موجزات مهنية

ثقافة: صَقْل مَلَكة الكتابة

من الممكن أن تثري الكتابة الإبداعية أبحاث العلماء.

سوزان موران

  • Published online:
تكتب عالمة الأحياء الحاسوبية جايا بيستولفي روايات تُخَاطِب الشباب.

تكتب عالمة الأحياء الحاسوبية جايا بيستولفي روايات تُخَاطِب الشباب.

Seth Amman

تتيح الكتابة الروائية لعالِم الأعصاب ديفيد إيجلمان طرح الأسئلة الكبيرة، التي لم يستطع العِلْم الإجابة عنها حتى الآن. كَتَب إيجلمان بالفعل العديد من الكتب غير الروائية عن الإدراك والمعرفة، كما كَتَب سيناريو لسلسلة تليفزيونية، قام أيضًا بتقديمها، تتناول الدماغ. هذه كلها وسائل لنشر العِلْم على نطاق أوسع من الجمهور، ولكن كتابات إيجلمان الروائية الأخيرة أتاحت له الاستكشاف والاشتباك مع أكبر الأفكار، على حد قوله.

يقول إيجلمان: "هذه هي الأسئلة التي تتخطى نطاق الأوراق البحثية والمِنَح بمسافات". تُرجمت مجموعة إيجلمان القصصية - التي تحمل عنوان "خلاصة: أربعون حكاية من ما بعد الحياة" Sum: Forty Tales From the Afterlives  (دار نشر بانثيون، 2009)، والتي تستكشف الهوية الإنسانية من وجهة نظر أولئك الذين فارقوا الحياة - إلى 29 لغة، كما تم تحويلها إلى عرضين أوبراليين. يقول إيجلمان، الذي يعمل بجامعة ستانفورد في كاليفورنيا، ويشغل منصب المدير التنفيذي لشركة "برينتشيك" Braincheck، وهي شركة تَستخدم التكنولوجيا في قياس وظائف الدماغ: "أشعر أن خيالي ينشط مباشرة عندما يتوقف علمي. أستطيع إثبات (س)، و(ص)، و(ع) في المختبر، ولكن ماذا يحدث بعد ذلك؟ فالخيال يطرح الأسئلة الافتراضية الكبرى (ماذا لو؟)، التي تُعَدّ الوسيلة الأقوى لشق طريقنا في كل شيء نقوم به".

وفي حين أن مقالات إيجلمان وكتبه غير الروائية تنقل أبحاثه العلمية لجمهور أوسع، فإن رواياته تأخذه إلى آفاق تتجاوز مجال علم الأعصاب. وهو يقول: "إنهما بحقّ عالَمان منفصلان إلى حد ما - كتابة المقالات الصحفية، والكتابة الروائية - وهذا أمر يناسبني تمامًا". ويكتب إيجلمان حاليًّا رواية بعنوان "دهر"، تحكي عن الكون الذي يمتد إلى أكثر من 200 مليار سنة.

لا شك أن العِلْم عملية إبداعية، ولا بد أن يتميز العلماء بالإبداع والابتكار، وهم بصدد تصميم التجارب، والبحث عن مصادر لتمويل مشروعاتهم البحثية، ومحاولة نشر النتائج. وهؤلاء الذين يجدون وقتًا كافيا لإدماج الكتابة الإبداعية في حياتهم العلمية (والعملية) يُنقل عنهم استحسانهم لمردودها. وسواء أكان أولئك يَنْظمون الشِّعْر، أو يَخُطّون القصص القصيرة، أو المدونات الإلكترونية، أو الروايات، فإنّ فِعْل الكتابة الإبداعية يمكن أن يساعد في إطلاق الشرارة التي تؤجج ملكة البحث الأصيل.

ولا يتوفر على المستوى العالمي سوى قدر ضئيل من المعلومات عن عدد الباحثين الذين يمارسون الكتابة الإبداعية بشكل غير رسمي، أو كعمل إضافي، ولكن الطريف - كما تسرد الأقاويل - أن كثيرًا من العلماء ينجذبون إلى العمل الإبداعي الذي يخُطُّونه بأقلامهم. ويأتي اهتمامهم في الوقت المناسب تمامًا، حيث تتزايد دعوة المنشورات والمنصات البرمجية الاستهلاكية - مثل المدوَّنات - للباحثين هذه الأيام؛ من أجل الكتابة عن أعمالهم أو تجاربهم الشخصية كعلماء.

