أنباء وآراء

الطب الحيوي: استبدال محطات توليد الطاقة الخلوية

إيريك إيه. شوبريدج
  • Published online:

Abstract

نجاح عملية نقل الحمض النووي للنواة من بويضات بشرية تؤوي طفرات في الحمض النووي للعضيات التي تُسمى الميتوكوندريا إلى بويضات مانحة؛ مما يمثل خطوة إلى الأمام في التوصل إلى علاج للأمراض المتعلقة بالميتوكوندريا. 

أتاحت الثورة العلمية التي شهدتها تكنولوجيا تسلسل الحمض النووي في السنوات القليلة الماضية التعرف بسهولة نسبية على الأسباب الكامنة وراء العديد من الأمراض الوراثية، غير أن منع انتقال العيوب المسبِّبة للأمراض لا يزال يشكل تحديًا جسيمًا. تحتوي خلايا جسم الإنسان على جينومين: واحد في النواة، وآخر أصغر بكثير، وهو شبه مستقل، يوجد في العضيات الخلوية التي تُسمى الميتوكوندريا، وهي عضيات أساسية لإنتاج الطاقة. وتؤثر الأمراض التي تسبِّبها الطفرات في الحمض النووي الميتوكوندري على حوالي شخص واحد من كل 5000 شخص1، ولها طيف هائل بشكل استثنائي من الأعراض، كما أنها مستعصية على العلاج في الوقت الحالي. وفي بحث حديث، نشرته دورية Nature، أوضح كانج وزملاؤه2 أنه من الممكن منع الطفرات الضارة في الحمض النووي الميتوكوندري البشري من الانتقال إلى الذرية، وذلك باستخدام تقنية استبدال الميتوكوندريا. 

يرث الإنسان الميتوكوندريا الخاصة به، ومن ثم كل الحمض النووي الميتوكوندري في جسمه، من الأم. تحمل بويضات الإناث بضع مئات الآلاف من نسخ الحمض النووي الميتوكوندري، ويحتوي معظم الخلايا في البالغين على مئات إلى آلاف من هذه النسخ. وفي الأفراد الذين يعانون من أمراض في الحمض النووي الميتوكوندري، عادةً ما يكون هناك خليط من الحمض النووي الميتوكوندري الطبيعي والطافر، وترتبط شدة المرض عمومًا بنسبة نسخ الحمض النووي الميتوكوندري التي تحمل الطفرة المسبِّبة للمرض.

ويمكن أن تختلف هذه النسبة اختلافًا كبيرًا بين البويضات المأخوذة من المرأة نفسها. وتتمثل إحدى طرق تجنُّب انتقال الطفرات في الجمع بين التلقيح الصناعي، والتشخيص الوراثي؛ لتحديد وزرع الأجنة التي تؤوي حمضًا نوويًّا ميتوكوندريًّا طبيعيًّا فقط. وعلى الرغم من أن هذا النهج حقق نجاحًا3، فليس من الممكن دائمًا تحديد الأجنة المناسِبة.

وثمة استراتيجية أخرى، قد تكون عن طريق استبدال الميتوكوندريا السليمة بالميتوكوندريا التي تحتوي على الحمض النووي الميتوكوندري الطافر (الشكل 1). وهذه هي الفكرة الرئيسة التي تقف وراء تقنيات استبدال الميتوكوندريا. في إحدى تقنيات استبدال الميتوكوندريا، المعروفة باسم النقل الميوزي-المغزلي، يتم نقل الحمض النووي للنواة من البويضة "الحاملة" الخاصة بالأم، التي تؤوي الحمض النووي الميتوكوندري الطافر إلى بويضة "مانحة" تفتقر إلى النواة، وتحتوي فقط على نُسَخ طبيعية من الحمض النووي الميتوكوندري، ثم يجري تخصيب هذه البويضة في المختبر، وزرعها. وثمة طريقة مختلفة قليلًا لتنفيذ هذه التقنية، تتمثل في نقل طليعة النواة، حيث يتم نقل النوى من الحيوان المنوي والبويضة إلى بويضة مانحة خالية من النواة مباشرة بعد الإخصاب، وذلك قبل اندماج الاثنين معًا. وفي كلتا الحالتين، فإن الجنين الذي أُعيد تكوينه سيحمل الجينات نفسها التي يحملها أبواه البيولوجيّان، باستثناء عدد قليل من الجينات التي جاءت مع الحمض النووي الميتوكوندري من البويضة المانحة، التي لا تمت له بِصِلَة.

