يقول كومان: "من المحتمل أن تكون تلك الروابط هي ما يدفع في اتجاه تشكيل الذاكرة الجماعية على امتداد المجتمع بأكمله".

ربما تكون إحدى وظائف تلك الروابط الضعيفة تذكير الأشخاص بالمعلومات التي تُمحى عبر عمليات تلاقي الذاكرة، ولكنْ للتوقيت أهميته أيضًا. ففي أحد أعماله غير المنشورة، أوضح كومان أن المعلومات التي يقدمها رابط ضعيف يزداد احتمال إسهامها في تشكيل ذاكرة الشبكة بدرجة أكبر بكثير مما لو تم تقديمها قبل أن يتحدث الأعضاء فيما بينهم. لذا.. عندما تتفق شبكة من الأفراد على ما حدث في زمن مضى، فإن الذاكرة الجماعية تصبح مقاوِمة نسبيًّا للمعلومات المغايرة.

يعتقد كومان أن تَلاقِي الذاكرة يعزز من تماسُك الجماعة، ويقول: "بما أننا نتقاسم ذاكرة معينة، فبمقدورنا أن نمتلك هوية أقوى، وربما يزيد ذلك من اهتمامنا بشؤون بعضنا بعضًا". يربط عدد كبير من الأبحاث بين الهوية القوية للجماعة، وارتفاع معدلات الرفاه الشخصي المسجَّلة. وتبيِّن ذلك الأبحاثُ التي تُجرى على الأسرة. ففي جامعة إيموري في أتلانتا بولاية جورجيا، تقوم عالمة النفس روبين فيفوش حاليًّا بدراسة القصص التي تقصها الأُسَر على أفرادها، وتقول: "وجدنا أن المراهقين والشبان الذين يعرفون الكثير من القصص العائلية يتمتعون بصحة نفسية أفضل من غيرهم".

وعلى الرغم من أن الذكريات المشتركة ربما تعزز من وجود الجماعات الأكثر تلاقيًا، فإنّ بمقدورها أيضًا تشويه دور الغرباء، مما يزرع الشقاق بين الجماعات. فالذاكرة تشكِّل هوية الجماعة، التي بدورها تشكل الذاكرة، فيما يبدو كحلقة مفرغة. ومن ثم، فإن للروابط الضعيفة أثرًا تصويبيًّا مهمًّا، ولكنْ في حالة غيابها، ربما تلتقي جماعتان في صيغتين للماضي، تتسمان بعدم التوافق بشكل متبادل. قد نحتفظ بتلك المسائل للأجيال القادمة في هيئة تماثيل وكتب تاريخية، ولكنها يمكن أن تتطور على مدار الزمن.

صنع الذاكرة، وصنع التاريخ

في مدينة أوستند البلجيكية، يصوِّر نصب تذكاري عام ملك بلجيكا ليوبولد الثاني، محاطًا بمجموعتين من الرعايا المُعْرِبِين عن امتنانهم له، مجموعة بلجيكية، والأخرى كونغولية. وفي عام 2004، قام المحتجُّون - الذين شعروا بأن النصب يسيء التعبير عن التاريخ - بقطْع اليد البرونزية لإحدى الشخصيات الكونغولية. وفي تفسيرهم لما قاموا به إلى صحيفة محلية، قال المحتجون - الذين امتنعوا عن ذكر أسمائهم - إن عملية البتر تعكس بشكل أدقّ دور ليوبولد في تلك المستعمرة الأفريقية - التي كانت تابعة لبلجيكا - المتمثل في أنه لم يكن الملاك الحارس، وإنما كان طاغية دمويًّا.