يمكن للأفراد إطلاق مواهبهم في الكتابة الإبداعية عبر مجموعة متنوعة من السبل، مثل الكتابة على الموقع الإلكتروني لمؤسساتهم، أو الانضمام إلى مجموعة محلية من الكُتّاب، أو حضور دورة تدريبية في جامعة، أو ورشة عمل خارجية عن الكتابة الإبداعية (انظر: "الممارسة تقودك إلى الإتقان").

تحطيم الحواجز

استهلّ عالِم الفيزياء الفلكية والكاتب جريجوري بنفورد مسيرته في الكتابة الإبداعية عندما كان طالبًا في مرحلة الدراسات العليا بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو، في ستينات القرن العشرين. ومنذ ذلك الحين، نشر بنفورد 31 رواية خيال علمي، و223 قصة قصيرة. ويشغل بنفورد حاليًّا وظيفة عضو هيئة تدريس متفرغ بجامعة كاليفورنيا في إرفاين، ويَنسب الفضل في  كتابته الروائية إلى بعض النظريات التي ابتكرها، كجزء من بحثه العلمي. يقول بنفورد، الذي يعمل حاليًّا مستشارًا في مبادرة "بريكْثرو ستارْشُوت" Breakthrough Starshot، التي تحظى بتمويل خاص؛ بهدف تطوير مهمة تحليق قريب من النظام النجمي "ألفا سنتوري": "الخيال يساعد على الاكتشاف العلمي والتفكير. إنه يجعلني عالِمًا وباحِثًا أفضل".

على سبيل المثال.. قادت "ملحمة مركز المجرّة" Galactic Center Saga، التي أَلَّفها بنفورد - وهي سلسلة عن حرب بين الحياة الميكانيكية والبيولوجية في المجرّة - إلى دراسته لخرائط الراديو لمركز المجرّة الحقيقي، وهو مركز دوران مجرّة درب التبانة. ابتكر بنفورد فرضية حول الخيوط المشعة التي تمت ملاحظتها في مركز المجرّة، ونشر ورقته البحثية الأولى عن الموضوع في عام 1988. يقول عن ذلك: "حتى يومنا الحاضر، لا تزال الفرضية تبدو كنموذج قابل للتطبيق". لقد كانت طريقًا ذا اتجاهين. ارتكزت الرواية التي ألفها بنفورد حول السفر عبر الزمن - وذلك في عام 1980، وحَمَلَت عنوان "الهروب من الزمن" Timescape (دار نشر سايمون وشوستر، 1980) - على بحث لأطروحته للدكتوراة، وفيها يتخيل وقوع كارثة بيئية في عام 1998. أما قصته "الرجل ذو الندبات" The Scarred Man، التي كتبها في عام 1970، فقد تَوَقَّع فيها ظهور فيروسات الكمبيوتر.

فيما يلي بعض النصائح والإرشادات التي تساعدك على الانطلاق في عالَم الكتابة الإبداعية:

  • احتفِظْ بدفتر يوميات. يمكن أن تركز على حياتك البحثية، أو على أي شيء آخر. ومن بين الأدوات المعروفة للكتابة اليومية: كتاب جوليا كاميرون، الذي يحمل عنوان "طريق الفنان"The Artist’s way  (بوتنام، 1992). ومن بين الكتب الأخرى التي تهتم بهذه الحرفة: كتاب آن لاموت "طائر بطائر"  Bird By Bird  (أنكور بوكس، 1980)، وكتاب ناتالي جولدبيرج "كتابة حتى النخاع" Writing Down the Bones (شامبالا، 2010)، وكتاب ستيفن كينج "عن الكتابة"  On Writing (هودر، 2012)، وكتاب إليزابيث جيلبرت "السحر الكبير" Big Magic (بلومزبري، 2015).
  • التحِقْ بورشة عمل، أو دورة تدريبية. تقدِّم جامعات كثيرة دورات تدريبية وبرامج، يمكن أن تكون ليوم واحد، أو تستغرق فصلًا دراسيًّا، عن الكتابة في تخصصات معينة، مثل كتابة المذكرات، والشعر. كما تنظِّم منظَّمات خاصة وغير ربحية ورشات عمل في الكتابة، يشرف الكُتّاب على كثير منها. ومن بين تلك الجهات.. مُعتكَف كُتّاب أيسلندا في ريكيافيك، وهو بمثابة سلسلة سنوية من ورشات العمل، ولجان التقييم، تُعقد على مدار عدة أيام، ويقودها كُتّاب من شتى أنحاء العالم. هناك خيار آخر، هو ورشات فريفول Freefall للكتابة، التي تُعقد في أوروبا، وأستراليا، وكندا، والولايات المتحدة، حيث تقوم مجموعة من الكُتّاب المتمرسين بتنظيم ورشات عمل تستغرق عدة أيام، وأخرى عن طريق الإنترنت، للكُتّاب المبتدئين وأصحاب الخبرة، على حد سواء.
  • عليك بتأسيس جماعة للكُتّاب في مدينتك، أو الانضمام إلى جماعة قائمة بالفعل. تتيح مكتبات عامة ومتاجر لبيع الكتب الأماكنَ والتجهيزات اللازمة لمثل تلك الجماعات. ويمكن العثور على تلك الجماعات على موقع Meetup.com، وغيره من مواقع التواصل الأخرى على شبكة الإنترنت.

