NATURE | تحقيق إخباري

علماء بلا وطن

الباحثون النازحون يواجهون تحديات ضخمة للعيش في الخارج، حتى لو تمكنوا من إيجاد عمل.

جونجان سينها

Nature (2017) doi:10.1038/543024a | Published online | English article

محمد علي محمد

محمد علي محمد

Justin Jin for Nature

عندما وصلت الحرب في سوريا إلى حلب في عام 2012، فَرّ عالِم الجغرافيا محمد علي محمد مع عائلته إلى بلدة تبعد 50 كيلومترًا شمالًا. ولمدة عامين، كان يتنقل عبر وسائل النقل العام كل يوم؛ للتدريس في جامعة حلب، رغم القتال المستمر الدائر في الشوارع، والغارات الجوية التي لا تتوقف. وبحلول عام 2014، أصبحت هناك خطورة كبيرة في الاستمرار هناك، ثم بدأت الأموال والأطعمة تتناقص.

دُعي علي محمد لإجراء بحوث في ألمانيا، لكنْ لم تكن هناك طريقة سهلة للخروج من سوريا، فدفع أموالًا لمُهرّب؛ ليساعده على الدخول إلى تركيا. ذهب في ظلمة الليل - تاركًا عائلته - وسافر مع ثلاثة رجال آخرين عبر الجبال، سيرًا على الأقدام، "مع شعور مستمر بالخوف من التعرض للقتل". ومن هناك، سلك طريقه إلى برلين.

علي محمد هو أحد العلماء اللاجئين، وأحد القلائل الذين ابتسم لهم الحظ لمواصلة إجراء أعماله البحثية. يعمل علي محمد الآن في ألمانيا، وذلك بفضل منحة دراسية جديدة للعلماء النازحين، تقدِّمها "مؤسسة ألكسندر فون هومبولت"  Alexander von Humboldt Foundation في برلين. وهذه المبادرة هي واحدة من مبادرات عدة، أعادت الأمل إلى العلماء الذين يُجبرون على الفرار بسبب أبحاثهم، أو آرائهم السياسية، أو - مثل علي محمد - اندلاع الحرب في بلادهم.

وبالنسبة إلى المنظمات التي تساعد العلماء المهددين، يتجاوز الهدف مسألة إنقاذ الأرواح. فالبلدان التي تعاني اضطرابات سياسية، معرضة لخطر خسارة رأس مالها الفكري باختفاء الباحثين منها. وفي هذا الصدد يقول ستيفن ووردزوورث، المدير التنفيذي لمجلس مساعدة الأكاديميين المعرَّضين للخطر ("كارا" Cara) في لندن: "هؤلاء يمثلون مستقبل التعليم العالي في بلدانهم. فإذا ما قُتلوا، أو شُرِّدوا؛ فلن تكون هناك إمكانية أن يعاد بناء المجتمعات المدمرة".

إنّ عدد الباحثين المعرَّضين للخطر يتزايد بصورة كبيرة جدًّا، ففي العامين الماضيين، ارتفع عدد الطلبات المقدمة إلى مجلس "كارا" للحصول على الدعم من 3-4 طلبات في الأسبوع إلى 15-20 طلبًا، فباتت المنظمة تدعم أعدادًا قياسية، ويقول ووردزوورث: "هذا هو أعلى مستوى نشهده منذ سنوات عملنا الأولى في الثلاثينات".

ومع استمرار القتال الدائر في العراق وسوريا لسنوات طويلة، قد يبدو الحصول على وظيفة قصيرة المدى أشبه باستخدام زورق لمواجهة إعصار. وقد أعرب العلماء اللاجئون الذين تحدثوا إلى دورية Nature عن امتنانهم الكبير للشعوب والبرامج التي ساعدتهم، لكنهم لا زالوا يواجهون تحديات كبيرة، حتى بعد حصولهم على وظائف. تطاردهم المشكلات المتعلقة بالتأشيرات، وبات من الصعب الحصول على عقود دائمة للسكن، وتأمين صحي. كما يعاني الباحثون في القيام بالمهام غير المألوفة بالنسبة لهم، مثل كتابة مقترحات المِنَح، والتنافس للحصول على الدعم. ويصعب على الكثير منهم التركيز في العمل، بينما أُسَرهم في وضع متأزم في مكان آخر.

