NATURE | تحقيقات

الرحلة الأُولى إلى النجوم

يجري الآن تشكيل خطة طموحة، لزيارة أقرب كوكب خارج المجموعة الشمسية. وإليكم كيفية الوصول إلى "بروكسيما بي".

جابْرِيِل بوبكين

Nature (2017) doi:10.1038/542020a | Published online | English article

يبو تصور أحد الفنانين لكوكب بروكسيما بي جميلًا وخياليًاز وخلال جيل أو اثنين، يمكن أن تثمر بعثة إلى الكوكب عن تصوير أكثر دقة.

يبو تصور أحد الفنانين لكوكب بروكسيما بي جميلًا وخياليًاز وخلال جيل أو اثنين، يمكن أن تثمر بعثة إلى الكوكب عن تصوير أكثر دقة.

ESO/M. Kornmesser

حَمَلَ العام الماضي أخبارًا سعيدةً لكل من تتوق نفسه لرؤية عالَم فضائي عن قرب؛ حيث اكتشف الباحثون في شهر أغسطس الماضي كوكبًا، يُحتمل أن يكون صالحًا للحياة، ويقارب حجمه حجم كوكب الأرض، يدور حول أقرب النجوم من الشمس، هو نجم "بروكسيما سنتوري" Proxima Centauri، الذي يبعد عن الشمس بمقدار 1.3 فرسخ فلكي، أو 4.22 سنوات ضوئية، و0.22 من السنة الضوئية.

لا شك أن هذا الكوكب هو وجهة مغرية، لا يمكن مقاومتها، كما يقول البعض.. فإنّ إرسال مركبة فضائية إلى هذا الكوكب، الذي أُطلق عليه اسم "بروكسيما بي" Proxima b، مِن شأنه أن يمنح البشر النظرة الأولى على عالَم خارج المجموعة الشمسية. وفي هذا الصدد، يقول بروس بيتس، مدير قسم العلوم والتكنولوجيا في جمعية الكواكب في باسادينا في كاليفورنيا: "من الواضح أن الإنسانية ستقفز قفزة هائلة، إذا ما تمكَّنَّا من الوصول إلى المنظومة النجمية الأقرب إلينا". وقد تكشف لنا البيانات التي تصلنا من هناك عما إذا كان العالَم الفضائي تتوافر فيه ظروف مناسبة للعيش، أم لا، وما إذا كانت تسكنه أي كائنات حية، أم لا.

إنّ فكرة الوصول إلى كوكب "بروكسيما بي" ليست من قبيل الخيال العلمي. وفي الواقع، اتخذت مجموعة من رجال الأعمال والعلماء أولى خطواتهم لزيارة المنظومة النجمية "ألفا سنتوري" Alpha Centauri، التي يُعتقد أنها تؤوي كوكب بروكسيما، وذلك قبل أشهر قليلة من اكتشاف هذا الكوكب، الواقع خارج المجموعة الشمسية. وقد أعلنت المجموعة عن إطلاق مشروع "بريكثرو ستارشوت" Breakthrough Starshot، المدعوم بمبلغ 100 مليون دولار أمريكي من قِبَل المستثمر الروسي يوري ميلنر؛ لأجل تسريع وتيرة عمليات البحث والتطوير للمسبار الفضائي الذي يمكنه القيام بهذه الرحلة. وباكتشاف الكوكب (G. Anglada-Escudé et al. Nature 536, 437–440; 2016)؛ اكتسب المشروع هدفًا أكثر إثارة.

إنّ الوصول إلى هناك لن يكون سهلًا، فرغم مدلول اسم بروكسيما بي (الذي يعني "الأقرب")، إلا أنه يبعد عن الأرض قرابة 2000 ضعف أقصى مسافة وصلت إليها المُعِدّات البشرية حتى الآن. ولكي يصل المسبار إليه خلال حياة عالِم من العلماء، لا بد أن تبلغ سرعة المسبار ما يقرب من خُمْس سرعة الضوء، وأن يتجول بعد ذلك في مسار خطر، وسط الغبار غير المرئي في مجموعتنا الشمسية والفضاء بين النجمي. بعد ذلك.. سيتعين عليه جمْع البيانات المفيدة خلال كل مرة يحلِّق فيها قرب نظام بروكسيما عند سرعة 60,000 كيلومتر في الثانية، وإرسال المعلومات عبر مسافة 4 سنوات ضوئية إلى الأرض. يمثل ذلك صعوبات هندسية بالغة، إلا أن باحثي المشروع يقولون إنّ ذلك ممكنٌ، وإنهم يسيرون حاليًّا نحو تحقيق هذا الهدف.

