NATURE | تعليقات

اصطياد طاقة الأمواج في شِباك عائمة

يقترح زون لين وانج طريقة مختلفة جذريًّا لتوليد الطاقة المتجددة من المحيط، باستخدام شباك عائمة من المولِّدات النانوية.

زون لين وانج

Nature (2017) doi:10.1038/542159a | Published online | English article

تحتوي الأمواج على طاقة تكفي لتلبية احتياجات العالَم.

تحتوي الأمواج على طاقة تكفي لتلبية احتياجات العالَم.

Josh Humbert/NGC

توفِّر الطبيعة ثلاثة مصادر مجانية للطاقة، هي: أشعة الشمس، والهواء، والجاذبية. وفي حين يتزايد استغلال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لا تُستغل طاقة الجاذبية بالمقدار نفسه. تقوم محطات الطاقة الهيدروليكية بتوليد الطاقة من الأنهار المتدفقة، ويمكن تجميع طاقة المد والجزر على طول بعض المداخل والسواحل، لكنّ عددًا قليلًا من الأماكن هو الذي يكون مناسبًا لإنشاء السدود أو الحواجز، التي قد تضر بالبيئة أيضًا.

وفي المقابل، تغطي المحيطات 70% تقريبًا من سطح الأرض، وتتوافر طاقة الأمواج طوال النهار والليل، مهما كانت حالة الطقس. والحصول عليها لا يتطلب سوى مساحة صغيرة من الأراضي، وهي لا تثير مخاوف كبيرة فيما يتعلق بالسلامة، أو الأمن. ورغم ذلك.. يتم بالكاد استغلال أيّ من هذه "الطاقة الزرقاء"،تنتج المزارع الموجية اليوم ما لا يزيد على 1 إلى 10 ميجاوات في آن واحد، ما يكفي لإمداد مدينة بالطاقة، لا توجد حاليًّا مزارع أمواج.

والسبب وراء ذلك - في المقام الأول - هو التكنولوجيا، حيث تَعتمِد محطات توليد الطاقة الموجية في الوقت الحالي على المولدات الكهرومغناطيسية الكبيرة والثقيلة، التي تتكون من مراوح، ومغناطيسات، وملفات معدنية1 وبناء أبراج في قاع المحيط؛ لدعم المغناطيسات الكهربائية، أو تثبيتها في قاع البحر، يُعَدّ أمرًا مكلفًا وصعبًا من الناحية التقنية. ويمكن ربط العوامات السطحية بمضخات في قاع البحر؛ لتشغيل مُوَلِّد على الشاطئ، إلا أنه لا يمكن استخدامها في المياه العميقة، أو في المحيطات المفتوحة. والأهم من ذلك.. أن الأمواج تنطوي على تدفُّق بطيء، وتذبذبات في اتجاهات عشوائية، وهي ظروف تؤثر على وظيفة المولدات الكهرومغناطيسية بشكل سيئ.

إننا بحاجة الى طرق مختلفة جذريًّا؛ لجمع طاقة الأمواج، وأعتقد أنّ علينا أن نستلهم الأفكار من التقنيات الناشئة، التي تولِّد الطاقة من حركات البشر، والتي تُعَدّ بطيئة نسبيًّا، شأنها شأن الأمواج.

تعكف مجموعتي البحثية على تطوير أجهزة مماثلة، بداية من أجهزة الاستشعار الطبية التي تعمل بضربات القلب، وانتهاء بالحصائر التي تولِّد الكهرباء لأغراض الإنارة، والرعاية الصحية، والأمن2, 3 والتي تَعتمِد على الشحنات الكهربائية الساكنة التي تتولد عندما تحتك المواد ببعضها البعض، مثلما يحدث عند تمرير مشط بلاستيكي على قطعة صوف.قد وجدنا أن توليد الكهرباء من الاحتكاك يُعتبر أكثر كفاءة وأقل تكلفة من البدائل الأخرى، مثل المواد الكهرضغطية (البيزوكهربائية)، التي تولِّد تيارًا عند الضغط عليها.

أعتقدُ أن زيادة ومضاعفة الأجهزة المماثلة، التي تعتمد على الحركة، قد تُحْدِث نقلة في تجميع طاقة الأمواج في غضون عقد من الزمن. إنّ حلمي بتوليد الطاقة الزرقاء لا يزال في مهده، وأنا أقدم هذه الرؤية، مع علمي بأن هناك عقبات تقنية عديدة يتوجب تجاوزها، وتشمل: تحسين كفاءة ومتانة مواد المُوَلِّد وتصميماته؛ وربط المولِّدات بشبكات كبيرة تعمل في المحيطات المفتوحة، وتجميع الكهرباء ونقْلها إلى اليابسة.

شبكات الطاقة

عندما تُفْرَك المواد رديئة التوصيل للكهرباء – مثل الورق، والزجاج، والبلاستيك – معًا؛ فإنها تولِّد شحنات كهربائية ساكنة على سطحها. ويمكن استخلاص "كهرباء الاحتكاك" هذه باستخدام أقطاب كهربائية.تحريك شريحتين من مادة عازلة (تستطيع الاحتفاظ بشحنات متضادة على سطحها) معًا، أو كلٍّ على حدة؛ يتسبب في تدفق نبضة من التيار.