تقول سارة وِيلْكُوكْس، مدير "صندوق إنقاذ العلماء" الخاص بمعهد التعليم الدولي في مدينة نيويورك: "نحن ندرك أن العديد من العلماء لدينا يجاهدون بشكل متزايد، لما يزيد على عام أو عامين". كثفت منظمتها وغيرها من المنظمات من الجهود المبذولة، للتعاون وتقديم الدعم للباحثين، بشكل يتجاوز مجرد إتاحة فرص عمل مؤقتة. وتقول إنه من دون هذه المساعدة، "سوف نفقد الكثير من علمائنا، وسيتم إسكات ألسنتهم إلى الأبد".

روابط مجتمعية

لولا مساعدة ودعم مشرفه، لربما ظل علي محمد عالقًا في سوريا، حيث البرد، والجوع، وانعدام الأمل في استكمال مسيرته المهنية. كان هيلمار شرودر - عالم الجيومورفولوجي في جامعة هومبولت في برلين - مستشارًا لعلي محمد، عندما كان الأخير يتم درجة الدكتوراة الخاصة به في مجال رسم خرائط التربة في الجامعة. وبعد حصوله على شهادة الدكتوراة في عام 2010، عاد علي محمد إلى سوريا، للعمل كمحاضر في جامعة حلب. وأخبر شرودر حينها أن الجامعة بحاجة إليه، وأنه سيكون من بين أعضاء هيئة التدريس هناك، في وظيفة دائمة.

بعد أن اندلعت الحرب لأول مرة في عام 2011، أرسل شرودر رسائل عدة عبر البريد الإلكتروني؛ للاطمئنان على تلميذه السابق. يقول شرودر: "كان الرد دائمًا: كل شيء على ما يرام في حلب"، لكن سرعان ما اختلف الوضع.. ففي شهر يوليو من عام 2012، وصل القتال إلى حلب، وقُصف المجمع السكني الخاص بعلي محمد؛ فانتقل هو وأسرته للعيش مع أقارب لهم قرب الحدود التركية. وعندما اضطر لترك وظيفته في عام 2014، راسل علي محمد شرودر بالبريد الإلكتروني، وأطلعه على الأخبار المؤسفة، وهنا، بدأ شرودر التحرك فورًا. قام بحشد الزملاء السابقين لعلي محمد في برلين، وعميد الجامعة، ورئيس القسم. استغرق الأمر بضعة أشهر، لكنهم في النهاية تمكنوا من جمع ما يكفي من المال للتكفل بتوفير وظيفة له، مدتها عام واحد، كعالم زائر، وأرسلوا إليه العرض الوظيفي عبر البريد الإلكتروني.

في شهر نوفمبر من عام 2015، قرر علي محمد محاولة خوض رحلة برية إلى تركيا. وفور وصوله، قدَّم طلبًا للحصول على تأشيرة لألمانيا. وفي الشهر التالي، استقبله شرودر في مطار برلين.

دعته زميلة لشرودر - متقاعدة حديثًا، وكانت تعرف علي محمد من أيام دراسته هناك – إلى حفلة عيد الميلاد المجيد. يقول علي محمد متذكرًا الحفلة: "استُقبلتُ بترحيب حار، وحصلتُ على هدايا من الجميع". اشترت له الزميلة ملابس شتوية، ودعته إلى البقاء معها، كما ساعدته في مواجهة البيروقراطية. وبالفعل مكث لشهور معها. يقول شرودر: "بدونهالم يكن له أن يدبر أموره".