في عام 2010، أجرى اختصاصيّا علم النفس الاجتماعي لوران ليكاتا، وأوليفييه كلاين - من جامعة بروكسل الحرة، الناطقة بالفرنسية – استبيانًا؛ لاستكشاف مواقف الأجيال المختلفة تجاه الماضي الاستعماري لبلجيكا. وجد العالمان أن الطلاب البلجيكيين عبَّروا عن مستويات جماعية من الإحساس بالذنب، والتأييد لأي أعمال تعويضية يتم تنفيذها لصالح ما يُعرف حاليًّا باسم جمهورية الكونغو الديمقراطية، تفوق ما شعر به آباؤهم، الذين عبَّروا بدورهم عن مستويات من المشاعر نفسها، تفوق ما شعر به آباؤهم7. ويرى الباحثون أن هناك عاملًا مهمًّا، كان له الفضل في ذلك التطور، وهو كِتاب آدم هوتشيلد المؤثر، الذي يحمل عنوان "شبح الملك ليوبولد"  King Leopold’s Ghost (هوتون ميفلين، 1998)، الذي يرسم صورة أكثر قتامة للفترة الاستعمارية، تتجاوز ما كان مقبولًا في السابق. يقول ليكاتا: "أولئك الذين كانوا صغارًا عندما ظهر ذلك الكتاب تأثروا به بشدة، بينما كان مواطنوهم الأكبر سنًّا قد تربوا على اعتناق مجموعة مختلفة من الحقائق".

لا تختفي الذكريات الجماعية كلها، وتصبح مجرد تاريخ.. فاختصاصيّا علم النفس الإدراكي، نورمان براون - بجامعة ألبرتا في إدمونتون بكندا - وكوني سفوب - بجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك - يفترضان أن هناك عاملًا بجانب العمليات الإدراكية والاجتماعية يحدد مدى صمود الحدث في وجه عملية الانتقال عبر الأجيال، ألا وهو "طبيعة الحدث ذاته". تقول سفوب: "إنّ قَدْر التغيير في نمط الحياة اليومية للشخص هو ما يكون على المحك بدرجة كبيرة".

وفي دراسة نُشرت خلال العام الماضي8، قال الباحثون إنّ احتمال تذكُّر أبناء المواطنين الكروات الذين عاشوا أثناء فترة الحروب اليوغسلافية التي اندلعت في تسعينات القرن العشرين للخبرات ذات الصلة بالحرب التي مر بها آباؤهم، مثل التعرض لإطلاق النار، أو تعرُّض المنازل للقصف بالقنابل، أكبر من احتمال تذكُّرهم لخبراتهم الخاصة غير ذات الصلة بالحرب، مثل الزواج، أو مولد الطفل الأول لأحدهم، فالحروب - مثلها في ذلك مثل الهجرة - عادةً ما تعقبها حالة من الاضطراب الشديد، ولذاترسخ في الذاكرة بشكل أكبر، حسبما تقول سفوب.

وتضيف سفوب قائلة إنّ "نظرية الانتقال" هذه يمكنها شرح أحد أكبر الفراغات في الذاكرة الجماعية للغرب في القرن العشرين.. فلماذا يتذكر المواطنون الغربيون الحربين العالميتين بسهولة ويسر، بينما لا يتذكرون جائحة الإنفلونزا الإسبانية التي حدثت في الفترة من 1918 إلى 1920؛ وقتلت ما يزيد على عدد ضحايا الحربين العالميتين كلتيهما! تقول سفوب: "قَدْر التغيُّر الذي يحدث من جرّاء الحرب، عادة ما يكون أكبر من ذلك الذي يحدث بفعل أحد الأوبئة". ويجد بعض الأشخاص ذلك التفسير محيرًا، إذ تقول فيفوش: "إذا كنتَ قد فقدتَ شخصًا عزيزًا عليك في جائحة الإنفلونزا، فإن ذلك لا شك قد أفسد سير حياتك اليومية".

تتطور مجموعة الذكريات الجماعية التي تحتفظ بها جماعة ما تطورًا واضحًا مع مرور الوقت. ومن بين أسباب ذلك أن الأشخاص يتأثرون أكثر بالأحداث التي وقعت أثناء فترة المراهقة، أو في شرخ الشباب، وهي ظاهرة تُعرف باسم "مطبّ الذاكرة". وعندما ينشأ جيل جديد، فإن الأحداث التي تقع لأفراده أثناء فترة شبابهم تطغى على الأحداث التي هيمنت على المجتمع في السابق، ومن ثم، تسهم في "تحديث" الذاكرة الجماعية. وقد أظهر استبيان أجراه "مركز بيو للأبحاث" في واشنطن العاصمة أن اللحظات التاريخية الحاسمة لمواليد فترة الطفرة السكانية في الولايات المتحدة تلخصت في اغتيال الرئيس جون إف. كينيدي، وحرب فيتنام، في حين أن اللحظات ذات الأهمية ذاتها لمَن وُلدوا منذ عام 1965 تمثلت في الهجمات الإرهابية التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر 2001، وانتخاب الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما9.