لقد استخدمنا هذا المبدأ منذ عام 2011 في تصنيع "المولدات النانوية للكهرباء الاحتكاكية"، التي يتراوح حجمها بين ملِّيمترات إلى بضعة أمتار، بغرض استخدامها في عدد من التطبيقات، بداية من الإضاءة إلى شحن الهواتف الجوالة، وهي مولِّدات فعالة، مثل المولدات الكهرومغناطيسية، وتحوِّل 50% من الطاقة الميكانيكية الناتجة عن الحركة إلى كهرباء2، فيما تحول الطرق الكهرضغطية (البيزوكهربائية) حوالي 10% فقط.

ولالتقاط طاقة الأمواج، لا بد من تركيب المولدات النانوية في عوّامات لا ينفذ إليها الماء. وقد صنعنا عوامات كروية في حجم البرتقالة4 كل عوامة بمثابة كرة مصنوعة من نوع واحد من لفات مادة عازلة داخل كرة من نوع آخر، من أجل توليد شحنات عند تحركها (انظر: "حلم الطاقة الزرقاء")، وتُعَبّأ هذه العوامات بالهواء جزئيًّا؛ للتأكد من طَفْوها.

كبر الصورة

CLAIRE WELSH/NATURE

إنّ المولدات النانوية سهلة التصنيع؛ فهي تستخدم مواد تقليدية رخيصة، مثل متعدد رباعي فلورو الإيثيلين، والمطاط، وثنائي ميثيل بولي سيلوكسان، والسيليكون، وبروبيلين الإثيلين المفلور، والكابتون (طبقة رقيقة من البوليميد)، ورقائق معدنية (الألومنيوم، والنحاس، أو الصلب). مثل هذه المواد ستتحمل البقاء في وحدة مغلقة في المحيط لمدة عشر سنوات، وبعد ذلك يتعين استعادتها، وإعادة تدويرها؛ تفاديًا لإضافة المزيد من التلوث البحري.

يتم توليد الطاقة وفقًا لمدى سرعة تحرك المولد النانوي مع الأمواج4. ولا يمثل الاتجاه أهمية في ذلك، فإذا تحرك مرتين أو ثلاثة في الثانية الواحدة، فإن كل وحدة ستنتج كَمًّا قليلًا من الطاقة، قرابة 1 إلى 10 ملِّي وات. ويمكن توصيل عدد كبير من الأجهزة، عن طريق الكابلات؛ لتوليد كَمٍّ أكبر. وحتى الآن، أثبتنا عمل الفكرة، عن طريق توصيل  400 مُوَلِّد نانوي على مساحة 4 أمتار مربعة، ونعمل حاليًّا على تطوير الفكرة إلى أبعد من ذلك.

وحتى على النطاق الصغير، فأنا أعتقد أن شبكات المولدات النانوية الاحتكاكية تستطيع أن تمدّ محطات التوليد المحلية أو شبكة الكهرباء بكميات مفيدة من الطاقة. ومن الناحية النظرية، فإنّ وضع 1000 جهاز، يبعد كل منها عن الآخر مسافة 10 سنتيمترات في حجم يماثل المتر المكعب لن يضيء سوى مصباح، أما إذا وُضعت أجهزة على مساحة كيلومتر مربع؛ فستولِّد طاقة تكفي احتياجات مدينة5 ويمكن تلبية استهلاك العالم من الطاقة في الوقت الحالي عبر تغطية منطقة من المحيط بحجم ولاية جورجيا الأمريكية بشبكة ثلاثية الأبعاد من أجهزة المولِّدات النانوية، يبعد كل منها عن الآخر 10 سنتيمترات، وتمتد إلى مسافة 10 أمتار تحت سطح الماء.

ستحتاج الكهرباء المُوَلَّدة إلى نقلها إلى اليابسة عن طريق كابلات، أو استخدامها محليًّا على منصة عائمة، حيث يمكن أن تُستخدم في فصل جزيئات الماء؛ لإنتاج وقود هيدروجيني، أو في تنقية المياه المالحة، أو في إزالة الملوثات، وقد تُشَغِّل الأضواء، أو أنظمة الملاحة. كما يمكن تثبيت ألواح شمسية وتوربينات رياح إلى جانب شبكة المُوَلِّد النانوي في محطة مُجَمِّعة للطاقة المتجددة (انظر: "حلم الطاقة الزرقاء").

تحديات تقنية

هناك عقبات تقف أمام تنفيذ هذه التقنية على نطاق واسع، لكنني أعتقد أن معظمها يمكن التغلب عليه.