س. م.

وبالنسبة إلى كثير من العلماء الكُتّاب، فإن نظم القصائد الشعرية، أو كلمات الأغاني، أو كتابة الروايات، يساعدهم على الراحة والاسترخاء وممارسة طريقة مختلفة في التفكير، حتى لو لم يحاولوا - عن قصْد - توجيه مَلَكاتهم الأدبية نحو تفكيرهم وكتاباتهم الأكاديمية. تقول جايا بيستولفي، عالمة الأحياء الحاسوبية بكلية ديوفيل في بافالو بنيويورك: "عندما تصبح الأبحاث الجزيئية مثيرة للإحباط، يمكنني إعادة شحن بطارياتي بإطلاق العنان لخيالي الإبداعي". تؤلف بيستولفي روايات تندرج تحت النوع الأدبي الملائم للشباب والبالغين، كما تكتب مدونات لجمهورها من الشباب حول القضايا الاجتماعية، وحياتها كعالمة وكاتبة. تقول: "لقد ساعدتني الكتابة الروائية على إعادة التواصل مع مجتمعي، وعلى تجديد الغرض من بحثي العلمي كذلك".

قد نشرت بيستولفي أربع روايات، تحت اسم "جايا ب. أمّان"، تستكشف فيها قضايا اجتماعية، مثل اضطرابات الأكل، والجنس، وتعاطي المخدرات. وعلى مدار سنوات عديدة، أَلَّفَت أوراقًا بحثية، تمت مراجعتها من النظراء في علم الأحياء الجزيئية، ولكنها تقول إنها لم تكتسب الرؤية والشجاعة لتوسيع نطاق كتاباتها العلمية المحايدة، لتشمل كتابة مقالات الرأي، إلا عندما بدأت في تأليف الروايات. أرسلت بيستولفي مقالة صحفية إلى قسم مراسلات القراء بدورية  G. Bistulfi Nature 502, 170; 2013) Nature)، تدعو فيها العلماءَ إلى الحدّ من نفايات المختبرات، وإعادة استخدامها وتدويرها. تقول: "لم أكن لأفكر يومًا في أنْ أفعل ذلك قبل تجربتي ككاتبة روائية. لقد تحصَّنْتُ بتجربتي في الكتابة، واستجمعتُ شجاعتي للتعبير عن أفكاري في صيغة لا تتطلب انحرافات معيارية، ولا رسومًا بيانية".

وفي حين أن كتابة الرواية تستهوي بعض العلماء، يجد آخرون أن الكتابة غير الروائية - مثل كتابة المدونات، أو المقالات، أو الكتب، التي تتناول أبحاثهم أو مجالاتهم البحثية - هي النوع الأسهل لهم. كانت بيث شابيرو - عالمة الأحياء الجزيئية التطورية بجامعة كاليفورنيا في سانتا كروز - قد مارست العمل في المختبرات لمدة 13 عامًا، قبل أن تقرِّر تجربة قُدْرَتها على الكتابة العلمية الشعبية. خطّت شابيرو كتابها الأول بعنوان "كيف تَستنسِخ ماموثًا: عِلْم إعادة الحياة للكائنات المنقرضة"How to Clone a Mammoth: The Science of De-Extinction  (مطبعة جامعة برينستون، 2015)، لأنها أرادت أن توصِّل إلى جمهور القراء من غير العلميين الاختلافات ما بين الخيال العلمي فيما يتعلق بمسألة إعادة الحياة للكائنات المنقرضة، وما هو ممكن من الناحية التقنية، وما قد يصبح ممكنًا في المستقبل. أرادت شابيرو كذلك أن تبيِّن كيف يمكن استخدام الأدوات الجينية الناشئة؛ لتعزيز السمات النافعة في الحيوانات الموجودة بالفعل؛ لمساعدتها على البقاء في ظل التغيرات المناخية المستمرة. تقول شابيرو: "لقد استمتعتُ بحُرِّية تأليف كتاب شعبي. كان ذلك بمثابة استراحة من كتابة المقالات الدورية. وأعتقد أنه جعلني أفضل حالًا ككاتبة".

