NATURE | أنباء وآراء

الطب الحيوي: نظرة على استِشفاء الشبكية

Nature (2017) doi:10.1038/nature20487 | Published online | English article

يؤدي زرع خلايا الشبكية إلى استعادة الإبصار في نماذج لانحلال الشبكية في فأر. ويبدو أن عملية الزرع تلك تؤدي إلى تبادل المواد بين خلايا المانِح وخلايا المتلقِّي، وليس إدماج خلايا المانح في شبكية المتلقي، كما كان يُفترَض في السابق.

يُعدُّ انحلال الخلايا العصبية المستقبِلَة والحسّاسة للضوء في الشبكية - الموجودة في المنطقة الخلفية من العين - سببًا لفقْد البصر لدى ملايين الناس حول العالم. إحدى الطرق العلاجية الممكنة لعلاج الانحلال المتقدِّم لمستقبلات الضوء تلك هي زرع أسلاف سليمة لمستقبلات الضوء في العين المصابة، على أمل أن تندمج في الشبكية، وتستعيد الإبصار. وقد كانت هذه الاستراتيجية واعدةً في نماذج فئران2،1، ما رَجَّحَ إمكانية إجراء تجارب إكلينيكية لها في المستقبل القريب، غير أن ثلاث دراسات3,4,5 نُشِرَت في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" Nature Communications أشارت إلى أن الخلايا المنقولة تلك نادرًا ما تندمج في الشبكية، كما كان يُعتقَد؛ بل تَنقِل هذه الخلايا بعضًا من محتوياتها إلى مستقبِلات الضوء الخاصة بالمتلقِّي. ويُعَدّ هذا الاكتشاف نكسة للجهود الرامية إلى استبدال مستقبِلات الضوء المفقودة، لكنه قد يُرشِد إلى طُرقٍ جديدة لاستعادة إحياء مستقبِلات الضوء القديمة، أو المريضة، وإبطاء انحلال الشبكية.

في عام 2006، قامت مجموعة من الباحثين بزرع أسلاف مستقبلات الضوء، بعد وَسْمِها على نحو غير قابل للإزالة ببروتين فلوري أخضر (يُسمى اختصارًا GFP)، في المنطقة تحت الشبكية في الفئران البالغة1. وبعد عدة أسابيع، عَثر الفريق على مستقبِلات ضوءٍ ناضجة في الشبكية، محتوية على البروتين الفلوري الأخضر، واستنتجوا من ذلك أن مستقبلات الضوء غير الناضجة قد هاجرت إلى الموقع، وتمايزت هناك.

وفي دراسة تالية2، أظهر الفريق البحثي نفسه أن زرع أسلاف مستقبلات الضوء يمكن أن يؤدي إلى استعادة الإبصار جزئيًّا في نماذجَ لانحلال الشبكية في فأر، إذ استنتج الباحثون أن خلايا أسلاف مستقبِلات الضوء المزروعة اندمجت وظيفيًّا مع الدوائر العصبية. وقد كانت دراساتُ الزرع تلك التي استُخدِمت فيها خلايا النخاع العظمي التي تعبِّر عن البروتين GFP قد كشفت في السابق6 عن أن خلايا المانح يمكنها أن تندمج مع الخلايا العصبية، ما يؤدي إلى ظهور خلايا ذات نواتين، إلا أن الفريق استبعد هذا الاحتمال في الشبكية، مشيرين إلى أن الخلايا المعبرة للبروتين GFP في المتلقي كانت تحتوي على نواةٍ واحدة فقط.

وبخلاف الخلايا الجذعية التي يمكنها أن تعيد إحياء العضلات والدم في البالغين، لا توجد في شبكية الإنسان خلايا جذعية تستطيع تجديد مستقبِلات الضوء7، غير أن التقدم في برمَجة الخلايا الجذعية مَكَّنَ من إنتاج تَجَمُّعٍ قابلٍ للتجدُّد من أسلاف مستقبلات الضوء8، 9، 10 وقد هيّأتْ هذه الخطوات المتقدمة - إضافةً إلى بحوث زرع الشبكية2،1 - الأساس لظهور علاجٍ شخصي لانحلال الشبكية باستخدام الخلايا الجذعية. ونظريًّا، يمكن إعادة برمجة خلايا دم أو جلد المريض، لتصبح خلايا جذعية تتحول إلى أسلاف مستقبلات الضوء، التي يمكن زَرعها في العين. وهناك، ستندمج مع الشبكية، وتستعيد الإبصار بشكل جزئي.