كما تتطلع مجموعات أخرى إلى الوصول إلى نجوم مجاوِرة، إلا أنها تفتقر إلى الإمكانيات - أو الأموال - المتوافرة لمشروع "بريكثرو ستارشوت". وحتى علماء الفيزياء الفلكية غير المشاركين في مشروع "ستارشوت" يوافقون الرأي القائل إنّ أمام هذا المشروعِ الفرصةَ الأكثر واقعية، للقيام برحلة بين نجمية خلال العقود القليلة القادمة. ويعود الفضل في ذلك – جزئيًّا - إلى العلماء الذين نشروا العديد من الأوراق البحثية التصورية حول الرحلات بين النجمية. يقول كالب شارف، عالِم الفيزياء الفلكية بجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك، وهو ليس ضمن فريق المشروع: "يجمع مشروع ’ستارشوت‘ الأجزاء الأفضل من كل ذلك، ويكوِّن بهم شيئًا جديدًا".

يخطِّط قادة البعثة للبدء في تمويل مشروعات التطوير التكنولوجي في غضون عدة أشهر، بهدف إطلاق مجموعة من المسابير الصغيرة المدفوعة بالليزر خلال العشرين عامًا التالية، وهم يأملون أن تبلغ التكلفة الإجمالية لذلك قرابة 10 مليارات دولار، وسوف يقضون 20 عامًا أخرى، ليصلوا إلى "ألفا سنتوري".

 الإطلاق

تتمثل الخطوة الأولى الأكثر صعوبة في أي بعثة - مثل "بريكثرو ستارشوت" - في تسريع المركبة الفضائية، لتصل إلى السرعات بين النجمية. يقول فيليب لوبين - عالِم الفيزياء الفلكية في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، وعضو اللجنة الاستشارية والإدارية للمشروع - إنّ الصواريخ التقليدية لا تصلح إطلاقًا لتلك المهمة، إذ لا يمكنها تخزين قدر كاف من الطاقة الكيميائية على هيئة وقود. ويضيف: "ستوصلك الكيمياء إلى المريخ.. لكنها لن توصلك إلى النجوم".

لذا.. يركِّز مشروع "ستارشوت" على الاستفادة من الضوء. فمنذ مطلع القرن العشرين، استوعب العلماء أن للضوء قوة، وأنه يستطيع دفع الأجسام. وقد أثبت ذلك باحثون من وكالة استكشاف الفضاء اليابانية "جاكسا" JAXA، وجمعية الكواكب في الفضاء، عبر إطلاق مركبات شراعية كبيرة تُدفع بأشعة الشمس، إلا أن أشعة الشمس ليست قوية بما يكفي لتسريع سفينة نحو "ألفا سنتوري"، وهو ما سيتطلب مركبات شراعية ضخمة وغير عملية، كما يقول بيتس، الذي قاد فريقًا، أَطْلَق في عام 2015 مركبة شراعية شمسية، بلغ حجمها 32 مترًا مربعًا.

كان المشروع قد قام بتقييم ما يزيد على 20 فكرة للدفع إلى ما وراء المجموعة الشمسية، بيد أن جميعها بدا صعبًا من "الناحية العملية"، على حد قول بيت ووردن، المدير التنفيذي للمشروع. وقد استقروا على مقترَح لوبين، الذي يتضمن استخدام أشعة الليزر. ففي عام 2015، صَمَّم لوبين خريطة طريق تصوُّرية؛ لإيصال مركبة فضائية إلى "ألفا سنتوري" في غضون 20 عامًا (P. Lubin J. (Br. Interplanet. Soc. 69, 40–72; 2016. كما اقترح الاستعانة بمجموعة من أجهزة الليزر على الأرض؛ لتوليد حزمة ضوئية قوية؛ بما يكفي لدفع مركبة شراعية ضوئية صغيرة.

يخطِّط فريق "ستارشوت" لاستخدام الصواريخ التقليدية؛ لإرسال مسابيرهم إلى المدار. وبعد ذلك.. يُفترض أن تسلِّط مجموعة من أجهزة الليزر، التي تبلغ قوتها 100 جيجا وات، أشعة مستمرة من الأرض تجاه المركبة الشراعية لمدة عدة دقائق، تكفي لتسريعها حتى 60,000 كيلومتر في الثانية (انظر: "هل وصلنا؟").