ساعدها تأليف الكتاب على كتابة مخطوطاتها البحثية بشكل أكثر وضوحًا، فكما تقول: "كان لزامًا عليّ أن أكون قادرة على توصيل الأفكار المعقدة بأسلوب بسيط، ولكنْ بدون اختصار مخلّ، أو حذف أجزاء مهمة. انعكس ذلك أيضًا على النشر الأكاديمي، ولم يَشْتَكِ أحد مطلقًا من أن هناك مخطوطة بحثية سهلة الفهم للغاية". وهناك فائدة أخرى لعملية البحث، التي أجرتها شابيرو من أجل  تأليف كتابها، فقد أسهمت في تعميق فهْمها للمجال إلى ما وراء بحوثها الخاصة، فكما تقول: "أجبرني ذلك على الغوص في أعماق الأدب، الذي لم تكن له صلة قوية بأبحاثي اليومية، ولكنه كان بالغ الأهمية لفَهْم المكونات المختلفة لمسألة إعادة الحياة للكائنات المنقرضة".

منظور شخصي

تُعَدّ المدونات الإلكترونية هي الوسيلة الأكثر شعبية أمام مَن يريدون تفاعلًا مباشرًا وأكثر سرعة مع القراء. وبالنسبة إلى هانيكي مايير، وهي عالمة حفريات بجامعة بيرجن في النرويج، فإنها واحدة من ضمن فريق من الباحثين، يسهمون بكتاباتهم في مدونة بعنوان "إعادة النظر في العوالم المفقودة"، وهي مدونة خاصة بعلم الحفريات، تتبع صحيفة "الجارديان" في لندن. تقول مايير: "أجد متعة في إخبار الناس بما تدور حوله موضوعاتي البحثية. وتروق لي الشعبية التي يحظى بها بحثي بهذه الطريقة، التي تُعَدّ أيضًا وسيلة لتسليط الضوء على مجال تخصصي البحثي. فالتدوين طريقة لطيفة توضِّح للناس أن علم الحفريات يتضمن ما هو أكثر بكثير من مجرد الحديث عن الديناصورات والماموث". وما بين عمليات البحث التي تجريها من أجل مقالاتها على المدونة، وكتابة هذه المقالات، تقول مايير إنها تعلمت التفكير بشكل أوسع، بوصفها عالمة، وكيف تخطو إلى الخلف؛ لكي تسأل نفسها – جزئيًّا، من أجل قرائها - لماذا يمثِّل بحثها ومجال تخصصها - بشكل عام - أهمية للجمهور.

تحب مايير أن تنسِج بعضًا من خبراتها ووجهات نظرها في مقالاتها المنشورة على المدونة، وهو الأمر الذي لا تتمكن مِن فِعْله في أوراقها البحثية. إنّ إضفاء الطابع الشخصي على تلك المقالات يمنحها "وسيلة جذب" للقراء إلى داخل القصة، حسبما تقول. تضيف مايير قائلة إنّ ذلك يساعد على جعل المقالات أكثر إثارة للاهتمام، وتسمح لغير العلماء بالاقتراب بشكل وثيق من البحث وعلم الحفريات نفسه.

عالمة الأحياء التطورية بيث شابيرو هي مؤلفة علمية لإصدارات غير روائية.

عالمة الأحياء التطورية بيث شابيرو هي مؤلفة علمية لإصدارات غير روائية.

Kris Krüg/PopTech

إذا كان كل هذا يبدو كما لو أنه يستغرق الكثير من الوقت، فهذا صحيح، فكما تقول بيستولفي: "إنني أعمل طيلة الوقت". ولا يُعَدّ الوقت المستغرَق هو الجانب السلبي الوحيد للعمل الإضافي.. فالعمل المنشور، ولا سيما إذا لم يكن متعلقًا بالبحث الذي يجريه المرء، يمكنه أن يثير الدهشة ما بين الزملاء والرؤساء. وكما هو الحال في جوانب عديدة من العمل البحثي ذاته، يمكن أن تكون الكتابة مسعى فريدًا، لكنّ الكثيرين يعتقدون أنها تتحول إلى نوع من الاضطرار. تقول بيستولفي: "عندما تفعل شيئًا تحبه، فإنك لا تشعر بكونه عملًا".