ولسوء الحظ، لم تُستبعَد تمامًا إمكانيةُ أن تنقل الأسلاف معلوماتٍ جزيئية أو وراثية إلى مستقبلات الضوء في المتلقي، بدلًا من أن تندمج معها، إلا أن انتقال المواد هذا قد لا ينفع في الحالات المتقدمة من انحلال الخلايا العصبية، التي لا يبقى فيها سوى القليل من مستقبلات الضوء الأصلية. وقد بحثَ هذه الإمكانية بشكل مباشر كل من سِنْغ وزملائه3، وسانتوس فيريرا وزملائه4، وبيرسون وزملائه5.

قامت المجموعاتُ الثلاث بزرع أسلاف مستقبلات الضوء المعبرة للبروتين GFP، والمأخوذة من فئران قد يصل عمرها إلى أسبوع، في الحيز تحت الشبكي لشبكية فأر متلقِّي، تم وَسْمُها بالبروتين الفلوري الأحمر، المعروف باسم dsRED. ولو أن خلايا المانح اندمجت مثلما اقتُرِحَ في السابق؛ لأصبحت الخلايا المعبرة عن البروتين GFP محاطةً بخلايا شبكيةِ تعبِّر عن dsRED، غير أن الباحثين اكتشفوا أن معظم مستقبلات الضوء المعبرة عن البروتين GFP في الشبكية عبَّرت عن dsRED أيضًا بعد الزرع، واستبعدت سلسلةٌ من التجارب التكميلية إمكانيةَ حدوث دمج أو اتحاد نووي تام. وبدلًا من ذلك، نَقلت خلايا المانح عواملَ (حمض نووي، أو حمض نووي ريبي، أو بروتينًا) تمنح سيتوبلازم مستقبلات الضوء في شبكية المتلقي القدرة على التعبير عن البروتين GFP (الشكل 1).

أ. يرتبط العمى بانحلال مستقبلات الضوء، وهي الخلايا الشبكية الحساسة للضوء. وقد وُجِدَ أن أَخْذ أسلاف مستقبلات الضوء من فئران سليمة، وحقنها في المنطقة تحت الشبكية في أعين فئران مصابة بانحلال الشبكية، يؤدي إلى استعادة الإبصار بشكل جزئي.
ب. تسجل ثلاثة بحوث3-4_5 أن أسلاف المانح لا تندمج في شبكية المتلقي كما كان يُفترَض في السابق، لكنها بدلًا من ذلك تنقل بعضَ موادها الخلوية إلى مستقبلاتِ الضوءِ في المتلقي. ويمكن لذلك أن يحدث عن طريق حويصلات دقيقة تتبرعم من غشاء خلية المانح، أو عن طريق نقل الحمض النووي، أو مركبات بروتينية عبر وصلات بين الخلايا، أو عن طريق امتصاص خلية المتلقي للمواد التي تسبح بحرّية عبر الغشاء البلازمي.

كبر الصورة

في عام 2006، أظهرت التجارب أن البروتين GFP ظل موجودًا في شبكية المتلقي لمدة تصل إلى عام1، ما يشير إلى ثبات المادة المنقولة (رغم أنه يبقى مطلوبًا فحصُ ما إذا كان ذلك يعكس النقل النَّشِط المستمر للمادة، أو بقاءها بعد حادثة نقل واحدة). وإضافةً إلى ذلك، أظهرت الدراسات الثلاث الحالية أن الإنزيم المسمى "كري ريكومبينيز" Cre recombinase يمكن نقله من مستقبلات ضوء المانح إلى مستقبلات الضوء في المتلقي، ما يدل على أن عملية النقل لا تقتصر على البروتينات الفلورية. وإضافة إلى ذلك، تشير استعادة الإبصار في نماذج انحلال الشبكية في فئران - مهندَسة وراثيًّا - إلى أن العيوب الجينية التي تسبب الانحلال يمكن مداواتها - على الأقل جزئيًّا - في مجموعة فرعية من مستقبلات الضوء في المتلقي2. وتشير هذه المعطيات مُجتمِعةً إلى نهج جديد محتمَل؛ للحفاظ على مستقبلات الضوء في الشبكية المصابة أو المريضة، عن طريق هندسة الخلايا أو المنتجات الخلوية؛ لتنقل بكفاءة العواملَ المطلوبة للحفاظ على مستقبلات الضوء إلى الشبكية.