كبر الصورة

وقد أقر قادة المشروع بأنهم يعتمدون على الابتكارات الجديدة في مجال الليزر، حيث إن قوة المائة جيجا وات تلك تُعَدّ أقوى مليون مرة من حِزَم أجهزة الليزر المستمرة الضخمة، والموجودة اليوم، وتبلغ قوتها مئات من الكيلو وات. ويمكن تخطِّي هذه الفجوة عن طريق تجميع الضوء من مئات الملايين من حِزَم الليزر الأقل قوة، عبر مصفوفة يبلغ عرضها - على الأقل - كيلومترًا واحدًا، لكنّ الأمر سيتطلب تجميع كل تلك الحِزَم معًا في طور واحد، حتى تنضم موجاتها الضوئية إلى بعضها، بدلًا من إلغاء تأثير بعضها البعض؛ ما سيجعل من أجهزة الليزر إحدى التقنيات التي تتضمنها البعثة، والتي تتطلب أكبر قدر من التطوير.

 المركبة

لا وجه للمقارنة بين مركبة "ستارشوت"، وأي شيء آخر سبق إطلاقه في الفضاء. ولك أن تتخيل أن تلك المجموعة الصغيرة من الإلكترونيات، وأجهزة الاستشعار، والصواريخ، والكاميرات - إضافة إلى بطارية واحدة - الموضوعة على رقاقة، يبلغ عرضها سنتيمترًا واحدًا تقريبًا في منتصف مركبة شراعية دائرية، أو مربعة، يبلغ عرضها أربعة أمتار تقريبًا، تزن إجمالًا جرامًا واحدًا فقط. فكلما خف وزن المركبة؛ تَسَبَّبَت القوة نفسها في تسريعها بشكل أكبر.

ولزيادة السرعة إلى أقصى ما يمكن، وتقليل خسائر أشعة الليزر إلى أدنى حد، ينبغي على المركبة الشراعية أن تعكس تقريبًا كل كمية الضوء الوارد، مع إمكانية مرور بعضه. وفعليًّا.. تتوافر المواد المناسبة على هيئة طبقات رقيقة من العوازل الكهربائية التي يمكنها أن تعكس حتى 99.999% من كمية الضوء الوارد، وهو ما يقارب الحد المطلوب، إلا أن الباحثين يحتاجون إلى زيادة إنتاج المواد الدخيلة، وتقليل تكلفتها، كما أنهم بحاجة إلى دراسة كيفية استجابة المواد لمستويات الضوء المكثف المطلوبة، التي قد تُحْدِث تأثيرات بصرية غير متوقَّعة.

في مرحلة التسريع، يجب أن تظل المركبة الشراعية مستويةً تمامًا، وأن تكون حساسة جدًّا لأي عيوب في شعاع الليزر، وتقوم بالتعويض عنها، حتى تظل المركبة في مسارها؛ لأنه في حالة حدوث أي انحراف ولو ضئيل في مرحلة مبكرة، قد يُدْخِل المركبة في مسار مختلف تمامًا. وتكمن إحدى طرق تحقيق ذلك في تهيئة المركبة الشراعية على وضع الدوران؛ ما يخلق قوة طاردة مركزية؛ من شأنها أن تشدها بقوة، وأن تجعل الأشعة غير المنتظمة تستوي على مساحة المركبة الشراعية. وقد أَطلقت وكالة "جاكسا" مركبة شراعية شمسية تدور حول نفسها، ويصف ووردن هذه الفكرة بأنها "تبدو واعدةً للغاية" بالنسبة إلى المشروع.

وأيًّا ما كان تصميم المركبة، لا بد أن تكون قوية، إذ سيضربها شعاع ليزر بقوة 100 جيجا وات؛ مُوَلِّدًا سرعةً تفوق عشرات آلاف المرات سرعة سقوط أحد الأجسام على الأرض بفعل الجاذبية. ويشير ووردن إلى أن هذه القوى تماثل تلك التي تتعرض لها القذائف المدفعية في المناورات العسكرية، لكن لمدة زمنية أقل من الثانية، وليس لمدة الدقائق التي سيستغرقها الليزر في ضرب الجهاز.

ومن شأن خطة "ستارشوت" أن تبني عوامل قوتها بلغة الأرقام، إذ ستكون المركبة صغيرة الحجم، وقليلة التكلفة نسبيًّا؛ حتى يتمكن المشروع من إطلاق مركبة أو أكثر كل يوم، ويتحمل تكلفة خسارة بعض منها.