ينسج بعض الباحثين عملهم البحثي في كتاباتهم. فقد شاركت عالمة الأوبئة الإكلينيكية آن ماكتيرنان في تأليف كتاب "صحة الثدي"Breast Fitness  (مطبعة سانت مارتينز، 2000)، الذي يستكشف العلاقة بين التمارين الرياضية، وانخفاض مخاطر الإصابة بسرطان الثدي. بدأت ماكتيرنان فيما بعد مدونة "وثيقة جدتي"، وهي مدونة تتناول الرعاية الصحية، إلى جانب حياة المؤلفة كباحثة، وطبيبة، وجدة.

قررت ماكتيرنان تطوير منشوراتها في المدونة في شكل عمل أكبر وأكثر تماسكًا، ومن ثم أطلقت مذكراتها الناضجة والممتعة تحت عنوان "التضور جوعًا: رحلة طبيبة تغذية من الجوع إلى الشبع"Starved: A Nutrition Doctor’s Journey From Empty to Full  (مطبعة سنترال ريكفري، 2016)، التي تغوص في أعماق طفولة الكاتبة، وصراعها مع كل مِن فقدان الشهية، والسمنة، إلى جانب حياتها الراشدة كطبيبة ممارِسة، وباحثة في مركز فريد هاتشينسون لأبحاث السرطان في سياتل بواشنطن. تقول ماكتيرنان إن تأليف الكتاب قد ساعدها على التنقيب عن مشاعر ظلت مدفونة لزمن طويل، وإنّ تلك المشاعر تمكِّنها من فهْم الصراعات التي تدور داخل مرضاها، وتساعدها على تحسين جودة أبحاثها. تقول: "عندما تكون بصدد كتابة مذكرات، فذلك يجعلك على اتصال بالمشاعر. لقد ذكرتني بمدى الصعوبات التي يتعرض لها مَن يعانون من مشكلات في الوزن. والآن، أشعر حقًّا بالمرضى في التجارب الإكلينيكية، الذين يحاولون تقليل أوزانهم".

ويجد أوسمو بيكونين - عالِم الرياضيات بجامعة جيفاسكيلا في فنلندا - ارتباطًا بين الرياضيات، والشِّعر، فيقول: "فن الشعر هو عملية تركيز للمعنى في بيت شعري جميل وملفت للنظر، وهو ما تفعله الصيغة الرياضية أيضًا". فعلماء الرياضيات، كما الشعراء أو الفلاسفة، يسبرون أغوار الروح، في حين يتعامل علماء الفيزياء والكيمياء وغيرهم مع المادة، حسبما يضيف بيكونين، الذي يكتب قصائد شعرية، ومراجعات نقدية، ومقالات وكُتُبًا عن الشعر والشعراء.

وينظِّم بيكونين مؤتمرًا دوليًّا سنويًّا، يُدعى "جسور"، يهتم بالربط بين الرياضيات والشعر، ويعمل محرِّرًا لمراجَعات الكتب في مجلة "ماثيماتيكال انتيلليجنسر" Mathematical Intel­ligencer، التي تنشرها دار نشر "سبرنجر"، والتي تبحث في الجانب الإنساني من علم الرياضيات. يقول بيكونين: "الشعر الإبداعي يشبه النظرية الرياضية الجديدة في أنه يستطيع استيعاب عالم كامل في شكل مكثف. فالدقة الرياضية، والخيال الشعري في رأيي يشكل كل منهما أساسًا للآخر؛ فتبدو الرياضيات وكأنها تمثل البنيان، بينما يحمل الشعر الروح".

وعلى الرغم من أن الكتابة الإبداعية تطرح تحدياتها الخاصة، فإن الباحثين الذين يخوضون غمارها يقولون إنها تجعل حياتهم – ومِن ضِمْنها عملهم - أكثر جدوى وتنوعًا. يقول بنفورد: "إن كتابتي في مجال الخيال العلمي وأبحاثي تواصلان دعم بعضهما بعضًا. إنني أرى أن وجود الكتابة في أحد جوانب حياتي من الأمور الأساسية تمامًا لتحقيق التوازن في تلك الحياة".