كتب وفنون

طاقة: مسح لأفق الطاقة

مايكل جروب يجد نطاقات أوسع في دراسة ديتر هيلم عن زوال النفط، وأكثر منها عمقًا.

  • Published online:
توربينات الرياح بالقرب من مدينة بالم سبرينجز، كاليفورنيا.

توربينات الرياح بالقرب من مدينة بالم سبرينجز، كاليفورنيا.

Kent Kobersteen/National Geographic Creative

احتراق: نهاية الوقود الأحفوري

ديتر هيلم، مطبعة جامعة ييل: 2017.

ISBN: 9780300225624

يعود من جديد ديتر هيلم - وهو أحد المعلِّقين الأكثر جرأةً وتأثيرًا في مجال الطاقة - بكتابه المعنون "احتراق" Burn Out، حاملًا في طياته رؤية عظيمة وواسعة النطاق لثورة الطاقة. يسخر هيلم من "مناصري ذروة إنتاج النفط"، الذين يعتقدون أن تقلص موارد الوقود الأحفوري سيدفع التحول نحو موارد الطاقة المتجددة. مِن المفترض لأطروحته البديلة أن تدفع المتنبئين ليرجعوا سريعًا إلى نماذجهم، كما أنها ستُحْدِث هزة في تقييمات أصول شركات صناعات الطاقة الراسخة.

 يبني هيلم وجهة نظره الأساسية على فكرة أن هناك ثلاث "مفاجآت متوقعة" ستُحْدِث ثورة في مفهوم الطاقة خلال القرن الواحد والعشرين. فقد وَلَّت - من دون رجعة - مرحلة طفرة السلع، أو "الدورة الفائقة" - التي سادت خلال الخمس عشرة سنة الماضية. وسيزداد الضغط للتخلص من انبعاثات الكربون في مواجهة الأدلة الدامغة على تغيُّر المناخ. كما سيزدهر الابتكار التكنولوجي، مع هيمنة الكهرباء المولَّدة بالطاقة الشمسية على إمدادات الطاقة. ويكمن إسهام الكتاب الأكبر في دمج هذه القوى الثلاث الكبرى، واستكشاف الآثار الجغرافية السياسية والصناعية المترتبة عليها.

في البداية، ينتقد هيلم الحكمة التقليدية للدورة الفائقة، ويخلص في الأساس إلى أن أسعار النفط "المعادة معايرتها" قد تستمر في التراجع. تقدَّمَت تقنيات استخراج الغاز الصخري - على وجه الخصوص - بشكل كبير وسريع، حتى إنها تفتح موردًا عالميًّا جديدًا، إلا أن الطلب عليها قد يتقلص. وحسب توقعات الطاقة العالمية لعام 2016، الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية، فإن أسعار النفط ستعاود الارتفاع مرة أخرى إلى 78-145 دولارًا أمريكيًّا للبرميل بحلول عام 2040. ويَفترِض هيلم أن يصل السعر إلى 40-60 دولارًا للبرميل فقط على المدى الطويل.

وهكذا، فإن مشكلة الطاقة ليست في ذروة النفط، بل ذروة الكربون، وهي "المفاجأة المتوقعة" التالية. وهنا، يركز هيلم على الهوة بين الأهداف المناخية، والتوقعات الصناعية، إذ يشير إلى أن علم المناخ وآثار التغير المناخي سيشدِّدان القيود السياسية بشكل بطيء. ويمكن للمرء بالكاد أن يشك في مدى استقلالية فكره، عندما يقول إنّ "حدوث احترار - في أوروبا - بنسبة تصل إلى درجتين مئويتين سيلحق - في الغالب - ضررًا ضئيلًا بالاقتصادات الرئيسة. وفي النهاية، كل الرهانات مخطئة".

ويتضمن رأيه حول سياسة المناخ بعض التناقضات المزعجة، إذ يقول إن الصناعة ما زالت لا تواجه مسألة السيطرة على كميات الكربون. ومع ذلك.. فهو يوجِّه انتقادًا لاذعًا للسياسات المناخية السابقة. وفي مواضع أخرى في الكتاب، يعترف هيلم أن السياسات نفسها كان لها تأثير كبير على مجال صناعة الفحم، وعلى توليد الطاقة.

كما أنه يؤيد تأييدًا قاطعًا فرْض رسوم على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، بينما ينتقد بشدة بروتوكول "كيوتو" لعام 1997، الذي يستهدف تحديد سقف وسعر ثاني أكسيد الكربون في العالم الصناعي. ويتجاهل هيلم الإشارة إلى أن جميع البلدان التي بقيت في الاتفاق بعد انسحاب الولايات المتحدة وكندا امتثلت لالتزاماتها، وحقق معظمهم انخفاضات كبيرة في الانبعاثات. أما اتفاق باريس لعام 2015، الخاص بالمناخ، فيراه "سياسة جيدة"، لأنه توصل إلى اتفاق عالمي، لكنه "اقتصاد سيئ"، لأنه - على ما يبدو - لا يشمل التزامات بالحدود المحلية للانبعاثات، ولا الأدوات المستخدَمة، ولا الأسعار.

