أخبار

صدأ القمح يعود إلى أوروبا

نوع جديد من فطريات صدأ الساق دَمَّر محاصيل صقلية في العام الماضي.. وربما ينتشر بشكل أكبر.

شاوني باتاتشاريا
  • Published online:


لم تواجه محاصيل القمح في أوروبا – أكبر منطقة منتِجة للقمح في العالم - مشكلات جدية من فطر صدأ الساق منذ خمسينات القرن العشرين.

كبر الصورة

يقول باحثون إن العدوى التي أصابت محاصيل القمح في صقلية في العام الماضي هي لسلالة جديدة، وغير معتادة من الفطريات المدمرة، التي قد تنتشر أبواغها لتصيب حصاد هذا العام في أوروبا، المنطقة الأكثر إنتاجًا للقمح في العالم.

يقول كريس جيليجان، اختصاصي علم الأوبئة في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، وقائد الفريق الذي وضع نموذجًا للانتشار المحتمَل لأبواغ الفطر: "يجب أن نكون حذرين من إطلاق التحذيرات القوية، لكنْ ربما يكون هذا هو أكبر تَفَشٍّ للمرض تشهده أوروبا منذ سنوات طويلة للغاية".

في التحذيرات التي صدرت في الثاني من فبراير، كشف الباحثون عن وجود سلالة TTTTF؛ وهي إحدى سلالات مرض صدأ الساق. وسُمي المرض بذلك لأنه يترك بقعًا بُنِّيَّة على نبات القمح بعد تدميره للأوراق والسيقان. وكان الباحثون بالمركز العالمي المرجعي للصدأ GRRC، وهو جزء من جامعة آرهوس في الدنمارك، وبالمركز الدولي لتحسين الذرة والقمح CIMMYT، ومقره الرئيس في تيكسكوكو المكسيكية، هم مَن دقوا نواقيس الخطر.

واكتُشِفَت السلالة الجديدة من المرض، بعد أن دمرت عشرات الآلاف من الهكتارات من المحاصيل في صقلية في العام الماضي. ويقول الباحثون إن ما يثير القلق بوجه خاص، هو أن اختبارات المركز العالمي المرجعي للصدأ تشير إلى أن الممْرِضات يمكنها أن تصيب العشرات من سلالات القمح المزروعة في المختبرات، بما فيها الأنواع القوية، التي عادةً ما تكون شديدة المقاومة للمرض. ويدرس الفريق حاليًّا ما إذا كانت المحاصيل التجارية معرَّضة هي الأخرى للإصابة بالمرض، أم لا.

ومما أثار المزيد من المخاوف، تصريح المركزين بشأن رصد سلالتين جديدتين من مرض آخر من أمراض القمح، هو الصدأ الأصفر، في مناطق كبيرة لأول مرة، إحداها في أوروبا وشمال أفريقيا، وأخرى في شرق أفريقيا ووسط آسيا. ولا زالت الآثار المحتملة التي سيخلفها فطر الصدأ الأصفر غير واضحة، ولكن يبدو أن الممْرِضات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بسلالات شرسة تسبَّبت من قبل في حالات تفشٍّ وبائية في أمريكا الشمالية وأفغانستان. وقد أصدرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، في روما، تحذيرات مماثلة حول الأمراض الثلاثة في الثالث من فبراير.

يقول جيمس براون - اختصاصي علم الأمراض النباتية في مركز جون اينيس في نورتش بالمملكة المتحدة - إنّ التلف الشديد للقمح في أوروبا قد يؤثر على أسعار السلع الغذائية، ومعدل التضخم، والاستقرار الاقتصادي في المنطقة. ويأمل الباحثون في أن تتيح التحذيرات التي أطلقوها - قبل بدء نمو محاصيل القمح الأوروبية في هذا العام - وقتًا كافيًا للمزارعين لمراقبة الحقول، والاستعانة بمبيدات الفطريات؛ للحيلولة دون انتشار المرض. كما يمكن لمربي النباتات وأصحاب المشاتل أيضًا البدء في تكثيف الجهود؛ لإنتاج أنواع مقاوِمة للمرض.يقول فاضل دوسونتشيلي، اختصاصي علم أمراض النباتات لدى "الفاو": "إن اتخاذ إجراء في الوقت المناسب أمر بالغ الأهمية".