كما أن تطوير المسابير سيتم على مراحل، كما يقول ووردن. تتمثل المرحلة الأولى في بناء نموذج أَوَّلِيّ للنظام، ربما ستزيد سرعته إلى ألف كيلومتر في الثانية - أي أقل بنسبة 2% عن السرعة المخطَّط لها لمركبة "ستارشوت" - بتكلفة إجمالية تتراوح من 500 مليون دولار إلى مليار دولار.

 الرحلة

ستتوقف أجهزة الليزر بعد عدة دقائق، فور وصول سرعة المسبار إلى خُمْس سرعة الضوء، وقَطْعه مسافة بضعة ملايين من الكيلومترات، أي حوالي خمسة أضعاف المسافة بين الأرض والقمر. ففي الغالب، سوف تكون السنوات العشرون القادمة مملَّة.

يكمن الخطر الأكبر في هذه المرحلة في احتمال حدوث أضرار خطيرة، إثر الارتطام بالغبار، وذرات الهيدروجين، وغيرها من الجسيمات في الوسط بين النجمي. هذا.. إضافة إلى خطر الأشعة الكونية، وهي نوى ذَرِّيَّة تحلِّق في الفضاء بسرعة تقترب من سرعة الضوء، ويمكنها إحلال إلكترونيات مهمة. كما لا يعرف أحد - على وجه الدقة - عدد الجسيمات التي تملأ الفضاء بين النجمي، أو حجمها، إلا أن مشروع "ستارشوت" ينوي حماية مركبته من تلك الاصطدامات المحتملة، عبر طلاء حافتها الأمامية بطبقة، يبلغ سُمْكها مليمترًا واحدًا على الأقل، من مادة كنحاس البريليوم مثلًا.

يوري ميلنر، مؤسِّس مشروع "بريكثرو ستارشوت"، ممسِكًا برقاقة شبيهة بتلك التي قد تسافر إلى "بوركسيما بي".

يوري ميلنر، مؤسِّس مشروع "بريكثرو ستارشوت"، ممسِكًا برقاقة شبيهة بتلك التي قد تسافر إلى "بوركسيما بي".

Lucas Jackson/Reuters

وحتى لو لم تتسبب الضربة في تدمير المركبة، قد تدفع المسبار خارج مساره. ولذا.. فإنه ينبغي تزويد المسبار بأنظمة ملاحة وتوجيه خاصة به، تُدار من قِبَل مولِّد خفيف الوزن، يستخدم نظائر مشعة، مثل بلوتونيوم-238، الذي يُعَدّ في الأساس بطارية نووية. وسينبغي على تلك الأنظمة أن تتضمن نظام ذكاء اصطناعي بدائي، يرصد مواضع النجوم، ويعدِّل المسار من خلال إطلاق دافعات فوتونية. ويقول سكارف: "قلت للناس: ستحتاجون أن تضعوا نيل أرمسترونج، أو تشاك ييجر على رقاقة؛ لتتخذوا كل تلك القرارات الحاسمة في حينها".

لن يتمكن مصممو البعثة من تفادي جميع المخاطر، لا سيما تلك الناجمة عن الأجسام غير المعروفة حتى الآن، والموجودة في الوسط بين النجمي. لذا.. فهم يفكرون في إطلاق مسابير استكشافية، فور إنشاء نموذج أَوَّلِيّ لنظام الدفع. ويمكن لهذه المركبات الأولية أن تقوم بأخْذ عينة من الوسط بين النجمي، وإرسال التقارير، حتى تكتمل معلومات الفلكيين المنقوصة حول هذه البيئة.

 تحليق منخفض

إذا سارت الأمور حسبما هو مخطَّط لها، فسوف ينتبه الحاسوب الموجود على متن مركبة "ستارشوت" بحلول عام 2060، أو قرابة ذلك، ويرسل رسائل إلى الأرض عن الفحص الدوري للوضع، مشيرًا إلى اقتراب المركبة من "بروكسيما سنتوري"، بينما يستعد للتحليق بالقرب منه.