"تشير هذه المعطيات مُجتمِعةً إلى نهج جديد محتمَل للحفاظ على مستقبلات الضوء في الشبكية المصابة، أو المريضة".

إنّ أحد أوجه عملية النقل، الذي يجب التأكد منه بعناية، والسعي نحو تحسينه للشكل الأمثل، قبل إجراء التجارب على البشر، يكمن في خصوصية المرحلة التطورية التي يتم فيها انتقال المواد من أسلاف مستقبلات الضوء الخاصة بالمانح. وقد وجد سِنغ وزملاؤه أن مثل هذه الأسلاف المأخوذة من الفئران التي يتراوح عمرها بين يومٍ وسبعةِ أيام، تنقل البروتين GFP إلى شبكية المتلقي بكفاءة أعلى مما تفعل خلايا المانح الأعلى تمايزًا. ويبقى أن يتم بحثُ ما إذا كانت هذه الخصوصية تعكس ملمحًا فريدًا من فسيولوجيا مستقبلات الضوء في ذلك العمر، عندما تكون في منتصف طريقها للتمايز إلى خلايا ناضجة، أم أنها ناتجٌ جانبي غير نوعي للعملية التي تجهَّز بها الخلايا للزرع. كما وجد بيرسون وزملاؤه أن الخلايا السلفية الشبكية المعبرة عن البروتين GFP نادرًا ما تنقل مواد إلى مستقبلات الضوء في المتلقي، ما يشير إلى أن مستقبلات الضوء فقط - من بين كل السلالات الخلوية الشبكية - هي التي تستطيع نقل المواد بهذه الطريقة.

ومثل العديد من الخطوات التقدمية المهمة، تقود هذه البحوث الثلاثة إلى ظهور أسئلة أكثر من الإجابات، فأولًا، وقبل كل شيء، ما هي الآليات الجزيئية والخلوية التي تقف وراء عملية نقل المواد؟ ربما تحدث عملية النقل من خلال حويصلات دقيقة منبثقة من الغشاء الخلوي، أو عبر المركبات البروتينية التي تؤلف الوصلات بين الخلايا، ثم ما هي المادة الخلوية التي تنتقل من المانح إلى المتلقي؟ هل هي الحمض النووي، أم الحمض النووي الريبي، أم أنها بروتينات؟ فقد وجد بيرسون وزملاؤه أن حَقْن البروتين GFP المُنَقّى في المنطقة تحت الشبكية قد فشل في إنتاج مستقبلاتِ ضوءٍ موسومة في المتلقي، ما يشير إلى أن البروتينات ليست هي المادة المنقولة، بيد أنه من الممكن أن يتوسط عملية النقل مركّب بروتيني أكبر حجمًا، لم يكن موجودًا في العينة المنَقّاة.

ورغم أن الاكتشافات التي تضمنتها هذه الدراسات قد تثبط الحماس المثار نحو استبدال مستقبلات الضوء المفقودة في أثناء انحلال الشبكية في الحالات المتقدمة منه، فهي تفتح أيضًا نطاقًا مثيرًا في مجال بحوث الشبكية. ومن شأن مواصلة السير نحو هذا الهدف أن تؤدي إلى تقدُّم فهمِنا لمستقبلات الضوء، وقد تؤدي في النهاية إلى تصميم طرق للمحافظة على وظيفة الشبكية في الأشخاص في المراحل المبكرة للمرض.

  1. MacLaren, R. E. et al. Nature 444, 203–207 (2006).
  2. Pearson, R. A. et al. Nature 485, 99–103 (2012).
  3. Singh, M. S. et al. Nature Commun. http://dx.doi.org/10.1038/ncomms13537 (2016).
  4. Santos-Ferreira, T. et al. Nature Commun. 7, 13028 (2016).
  5. Pearson, R. A. et al. Nature Commun. 7, 13029 (2016).
  6. Weimann, J. M., Johansson, C. B., Trejo, A. & Blau, H. M. Nature Cell Biol. 5, 959–966 (2003).
  7. Cicero, S. A. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 106, 6685–6690 (2009).
  8. Eiraku, M. et al. Nature 472, 51–56 (2011).
  9. Meyer, J. S. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 106, 16698–16703 (2009).
  10. Hiler, D. et al. Cell Stem Cell 17, 101–115 (2015).