مِن المرجح أن تكون متانة المولدات النانوية هي العقبة الرئيسة، إذ إن المواد العضوية المستخدَمة في صناعتها تتحلل في المياه المالحة وأشعة الشمس، كما تتعطل الأجهزة إذا دخل الماء إلى كُرَاتها، ولذلك.. يستدعي الأمر استخدام مواد جديدة مانعة لتسرب المياه، مثل المواد اللاصقة عالية الكفاءة، المستخدَمة في الكابلات البحرية، من أجل ملء الشقوق والوصلات، كما يلزم أن تكون الكابلات قوية بالقدر الكافي لتحمُّل العواصف.

ويتعيَّن كذلك دراسة مواقع وأحجام شِبَاك الطاقة الزرقاء جيدًا؛ للحدّ من اختلال الحياة العامة والحياة البحرية والنقل البحري، ووضعها في أعماق المحيطات، بعيدًا عن الممرات الملاحية والسواحل، حتى نَحُول دون إخلالها بحياة الناس، وأرزاقهم، وأنشطتهم الترفيهية، إلا أنه سيكون من الصعوبة بمكان أن تُنقل الطاقة إلى اليابسة من هذه المواقع النائية،قد يتطلب الأمر تثبيت الشِّباك على الجُزُر والجبال تحت الماء؛ لتجنُّب جَرْفها، أو تَشَتُّتها، كما يجب ألا تعترض السَّمَك، أو الأحياء البحرية الأخرى.

وفيما يتعلق بالجدوى العملية لشبكات المولِّدات النانوية الكبيرة، فإنّ علينا الانتظار لما سوف نراه مستقبلًا. فهل ستنافس محطات الطاقة الحالية، وتقنيات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، التي تم تطويرها على مدى عقود؟ إنني أزعم أننا سنحتاج إلى العديد من الطرق؛ لتوليد الطاقة في المستقبل، نظرًا إلى أنّ الطاقة الناتجة من مزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تتقلب على مدار النهار والليل، أو تتغير بتغيُّر الأحوال الجوية المختلفة، كما سينبغي على البلدان النامية أن تلبي احتياجاتها المتزايدة من الطاقة. إنّ التكلفة المعقولة للطاقة الزرقاء، وثباتها، واستمراريتها قد تجعلها جزءًا قيمًا في هذا المزيج من مصادر الطاقة.

تحقيق الحلم

إنّ تطوير المولدات النانوية سوف يشمل الأبحاث التي تجريها المختبرات الصناعية والأكاديمية في عدد كبير من التخصصات، وسيُلْزِم علماء المواد بتصميم مواد قوية، بما فيها المواد التي تولِّد الشحنات بكفاءة. أمّا مهندسو الميكانيكا، فسيتعيَّن عليهم وضْع تصميمات ونماذج الشبكات في المحيط، وتحسين أدائها، في حين يتعين على مهندسي الكهرباء اكتشاف أفضل السبل لإدارة ونقل الطاقة، فيما يقوم علماء البيئة والأحياء البحرية بتقييم الأثر البيئي للشبكاتوسوف يعجِّل إنشاء معهد متخصص في بحوث الطاقة الزرقاء من وتيرة تطوير هذه التكنولوجيا النظيفة والمستدامة.

وتحتاج المرحلة الأولى من التطوير التقني دعمًا حكوميًّا يتراوح بين 50 إلى 100 مليون دولار أمريكي. ويمكن أن يساعد مستثمرو القطاع الخاص وشركات الطاقة الكبرى في تمويل مراحل البرهنة والاختبار.يتعين تطوير شبكات تجريبية صغيرة، ربما كمصادر لتوزيع الطاقة على الجُزُر ومحطات التوليد الصغيرة، أو القرى. هذا.. وتتوافر فرص تجارية كثيرة، بدءًا من توريد المواد والتقنيات اللازمة لإدارة الطاقة إلى النتائج النهائية، كإزالة الملوِّثات، أو فصل جزيئات المياه. ومع تَوافُر الاستثمار والدعم التقني الكافي، آمل أن تصبح شبكات الطاقة الزرقاء6 يومًا ما أقل تكلفةً من الألواح الشمسية، أو توربينات الرياح.

References

  1. (Tollefson, J. Nature508, 302–304 (2014 
  2. (Wang, Z. L., Lin, L., Chen. J., Niu, S. M., Zi, Y. L. Triboelectric Nanogenerators (Springer, 2016 
  3. (Wang, Z. L., Chen, J. & Lin, L. Energy Environ. Sci.8, 2250–2282 (2015
  4. (Wang, X. F. et al. Adv. Energy Mater. 5, 1501467 (2015
  5. (Chen, J. et al. ACS Nano 9, 3324–3331 (2015
  6. (Zi, Y. L. et al. ACS Nano10, 4797–4805 (2016

يشغل زون لين وانج منصب مدير وكبير علماء "معهد بكين للطاقة النانوية والأنظمة النانوية" بالأكاديمية الصينية للعلوم في الصين، ويعمل أستاذًا بمعهد جورجيا للتقنية بأتلانتا بولاية جورجيا الأمريكية.

البريد الإلكتروني: zlwang@gatech.edu