في منتصف القرن العشرين، حفَّز الدمار الذي خلفه صدأُ الساق الجهودَ لإنتاج سلالات من القمح مقاوِمة للفطريات، وأدَّت هذه الجهود البحثية – بقيادة الخبير الزراعي نورمان بورلوج - إلى قيام الثورة الخضراء الشهيرة في الزراعة، وزيادة إنتاج المحاصيل في جميع أنحاء العالم، ولكن صدأ الساق عاد مرة أخرى في أواخر تسعينات القرن الماضي، والعقد الأول من القرن الحالي، مع ظهور نوع، أُطلق عليه Ug99، الذي انتشر عبر أفريقيا وأجزاء من الشرق الأوسط. وحسب قول دوسونتشيلي، فإن هذا النوع تَسَبَّب في إتلاف المحاصيل وإثارة قلق دولي، حيث كان أكثر من 90% من محاصيل القمح عرضة للإصابة بهذاالنوع. ومع ذلك.. وحتى الآن، لم يُصِبْ هذا المرض مناطق إنتاج القمح الكبيرة، مثل أوروبا، والصين، وأمريكا الشمالية، حيث يطوِّر الباحثون محاصيل مقاوِمة له.

يترك صدأ الساق من سلالة TTTTF بقعًا بُنِّيَّة على القمح.

كبر الصورة

يقول موجنس هومولر - الذي يقود فريق الاختبارات بـ"المركز العالمي المرجعي للصدأ " - إن أوروبا لم تشهد حالات تفش وبائية لمرض صدأ الساق منذ خمسينات القرن العشرين، بيد أن التفشي الذي ضرب صقلية في عام 2016 يشير إلى أن المرض قد عاد الآن. وعلى غير العادة، فإنه حتى القمح الصلب قوي التحمُّل، الذي يُستخدم في صنع المعكرونة، معرَّض للإصابة بالمرض، وفقًا لقول هومولر، إلا أن الوقت مازال مبكرًا للغاية، للتيقن من كون العدوى الجديدة مدمرة، مثل سلالة Ug99، أم لا.

تشير النماذج المستندة إلى أنماط الرياح والطقس - التي أعدها فريق جيليجان في جامعة كامبريدج، بالتعاون مع المركز الدولي لتحسين الذرة والقمح، ومكتب الأرصاد الجوية بالمملكة المتحدة في إكزتر- إلى أن أبواغ صدأ الساق، التي انتشرت خلال تفشي المرض في صقلية، ربما تكون قد انتقلت إلى جميع أنحاء منطقة البحر الأبيض المتوسط. ولا يعني هذا أن العدوى ستنتشر، إذ ربما لن تتمكن الأبواغ من البقاء على قيد الحياة خلال فصل الشتاء، على سبيل المثال، ولكن الأمر مقلق بالقدر الكافي لجعْل الباحثين يدقون ناقوس الخطر.

يقول هومولر إن سلالات الصدأ الأصفر تمثل أيضًا مصدرًا للقلق. فبالنسبة إلى أوروبا، ربما تكون أكثر السلالات الداعية للقلق هي السلالة المعروفة مؤقتًا باسم (Pst(new، التي رُصِدَت في المغرب وإيطاليا وشمال أوروبا في عام 2016. ويرتبط هذا الفطر بسلالة فتّاكة، ضربت أمريكا الشمالية في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، وإنْ لم تتضح درجة شراسته.

اعتاد الباحثون على اكتشاف سلالة أو سلالتين جديدتين لصدأ القمح كل عام في أوروبا، وعادةً لا تكون شديدة الخطورة، وإنْ كان لابد من اتخاذ إجراءات وقائية ضدها بأي حال من الأحوال، غير أنه – حسب قول هومولر - منذ عام 2010،  شهدت المنطقة تدفقًا أكبر من مُمْرِضات القمح، دون أن يُعْلَم السبب وراء ذلك، ولكنه يرجح أنه يعود إلى فصول الخريف الأدفأ، واعتدال فصول الشتاء؛ نتيجة للتغير المناخي، جنبًا إلى جنب مع التغيرات في الممارسات الزراعية، مثل زراعة القمح في وقت مبكر من العام. ويقول براون إن زيادة حركة السفر عالميًّا – التي قد تتسبب في نشر الأبواغ عبر الملابس - ربما تمثل أحد العوامل أيضًا.

ومؤخرًا، طلب هومولر وآخرون تمويلًا من مجلس الأبحاث الأوروبي؛ لإنشاء نظام إنذار مبكر، من شأنه مساعدة شركاء المجال - بما فيهم مربُّو النباتات، والعلماء، وشركات الكيماويات الزراعية - على مشاركة وسائل التشخيص، وتبادُل المعلومات حول حالات التفشي المحتملة. ويَعتقد دوسونتشيلي أن شبكة عمل كهذه ربما كان بإمكانها أن تساعد على تخفيف حدة تفشي المرض في صقلية، الذي سيقلل بدوره من كمية الأبواغ التي قد تنتشر إلى أجزاء أخرى من القارة. ويقول: "لا شك أن وجود نظام إنذار مبكر أمر ضروري".