واحتلت التكنولوجيا - وهي المفاجأة الثالثة - مكان الصدارة في الكتاب. ويرى هيلم أن الابتكارات في قطاع الطاقة، بدءًا من الجيل القادم من موارد الطاقة المتجددة، حتى الروبوتات، "مستمرة، ولا يمكن إيقافها" (انظر أيضًا: M. Grubb Nature 520, 614–615; 2015). وكخبير اقتصادي، يقرّ هيلم بأنه محايد تجاه التكنولوجيا. وعمليًّا، تتلخص رؤيته في "كهربة" كل شيء تقريبًا. وبمرور الوقت، أضحى هيلم أكثر تشككًا فيما يتعلق بالطاقة النووية واحتجاز الكربون، قائلًا إنّ "مستقبل الكهرباء سيكون - على الأرجح - شمسيًّا، لكن ليس بالشكل الذي نعرفه".

ومرة أخرى، يأتي الاتساع الهائل للتحليل أكثر إثارة للإعجاب عن مدى عمقه. ويتجاهل هليم الحقائق المرتبطة بالمواسم، لا سيما في المناطق ذات المناخ المعتدل. فكثافة الطاقة الشمسية في أحد فصول الشتاء في المملكة المتحدة - على سبيل المثال - تبلغ عُشر كثافتها في فصل الصيف، بيد أن الطلب على الكهرباء أعلى بنسبة 20%. والأسوأ من ذلك.. أن الطلب على الطاقة في فصل الشتاء لأغراض التدفئة المنزلية – المعتمِد في معظمه على الغاز – يبلغ أربعة أضعاف الطلب على الكهرباء على المستوى المحلي. ويتطلب استخدام الكهرباء للتدفئة تغييرًا كاملًا لشبكة الكهرباء، إلى جانب أن كميات هائلة من طاقة التوليد الجديدة ستكون مطلوبة لتغطية احتياجات جزء من السنة. وإضافة إلى ذلك.. يتعذَّر عمليًّا تخزين الطاقة في البطاريات من فصل الصيف إلى فصل الشتاء، بسبب الحاجة إلى تخزين ما لا يقل عن 100 ضعف كمية الطاقة الموجودة في الدورة اليومية، مع بيع معظمها سنويًّا فقط.

خطوط أنابيب الغاز في روسيا، حيث استفاد الاقتصاد من ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري.

خطوط أنابيب الغاز في روسيا، حيث استفاد الاقتصاد من ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري.

Alexander Zemlianichenko Jr./Bloomberg via Getty

أما الرياح، فتُقَدِّم - على النقيض من ذلك - حلًّا مناسبًا للطلب الموسمي على الطاقة. فعلى الصعيد العالمي، وصلت قدرة الطاقة المولَّدة من الرياح إلى ما يقرب من 500 جيجاوات – أي نصف قدرة توليد الكهرباء في الاتحاد الأوروبي بأكمله – بلا تأثير يُذكر على الموارد العالمية. وقد يجعل الاعتراف بإمكانيات الرياح والتكامل مع الطاقة الشمسية أطروحة هيلم في مجملها أكثر مصداقية من الناحية العلمية. ولأسباب مجهولة، فهو يعيد ببساطة تكرار شكوكه القديمة، مؤكدًا أن الرياح "تسهم إسهامًا ضئيلًا على النطاق الأوسع".

يتجنب هيلم ذِكر مراجع مفصلة وتعليقات ختامية، معلِنًا أنه يريد من القراء "أن يفكروا على المدى الأطول وبشكل عام"، لكن في بعض المجالات، يكون التبسيط مسألة مهمة. ولكونه كتابًا يركز بشكل أساسي على الحلول التكنولوجية، فهو يتجاهل تعقيدات آليات الابتكار والانتشار، ويتناول – باختصار - مدى انخراط الحكومة في كل الصناعات الناشئة تقريبًا، ويتجاهل الكم الهائل من المنشورات التي تدور حول "وادي الموت التكنولوجي"، حيث كثيرًا ما فشلت الاستثمارات بالمليارات في أبحاث وتطوير الطاقة في إيصال الصناعات التجارية إلى نطاق واسع. وبالطبع، استفادت التكاليف المنخفضة جدًّا لاستخدام الشمس والرياح - التي يشهدها العالَم اليوم - من الأبحاث المجراة، لكنْ يمكن أن يُعزى ذلك بشكل مباشر أكثر إلى سياسات التوزيع في أوروبا، والولايات المتحدة، والصين، التي زادت الطلب، ووسعت النطاق. كما يتجاهل هيلم أيضًا الاعتمادات المتبادلة الأخرى، حيث ستطارد الشركاتُ التقنيات الجديدة بشكل أكثر قسوة عندما يكون السوق كبيرًا، كما هو الحال الآن.