يتفق الخبراء على أن الأولوية القصوى في تلك المرحلة ستكون لالتقاط الصور. ويقدِّر لوبين أن المركبة ستتمكن من الاقتراب من "بروكسيما بي" على مسافة وحدة فلكية واحدة، أي المسافة نفسها بين الأرض والشمس. وحتى عند هذه المسافة، يمكن للصور الملتقَطة أن تكشف ما إذا كان الكوكب مائيًّا ونباتيًّا، مثل كوكبنا، أم قاحِلًا كالمريخ. كما يمكنها أيضًا التقاط صور للمَعالم كبيرة الحجم، مثل الجبال، والحفر.

كما يمكن للمطياف المحمول على متن المركبة استكشاف تركيبة الغلاف الجوي للكوكب، إنْ كان له غلاف جوي. وسيبحث الباحثون عن جزيئات مثل الأكسجين، والميثان، والهيدروكربونات الأكثر تعقيدًا، وهي علامات محتملة لوجود حياة على الكوكب. كما يمكن للمعدات أن تحاول قياس المجال المغناطيسي للكوكب، أو متغيرات أخرى، قد تكشف إنْ كانت "بروكسيما بي" له بيئة تساعد على وجود حياة - أو بيئة - أقسى بكثير.

وعند وصول المركبة إلى "بروكسيما سنتوري"، سيكون من المستحيل إبطاء سرعتها، ولذا.. ستعبر وسط النظام النجمي في حوالي ساعتين. ومن شأن ذلك أن يضع تحديات أمام تصميم معدات القياس الموجودة على متنها، مع العلم بأنه لم يسبق التقاط صور بأي كاميرا تتحرك بمثل تلك السرعة، البالغة خُمْس سرعة الضوء. لذا.. سينبغي على كاميرات المركبة أن تدور بحُرِّيَّة؛ كي يظل الكوكب في نطاق الرؤية، فيما سيكون على أجهزة الحاسوب الكائنة على الأرض تصحيح أيّ تشوهات في الصور نَتَجَت عن تأثيرات النسبية وتَغَيُّر زاوية الكاميرا، وكذلك بُعْدها عن الكوكب.

وبعد ذلك.. سيبرز واحد من أصعب التحديات التي ستواجه مشروع "ستارشوت"، وهو معضلة يُقِرّ قادة المشروع عدم تَمَكُّنهم من حلِّها حتى الآن؛ ألا وهي كيفية نقل البيانات من "بروكسيما" إلى الأرض لعلماء الفلك المتشوقين، وذلك باستخدام شعاع ليزر، تبلغ قوته وات واحدًا تقريبًا، مع البقاء على قوة الإشارة عند مقدار يكفي للتمكُّن مِن رصْدها من الأرض، بعد الرحلة التي استغرقت 4.22 سنة. ويتصور لوبين أن يضع مجموعة من أجهزة الرصد على الأرض، على مساحة يبلغ عرضها كيلومترًا واحدًا، في الغالب على المساحة نفسها المخصصة لأجهزة الليزر الخاصة بالتسريع؛ وذلك لالتقاط البثّ الضعيف للمركبة.

كما ستمد البطارية النووية الموجودة على متن المركبة المكثِّفات بالطاقة؛ ما يزيد توهُّج الشعاع إلى أقصى درجة ممكنة، فيما يشبه "فلاش" الكاميرا. وقد يكون ممكنًا استخدام المركبة الشراعية كهوائي؛ لتعزيز الإشارة، إلا أن شعاع الضوء سيظل يظهر كشعاع رقيق وضعيف، وسط ظلام الفضاء الدامس.

ويمكن استخدام طريقة بديلة، قد تتمثل في إطلاق مجموعة متتابعة من المركبات، تعمل كمرحّلات، بحيث ستقطع الإشارات الصادرة من كل رقاقة مسافة قد تبلغ عُشْر فرسخ فلكي فقط (أي 0.2 سنة ضوئية)، بدلًا من قطع المسافة كلها، إلا أن هذه الطريقة ستسبب مزيدًا من التعقيدات، حسبما يشير لوبين وغيره.

 قدرة جديدة

يعبِّر الخبراء غير المشاركين في المشروع عن شعور طفيف بالتفاؤل المحفوف بالشك. يقول جريجوري كوارلز، كبير العلماء في جمعية البصريات بواشنطن العاصمة: "أعتقد أن هناك تحديات ضخمة" تقف أمام محاولة تضخيم قوة الليزر والتقنيات الأخرى المطلوبة"، ويضيف قائلًا إنه في حالة توفير التمويل المناسب مِن المصادر الخاصة والعامة؛ للبحث في مجالَي البصريات، وعلم المواد، "ستكون هناك عوائد لذلك الاستثمار".