وبعد مرور ستة أشهر، حصل علي محمد على منحة من "مبادرة فيليب شفارتز"، التي تطرحها مؤسسة "هومبولت"، والتي يمكن من خلالها أن تقدِّم المؤسسات الأكاديمية الألمانية طلبات تمويل، لاستضافة باحث لاجئ. تقدِّم المنحة ما يصل إلى 3,500 يورو (ما يعادل 3,700 دولار) شهريًّا، لمدة تصل إلى 24 شهرًا، بالإضافة إلى مبلغ مقطوع، بواقع 12 ألف يورو إلى المؤسسة المضيفة، لتغطية المساعدات الإضافية التي قد يحتاجها الباحث. يقول علي محمد إن المنحة كانت "طوق النجاة" بالنسبة له، فمن خلالها، ومن خلال دعم القسم له أيضًا، يمكنه الآن احتساب وجود تمويل يغطي حوالي ثلاث سنوات. وهو يعمل على مشروع لإنشاء خرائط متطورة لاستخدام الأراضي بالمدن والعواصم، من أجل التخطيط الحضري، لكنه لا يستطيع التركيز بشكل كامل في عمله، إذ يقول وقد بدا على عينيه الجمود والاحمرار من قلة النوم: "أنا دائمًا خائف وقَلِق على عائلتي".

حين توجَّه علي محمد إلى تركيا، كان يشعر بخطورة كبيرة لسفر أبنائه الصغار معه، لا سيما من دون تأشيرة لتركيا. كانت عائلته قد خططت للقيام بالرحلة ذاتها في عام 2016، مع تأكيدات من السلطات الألمانية بأنه سيتم منحهم التأشيرة الألمانية من السفارة في تركيا، لكن في اليوم المخطط، أغلقت تركيا حدودها مع سوريا، وهم الآن عالقون في مخيم للاجئين. يقول شرودر إنه وزملاءه كانوا على اتصال مستمر مع وزارة الخارجية الاتحادية الألمانية، لإخراج عائلته من هناك، لكن العوائق السياسية واللوجستية حالت دون ذلك، حيث أُغلقت السفارة الألمانية في سوريا، وأصبحوا غير قادرين على السفر إلى أي مكان آخر للحصول على تأشيرة ألمانيا.

يرسل علي محمد المال إلى عائلته؛ للتزود بالمؤن، لكن الأوضاع في المخيم - في أحسن الأحوال - سيئة، وفصول الشتاء قاسية بشكل خاص. وهنا يقول: "إنني قلق تحديدًا على صحة وسلامة أبنائي".

هارب

قاسم السيد محمود

قاسم السيد محمود

Justin Jin for Nature

بدأت معاناة عالِم الأحياء قاسم السيد محمود في عام 2010، حين جُنِّد في الجيش السوري، رغم أن عمره حينئذ كان 36 سنة، وكان يشغل وظيفة أستاذ مساعد في جامعة الفرات في دير الزور. قيل له إنه مطلوب للتجنيد لمدة عام واحد فقط، لكن حين اندلعت الحرب، صدرت الأوامر باستمرار تجنيده حتى انتهاء الثورة. وبعد استمراره 19 شهرًا في الخدمة، ومع عدم ظهور نهاية في الأفق للصراع الدموي الدائر، لم يستطع التحمل أكثر من ذلك؛ وفَرَّ هاربًا. يقول: "لو كان النظام قد أَلقَى القبض عليَّ، لكنتُ قد قُتلت".

اختبأ السيد محمود في منازل أصدقاء مختلفين، وأفراد من أسرته، فارًّا من مكان إلى آخَر، بينما اشتد القتال في سوريا. وفي شهر سبتمبر من عام 2012، قُتل أخوه - الذي كان يساعده على التخفي - في أثناء إحدى المعارك التي شارك فيها في دير الزور. يقول السيد محمود: "كان الوضع قد صار خطيرًا للغاية، حتى إنّ أسرتي أضحت تشجعني على مغادرة البلاد فورًا".

هرب السيد محمود على متن دراجة نارية، ثم استقل سيارة إلى تركيا، وتسلل عبر الحدود، إذ لم تَكُن لديه تأشيرة دخول. كان أحد أصدقائه قد أخبره عن منظمة "علماء في خطر" Scholars at Risk، الموجودة في مدينة نيويورك، فتواصل معها؛ لمساعدته في العثور على وظيفة، لكنها كانت تعاني من تكدس الطلبات، وكانت تعطي الأولوية للمتقدمين المعرَّضِين لخطر داهم. لذا سافر في عام 2013 إلى دولة قطر؛ ليعيش مع أخيه الثاني، إلا أنه لم يتمكن من العثور على عمل هناك، ولا في البلدان المجاورة.