وبالنسبة إلى هيلم، فأوروبا دائمًا على خطأ، ففي رأيه أنّ نظام الاتحاد الأوروبي لتبادل الانبعاثات - لوضع سقف وسعر لغاز ثاني أكسيد الكربون – يُعَدّ نظامًا فاشلاً، إلى جانب سياساته المتعلقة بالطاقة المتجددة، لكن من المؤكَّد أنّ وجود بعض الأسعار والسياسات المتعلقة بالكربون، لبناء صناعات ذات انبعاثات كربون منخفضة، هو أفضل من عدم وجود أي منهما، أليس كذلك؟ وهو يؤكد أن انخفاض الانبعاثات في الولايات المتحدة على مدى العقد الماضي، حيث حَلَّ الغاز الصخري محل الفحم، يجعل أوروبا "تبدو حمقاء"، رغم أن كمية الانبعاثات للفرد الواحد في الولايات المتحدة لا تزال 2.5 ضعف مثيلاتها في الاتحاد الأوروبي. وقد وَجَّه انتقادًا شديدًا لخطة ألمانيا لتحوُّل الطاقة، التي تركز على الكفاءة، وعلى المصادر المتجددة، إلا أن أطروحته في المجمل تدلّ على أن هناك استراتيجية مماثلة – تُعَدّ بالفعل أرخص كثيرًا، بفضل التقدم المحرَز بها - تنتشر عالميًّا الآن.

"يعيش عالَم الطاقة الآن حالة ثورة، وتصاحبه آثار سيتردد صداها خلال القرن الحالي".

والأكثر إثارة للاهتمام أنّ الكِتاب يقدم مناقشة شاملة للتبعات الجغرافية السياسية لتحول الطاقة، حيث إنّ كل فصل من الفصول المتعلقة بالولايات المتحدة، والشرق الأوسط، وروسيا، والصين، وأوروبا، يستعرض كيف تداخلت الطاقة في تاريخ كل منطقة أو دولة. يُبْرِز هيلم دولة الصين في دور الشرير؛ ويُرْجِع السبب في ذلك جزئيًّا إلى الانبعاثات الصادرة منها، لكنه يقرّ بجهودها المتنامية لمعالجة الأمر. فهو يرى تحوُّلًا اقتصاديًّا صعبًا هناك، بسبب عدم مَنْح تكنولوجيا التصنيع الجديدة أي ميزة نسبية طبيعية.

كما يشير إلى أن روسيا قد تواجه صعوبات، بعد تحقيقها استفادة كبيرة من زيادة في أسعار النفط والغاز خلال عقد من الزمن. ورغم قوله إن الغاز الطبيعي له دور محوري في عملية التحول، فإنه يساوره الشك حيال نية الدولة تنويع مسارات تصدير الغاز، من خلال بناء المزيد من خطوط الأنابيب. أما نظرته إلى منطقة الشرق الأوسط، فهي الأكثر مدعاة للقلق. فمع انهيار أسعار النفط، يتوقع هيلم أن تزداد الاضطرابات الحالية في المنطقة سوءًا، في حين لم تَعُد الأنظمة اليائسة قادرة على شراء ذمم السخط المحلي.

وفي نظرة عامة مماثلة، يستعرض هيلم الآثار المترتبة على الشركات وهياكل السوق، إذ يشير إلى أن نسبة احتياطيات النفط في باطن الأرض - نسبةً إلى الإنتاج السنوي، حيث استخدمها المستثمرون لفترة طويلة كمقياس لقيمة الأصول - سوف تكون زائدة عن الحاجة. وبشكل مستفز، يَنظر إلى بعض القادة السياسيين، مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والعاهل السعودي الملك سلمان، باعتبارهم اللاعبين الوحيدين من ناحية الإمداد، الذين - بشكل منطقي - قد لا يستثمرون في الوقود الأحفوري. وأخيرًا، يتناول هيلم مدى احتمال قيام مجالات الكهرباء بإعادة هيكلة نفسها؛ لاستيعاب الهيمنة المتزايدة للمصادر المتجددة، وغيرها من المصادر منخفضة الكربون، التي قد تصبح رخيصة جدًّا لدرجة يصعب تقييد استخدامها. وفي هذه الحالة، يرى هيلم أن صناعات الوقود الأحفوري سوف تشهد عملية "موت بطيء".

إنّ الصدمات الاقتصادية والسياسية التي نواجهها منذ عام 2008 جعلت الكثير منا يحدق في الماضي، لمحاولة قراءة ما بين السطور. يعيش عالَم الطاقة الآن حالة ثورة، وتصاحبه آثار سوف يتردد صداها خلال القرن الحالي. أمّا كتاب "احتراق"، فهو من أوائل الكتب التي تقدم نظرة واسعة حول أسباب، وكيفية حدوث ذلك.

مايكل جروب أستاذ في سياسات تغيُّر المناخ والطاقة الدولية في معهد الموارد المستدامة بكلية لندن الجامعية، ورئيس فريق المملكة المتحدة، المكوَّن من خبراء فنيين معنيين بإصلاح سوق إنتاج الكهرباء.

البريد الإلكتروني: m.grubb@ucl.ac.uk