ومع مرور الزمن، يضيف كل جيل بعض الأحداث، وينسى بعضها الآخر. فعلى سبيل المثال، يرى عالِمَا النفس هنري روديجر - بجامعة واشنطن في سانت لويس بولاية ميزوري - وأندرو ديسوتو - من جمعية علم النفس بواشنطن العاصمة - أن الأجيال الأمريكية المتعاقبة ينسى أفرادها رؤساءهم الماضين على نحو منتظم، يمكن وصفه بواسطة "دالّة قوة"10. ويتوقع الباحثان أن هاري ترومان (1945-1953) سوف يذهب في طي النسيان بحلول عقد الأربعينات من القرن الحالي، تمامًا كما واجه ويليام ماكينلي (1897-1901) المصير ذاته في وقتنا الحاضر.

ينعكس ذلك التطور من خلال تطوُّر المواقف والاتجاهات نحو المستقبل. فقد لاحظ روديجر، وعالِم الأنثروبولوجيا جيمس ويرتش - الذي يعمل أيضًا بجامعة واشنطن - أن الساسة الأمريكيين الذين دخلوا في جدال بشأن غزو العراق في أوائل العقد الأول من هذا القرن الحالي، انقسموا إلى مجموعتين، ضَمَّت الأولى أولئك الذين دافعوا عن الغزو، على أساس أنه كان لا بد من إيقاف صدام حسين، مثلما حدث مع أدولف هتلر من قبل. وضَمَّت المجموعة الثانية الساسة الذين عارضوا الغزو، لأنهم كانوا يخشون من التورط في حرب أخرى دموية وطويلة الأمد، مثل حرب فيتنام. ورغم أن أفراد كل فريق اختاروا مرجعيتهم التاريخية لأسباب سياسية على الأرجح، فإنهم بدورهم قد أسهموا في تعزيز تلك المرجعية في ذاكرة كل شخص سمعهم وهم يتحدثون.

اكتشاف الذكريات الزائفة

تشير الأبحاث التي أُجريت على الذاكرة الجماعية إلى عدة وسائل، يمكن من خلالها تشكيل تلك الذاكرة لأجل الصالح العام. قَدَّم إدلسون وفريقه مبررات للتفاؤل عندما أوضحوا - من خلال دراسة قاموا بها في عام 2014، متمِّمة لدراستهم السابقة - أنه رغم أن بعض الذكريات الخاطئة تقاوِم التغيير، فإن الأشخاص الذين يحتفظون بتلك الذكريات يمكن أن يتأثروا - مع ذلك - بالمعلومات ذات المصداقية11. استخدم الفريق "التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي " fMRI؛ لمسح أدمغة المتطوعين أثناء تذكُّرهم للمعلومات بشأن فيلم معين. كشفت الصور عن تغيرات في نشاط المخ، ارتبطت بدرجة الثقة في ذاكرة غير دقيقة، كما ارتبطت تلك التغيرات - في نهاية المطاف - بما إذا كان هؤلاء الأشخاص قد عادوا إلى ذاكرتهم المبدئية الدقيقة، أم لا. يقول إدلسون: "من خلال كشْف حقيقة أن تلك المعلومات غير صادقة، فالأشخاص في معظم الحالات سوف يأخذون ذلك في الحسبان. ففي 60% من الحالات، سوف يغيِّرون إجابتهم، وحتى لو أبقوا على إجابة خاطئة، فسوف يكونون أقل ثقةً بشأنها". 

يقدِّم كومان مقترحين، استنادًا إلى النتائج التي توصَّل إليها، أولهما يخص نظام العدالة. ففي بعض الولايات الأمريكية، يُحظر على المحلفين أخذ الملاحظات التي دَوَّنوها أثناء محاكمة شخص ما إلى غرفة المداولة، وهو تقليد متأثِّر بمعدلات الأمية المرتفعة عبر التاريخ، وكذلك باعتقادٍ مفاده أن الجماعة تتذكر بشكل أكثر موثوقية من الفرد. يقول كومان إنّ استخدام الملاحظات المدونة يمكن – في الحقيقة - أن يحمي المحلفين من التحيزات المدفوعة بعملية التذكُّر، والمؤثرات الاجتماعية على مستوى الجماعة. ويأمل فريق كومان حاليًّا في استكشاف تأثير تلك القواعد بعمق أكبر، وتفصيل أدَقّ.