في العام التالي، قرر العودة إلى تركيا، والبحث عن فرص للعمل في أوروبا، فتواصَل مع منظمة "علماء في خطر" مرة أخرى. هذه المرة، عثرت له الوكالة على فرصة للعمل كباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراة، تمتد لعام واحد، في قسم علوم الغذاء في جامعة جنت في بلجيكا. وكانت المعضلة الوحيدة أمامه حينئذ هي الوصول إلى هناك.

كان للسيد محمود معارف في أوروبا، كما كان الحال مع علي محمد. فقد سبق له أن عاش في فرنسا لمدة ست سنوات، وصار يجيد اللغة الفرنسية في أثناء دراسته لعمليات معالجة الأغذية وللتكنولوجيا الحيوية في مرحلة الدكتوراة في "معهد لورين القومي للعلوم التطبيقية" في مدينة نانسي.

تمكَّن السيد محمود من السفر إلى فرنسا بتأشيرة سياحة، بمساعدة من أحد الأصدقاء الذين التقى بهم خلال تلك السنوات الست، الذي سهَّل له الإجراءات في القنصلية الفرنسية؛ إلا أنه عانى بعد ذلك للحصول على تأشيرة بلجيكا؛ فقرر التقدم بطلب للحصول على حق اللجوء إلى فرنسا؛ ومُنح صفة "لاجئ" لمدة عشر سنوات. وفي نهاية المطاف، تمكَّن من الحصول على تأشيرة عمل، لدخول بلجيكا.

في شهر أغسطس من عام 2015، وصل السيد محمود أخيرًا إلى جامعة جنت. وهناك، أجرى تجاربه على أنواع غريبة من الشوكولاتة، مثل تلك المصنوعة من لبن الجمل، أو تلك المزودة بنكهة بذور الكمون الأسود. لم تكن أعماله البحثية في مجال تخصصه، كما أن مهاراته في اللغة الفرنسية لم تفده، لا سيما في الجزء الفلمنكي من بلجيكا، لكنه كان سعيدًا بنشاطه الذهني، وبتوسيع مهاراته المختبرية. وبعد مضي بضعة أشهر من بداية عمله كباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراة، سمع عن وجود فرصة للعمل في المناطق الناطقة بالفرنسية في بلجيكا، حيث أعلنت "جامعة بروكسل الحرة"  ULB أنها ستقدم عشر مِنَح دراسية للعلماء اللاجئين؛ فتقدّم السيد محمود بأوراقه؛ وتم قبوله.

منذ شهر أغسطس من عام 2016، يدرس السيد محمود الأساليب الفعالة بيئيًّا؛ من أجل تقليل نفايات البطاطس الناتجة عن عمليات المعالجة الصناعية. وهذا مجال جديد ومثير بالنسبة له، كما يقول. ويضيف قائلًا: "أستطيع اكتساب الخبرة، وتعلُّم مهارات جديدة". وتم تمديد مدة عمله كباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراة لعام آخر.

كل ذلك أتاح له أن يستقر في بروكسل، حيث صار مرشدًا لغيره من باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة اللاجئين في الجامعة، كما يقول سيرج هيليجزمان، رئيس قسم التكنولوجيا الحيوية والعمليات الحيوية هناك.

وفي العام الماضي، سافر السيد محمود إلى تركيا؛ ليتزوج أرملة أخيه المتوفى، وصار أبًا لأولادها الثلاثة. وتساعد الجامعة أسرته على التقدم بطلب للحصول على تأشيرة بلجيكا، ويأمل السيد محمود أن ترافقه أسرته في بروكسل قريبًا.

ويقول: "إن الناس متعاونون للغاية، وودودون.. ولم أشعر مطلقًا بعدم تَقَبُّلهم لي".

الحنين إلى الوطن

من ناحية أخرى.. لم يشعر زامير السالم - عالِم الجيولوجيا العراقي - قَط بمثل هذا الترحاب في الجامعة البريطانية، التي عرضت عليه أن توفر له ملاذًا مؤقتًا. وهو يصف تجربته في الخارج قائلًا "لا أحد يهتم "، مضيفًا أنه دائمًا ما يشعر "بالوحدة".