ويقول البعض إن النهج البسيط الذي يستخدمه المشروع ينأى بالبعثة عن المقترحات السابقة الأقل عقلانية. يقول شارف: "لا أرى في الأمر أي شيء مستحيل تمامًا.. فهم لا يتحدثون عن سفينة كبيرة تتجه نحو نجم آخر".

هذا.. فيما أبدى آخرون قلقهم من أن تتسبب العقبات التكنولوجية العديدة في إحباط الأمر برمّته. يقول بيتس: "إنني متخوف بشأن المستقبل القريب للأمر.. فكل قطعة تبدو لك أنها يمكن تركيبها (على المركبة)، لا تلبث أنْ تدرِك أنّ عليك أن تحشرها في جسم صغير وخفيف الوزن".

وحتى إذا تمكنت المركبة من الوصول إلى "بروكسيما بي"، يعتقد أندرياس تزيولاس - رئيس منظمة "إيكاروس إنترستيلر" Icarus Interstellar لاستكشاف الفضاء - أنها من غير المرجح أن تمدّنا ببيانات مفيدة. ويضيف: "إن فرصة نجاحها في إرسال صورة من "ألفا سنتوري" صغيرة جدًّا، أو تكاد تكون معدومة؛ إذ لا يمكن تزويد مركبة فضائية صغيرة بهذا الشكل بالطاقة الكافية لنقل إشارة ما". ورغم أن منظمته تدرس كذلك عملية الدفع بالليزر، إلا أن تركيزه ينصبّ على بعثة تعمل بالقوة الصادرة من عمليات الانصهار النووي، ويمكنها إرسال مركبة فضائية أكبر بكثير إلى "ألفا سنتوري" في غضون قرن من الزمن، ما يرى أنه سيكون قويًّا بما يكفي لإرسال بيانات مفيدة، وربما أيضًا نقْل مركبات آلية.

وقد صار باستطاعة علماء الفلك تَعَلُّم الكثير عن "بروكسيما بي"، قبل إطلاق أيّ مركبة من على سطح الأرض، دون الحاجة إلى إرسال أي شيء إلى ما بعد الكوكب الأقرب المجاور. ومِن المقرر إطلاق تليسكوب "جيمس ويب" الفضائي في أواخر عام 2018، ومن المرجح أن يبدأ تشغيل عدة تليسكوبات عملاقة مثبتة على الأرض خلال العقد القادم. وباستخدام تلك التليسكوبات، قد يتمكن علماء الفلك من تحديد ما إذا كان الغلاف الجوي للكوكب الواقع خارج المجموعة الشمسية يحتوى على علامات لوجود حياة عليه، أم لا.

وكما هو متوقَّع أن يقوله أي مستكشف آخر، لا يوجد بديل لفكرة الذهاب إلى مكان جديد. فعلى سبيل المثال.. كَشَفَ التحليق بالقرب من كوكب بلوتو في عام 2015 عن جبال ثلجية، وأنهار جليدية نيتروجينية، لم يتمكَّن أقوى التليسكوبات الأرضية من رؤيتها قط. وبشكلٍ مشابِه.. قد يَحمِل "بروكسيما بي" - وأيّ كوكب آخر قريب خارج المجموعة الشمسية – مفاجآت، لا تُرى إلا عن قرب، بينما يرى المؤيدون للبعثة أنها ستؤتي ثمارها بشكل أوسع. يقول كيلفن لونج، مدير مبادرة الدراسات بين النجمية في لندن، وعضو اللجنة الاستشارية للمشروع: "أرى في "ستارشوت" محاولة لتطوير القدرات. إنّ الأمر يشبه الذهاب إلى القمر". ويمكن لمجموعة من أجهزة الليزر التي يمكنها دفْع مركبة فضائية إلى "بروكسيما سنتوري" أن ترسل مسابير إلى أي مكان في المجموعة الشمسية، في غضون أيام قليلة، أو إلى الوسط بين النجمي في غضون أسبوع، أو اثنين، كما يقول.

إنّ هذا النوع من القدرات قد يجعل من استكشاف المجموعة الشمسية عملًا روتينيًا. يقول لوبين: "ما رأيك لو أنك استطعتَ توصيل شحنة من موقع أمازون إلى المريخ في اليوم التالي؟ إنّ ذلك يمثّل تحوُّلًا كبيرًا في قدراتنا الاستكشافية الممكنة".