أما المقترح الثاني، فيتعلق بنشر المعلومات الحساسة بين العامة أثناء حالات الطوارئ، مثل انتشار الأوبئة. فقد لاحظ كومان أنّ النسيان المدفوع بالتذكر يتعزز في مواقف القلق الشديد. ولذا فقد خرج ببعض النصائح للمسؤولين، تتمثل في وضع قائمة قصيرة - ولكنها شاملة - بالنقاط الرئيسة، والتأكد من أن يكون لدى جميع المسؤولين القائمة نفسها، وتكرار تلك النقاط باستمرار، ورصْد المعلومات الخاطئة التي تدخل حيز التداول. فعلى سبيل المثال، أثناء تفشي وباء "الإيبولا" في عام 2014، أُثيرت مخاوف في الولايات المتحدة، مبنية على اعتقاد خاطئ، مفاده أنك إذا وُجِدتَ في الغرفة نفسها التي يُوجَد فيها شخص مصاب بالعدوى؛ فسيكون ذلك كفيلًا بإصابتك بالمرض. يقول كومان إنّ أفضل الطرق للقضاء على تلك الشائعة تَمَثَّلَ في الشرح المتكرر لمسألة أن فيروس "الإيبولا" لا يمكن أن ينتقل من شخص إلى آخَر، إلا عن طريق سوائل الجسم. ويضيف: "إذا فهمتَ طبيعة المعلومات الخاطئة يمكنك استهدافها؛ لأجل منْعها، بمجرد ذكر المعلومات الدقيقة ذات الصلة".

تُعَدّ الذاكرة الجماعية سلاحًا ذا حَدّين، فالبعض - بلا شك - يستخدمها للتضليل. يقول كومان: "لطالما تم اعتبار مسألة تداوُل المعلومات بحُرِّية في المجتمع المحلي واحدة من أهم سمات المجتمعات المنفتحة والديمقراطية، وأكثرها فائدة، ولكنّ خلْق تلك المجتمعات لا يضمن - في حد ذاته - تحقيق نتائج إيجابية". فربما تكون الذكريات الجماعية الخاطئة ثمنًا للدفاع عن حرية التعبير، ولكن فهْم كيفية تشكيل تلك الذكريات ربما يوفر بعض الحماية في المرة القادمة التي يتم فيها تذكير الناس بمذبحة لم تقع من الأساس.

References

  1. Coman, A. & Hirst, W. J. Exp. Psychol. Gen. 141, 321–336 (2012)| article
  2. Coman, A. & Hirst, W. J. Exp. Psychol. Gen. 144, 717–722 (2015) | article
  3. Gottfried, J. & Shearer, E. News Use Across Social Media Platforms 2016 (Pew Research Center, 2016); available at go.nature.com/2wrtzdg 
  4. Edelson, M., Sharot, T., Dolan, R. J. & Dudai, Y. Science 333, 108–111 (2011) | article
  5. Coman, A., Momennejad, I., Drach, R. D. & Geana, A. Proc. Natl Acad. Sci. USA 113, 8171–8176 (2016) | article
  6. Mana, A., Sagy, S., Srour, A. & Mjally-Knani, S. Mind Soc. 14, 57–83 (2015) | article
  7. Licata, L. & Klein, O. Intl. J. Conflict Violence 4, 45–57 (2010) | article
  8. Svob, C., Brown, N. R., Takšić, V., Katulić, K. & Žauhar, V. Mem. Cognit. 44, 846–855 (2016) | article
  9. Deane, C., Duggan, M. & Morin, R. Americans Name the 10 Most Significant Historic Events of Their Lifetimes (Pew Research Center, 2016); available at go.nature.com/2nrtgku
  10. Roediger III, H. L. & DeSoto, K. A. Science 346, 1106–1109 (2014) | article
  11. Edelson, M. G., Dudai, Y., Dolan, R. J. & Sharot, T. J. Neurosci. 34, 7744–7753 (2014) | article

لورا سبيني صحفية علمية، تعيش في باريس، فرنسا.