بدأت قصة لجوئه في شهر يونيو من عام 2014، حين دخل "تنظيم الدولة الإسلامية" – داعش - مدينة الموصل، التي يعيش فيها. كان السالم – وهو اسم مستعار، تم استخدامه هنا من أجل حمايته - حينئذ مُحَاضِرًا جامعيًّا في العلوم الجيولوجية، وأحد منتقدي تنظيم داعش. ويقول إنه تَعَرَّض للتهديد، ووُضع اسمه على قائمة الاغتيالات. لذلكهرب إلى تركيا، ولم يصطحب معه سوى حقيبة يد صغيرة.

في البداية، مكث مع أصدقائه، ثم تركهم عندما شعر أنه يفرض نفسه عليهم. ولم يتمكن من العثور على وظيفة، كما بدأت الأموال التي بحوذته في النفاد؛ ما اضطره أحيانًا إلى النوم في الحدائق مع غيره من اللاجئين. يقول: "كان كابوسًا بالنسبة لي".

في شهر سبتمبر، علم السالم أنه قد قُبل في برنامج تدريبي خاص بإدارة التحف الفنية في اليابان، لكنه - قَبْل كل شيء - كان يحتاج إلى مال؛ للوصول إلى العراق، أو عُمان؛ للحصول على تأشيرة دخول. قدمت له منظمة "علماء في خطر" منحة للوصول إلى عُمان، ثم تحمَّلت الجهة المنظِّمة للبرنامج التدريبي مصروفات رحلته إلى اليابان. وفي الشهرين اللذين قضاهما في البرنامج، استطاع ادخار ما يعادل حوالي 200 دولار من بدل المعيشة الذي كان يُصرف له، إذ كان يكتفي بتناول وجبة واحدة فقط في اليوم.

بعد عودته إلى تركيا، وجد له مجلسُ "كارا" فرصة للعمل كباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراة، مدتها سنة واحدة، في إحدى الجامعات بالمملكة المتحدة. وبعد جولة أخرى من المصاعب؛ للحصول على تأشيرة، وصل في نهاية المطاف إلى المؤسسة المضيفة له في شهر يناير من عام 2015.

"عليك أن تبدأ حياتك من الصفر".

وسرعان ما تحولت الفرحة التي شعر بها السالم إلى خيبة أمل؛ حيث وَضَعَتْه الجامعة في قسم غير وثيق الصلة بمجال خبرته، ولم تعطه سوى القليل من التوجيهات. "لقد حظي بمعاملة حسنة للغاية، وسيئة للغاية أيضًا في الوقت ذاته"، كما قال جاك ويسترلي (وهو اسم مستعار). كان ويسترلي - الذي كان يعمل في قسمٍ مجاور - قد قضى سنوات في الموصل، يُجْرِي بعض الأعمال الميدانية؛ فصار صديقًا للسالم، وساعد في نقله إلى قسمه، حيث يمكن للسالم أن يوسع نطاق عمله التدريبي في حفظ التراث الثقافي.

ازداد قلق ويسترلي إزاء افتقار صديقه إلى أيّ خطة مستقبلية. يقول ويسترلي إنّ تصرُّف الجامعة كان نبيلًا باستضافتها له، من ناحية، إلا أنه "بدا كما لو أنها قد قامت بدورها الخيري فحسب، ثم نَسَتْه". شعر ويسترلي أيضًا بقلق بالغ إزاء صحة السالم النفسية. فقد كان كثيرًا ما يعرب عن شعوره بالذنب، لعيشه في راحة وأمان، بينما عائلته وغيرهم من اللاجئين يعانون، كما يقول ويسترلي. إنّ السالم غير متزوج، لكنْ له أبوان وأخوة في العراق.

وبدأ الوقت ينقضي. الْتَمَسَ ويسترلي من الجامعة تمديد مدة عمل السالم كباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراة، إلا أن الجامعة ردَّت بأن أداءه لم يكن على ما يرام. يقول ويسترلي: "كانت الإدارة تقارن بينه وبين زملائه الآخرين الباحثين في مرحلة ما بعد الدكتوراة. كانت توقعاتهم منه مثيرة للسخرية".

بحلول نهاية عام 2015، كان مجلس "كارا" قد وجد مؤسسة أخرى لاستضافته. بدأ السالم وظيفته في الجامعة الجديدة في شهر سبتمبر من عام 2016، بل وبدأ ممارسة التدريس أيضًا، إلا أنه كان يعاني. يقول: "شعرتُ بمزيد من الحزن والوحدة، ولم أكن أريد مغادرة المنزل. كنت أشاهد [تقارير] معاناة اللاجئين.. وبدأت أشعر وكأنني لا أعرف مَن أنا، فهذا ليس أنا".

وفي شهر نوفمبر عام 2016، استقال من منصبه. يقول: "توسل إليَّ بعض الأشخاص، لأرجع في قراري. أخبرتهم أنني لست على ما يرام". عاد إلى المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد في العراق، وهو يشعر بحالة أفضل الآن، كما يقول، رغم أن إعادة إحياء تلك الذكريات بروايته لقصته إلى دورية Nature عبر "سكايب" كانت "مؤلمة". وهو يعيش الآن على مدخراته، ومساعدات المتطوعين. "أرى هنا طلابًا، أو أطفالًا، وأساعدهم، وهذا يشعرني بالسعادة"، كما يقول، إلا أنه في بعض الأوقات يساوره شعور بالندم على القرار الذي اتخذه.. فهو ينام على الأرض، ولا يستطيع الحصول على مياه دافئة، ويشعر بالبرد في كثير من الأحيان، لكنه - رغم كل ذلك - يشعر براحة أكثر هناك عمّا كان الوضع عليه في بريطانيا. إنه يتوق إلى العودة إلى الموصل، إلا أن المدينة لا تزال في خضم المعركة، وقد أخبره أصدقاؤه أن الوضع هناك لا يزال خطيرًا جدًّا. يقولون لي: "قد تقضي بقية حياتك هناك".

المستقبل

لم يكن السالم هو الوحيد المستعد للمجازفة بحياته، من أجل العودة إلى وطنه؛ فقد عاد أكثر من 90% من الباحثين العراقيين الذين ساعدهم مجلس "كارا" كذلك.

ولم يكن هذا خيارًا مطروحًا بالنسبة إلى باحِثين من أمثال علي محمد، فهو يرغب في البقاء في ألمانيا، حيث وجد لنفسه "مجتمعًا وأصدقاء"، لكنه يدرك أن العثور على وظيفة دائمة في مجال العلوم هناك سيكون أمرًا صعبًا، وذلك لندرة هذه الوظائف، كما أنه يواجه منافسة شرسة مع أقرانه المعتادين أكثر على أساليب العمل في مجال العلوم في الغرب.

يقول إنو آوفدرهايدي، الأمين العام لمؤسسة "هومبولت": "إن بعض الباحثين يترك المجال البحثي كليةً. بعضهم يعمل بالتدريس، أو يشتغل ببيع المعدات العلمية في البلدان التي لديه معرفة ثقافية بها، أو يجيد لغتها".

يعرف السيد محمود أيضًا أنه سوف يعاني، ليحقق نجاحًا علميًّا في أوروبا، رغم حصوله على شهادة الدكتوراة من هناك. فكونه لاجئًا يقيِّد حركته في الاتحاد الأوروبي؛ ما يضعه في وضع غير موات، مقارنةً بغيره من المتقدمين إلى الوظائف. كما أن سيرته الذاتية تَظهَر بها فجوة مدتها ثلاث سنوات، وقد بلغ من العمر 43 سنة، وهو أكبر من معظم زملائه الباحثين في مرحلة ما بعد الدكتوراة، الذين قد يتقدمون لشغل مناصب مماثلة. يقول: "عليك أن تبدأ حياتك من الصفر".

إذا كانت سوريا آمنة، وكانت له فرص للعمل هناك؛ لكان قد عاد إلى وطنه، لكنه لا يعول على هذا كثيرًا. يقول: "لا أرى في الأفق بوادر أي حل سلمي، حتى في غضون السنوات الخمس المقبلة". ورغم احتفاظه بوظيفته حتى الآن، إلا أن هذا لا يخفف من حنقه على كل ما فَقَدَ. "تخيل أنك كان لديك منزل خاص بك، وحياة، وأصدقاء، وتاريخ.. وفي لحظة واحدة، تفقد كل ذلك".