الشكل 1 | التقنيات المفترضة لاستبدال الميتوكوندريا. تتسبب الطفرات في الحمض النووي في العضيات الخلوية (المعروفة باسم الميتوكوندريا) في الإصابة بأمراض. ويشمل أحد سبل العلاج المحتمَلة استبدال أحماض نووية سليمة بالأحماض النووية الميتوكوندرية الطافرة. ويتمثل أحد طرق العلاج في نقل طلائع النواة – نوى الحيوانات المنوية والبويضات بعد عملية الإخصاب، وقبل اندماج الاثنين معًا – من البويضة التي تؤوي بعض الأحماض النووية الميتوكوندرية الطافرة إلى خلية مانحة، لديها حمض نووي ميتوكوندري سليم، ولكنْ أُزيلت منها النواة. وفي تقنية أخرى، تُعرف باسم النقل الميوزي-المغزلي، يتم نقل الحمض النووي للنواة من بويضة تؤوى بعض الأحماض النووية الميتوكوندرية الطافرة إلى بويضة خالية من النواة، يتم تخصيبها في وقت لاحق. ويقدِّم كانج وزملاؤه2 دليلًا على أن النقل الميوزي-المغزلي يمكن أن ينتِج أجنة سليمة في مرحلة الكيسة الأريمية من التطور الجنيني، التي تكون خالية من الحمض النووي الميتوكوندري الطافر.

كبر الصورة

والمجموعة البحثية التي أجرت الدراسة الحالية قد أجرت سابقًا اختبارات إثبات صحة المبدأ؛ لتوضيح أن النقل الميوزي-المغزلي يمكن أن ينتِج ذرية لقرود المكاك في صحة جيدة4، وأجنة بشرية تتطور بصورة طبيعية، حتى مرحلة الكيسة الأريمية، في خمسة أيام من النمو5. وفي وقت سابق من هذا العام، توصلت مجموعة أخرى إلى نجاح مماثل في نقل طليعة النواة6، ولكن هذه الدراسات استخدمت بويضات حاملة، تحتوي على الحمض النووي الميتوكوندري الطبيعي فقط.

وفي الدراسة التي أجراها كانج وزملاؤه، اتجهوا إلى بويضات من نساء يحملن طفرات في الحمض النووي الميتوكوندري منفرد النوكليوتيدات. استخدم الباحثون بنجاح النقل الميوزي-المغزلي؛ لإنتاج الأجنة التي تطورت إلى مرحلة الكيسة الأريمية الجنينية، والتي تحمل نسبة لا يمكن الكشف عنها فعليًّا من الأحماض النووية الميتوكوندرية الطافرة. لذا.. يبدو أن التوقيت الدقيق للنقل النووي (قبل الإخصاب، أو بعده) غير مهم. ومع ذلك.. نظرًا إلى عدم محاولة نقل طليعة النواة باستخدام البويضات من نساء يحملن الحمض النووي الميتوكوندري الطافر، سيلزم إجراء مقارنة مباشرة؛ لتأكيد هذه الافتراضات.

وقد أثيرت مخاوف بشأن عدم التوافق النووي-الميتوكوندري المحتمَل، الناتج عن تقنيات استبدال الميتوكوندريا: فكرة أن تركيبات معينة من الجينومات النووية والميتوكوندرية يمكن أن تكون لها آثار سلبية على سلامة الخلية، بيد أن الدلائل التي تدعم هذه المخاوف تستند إلى دراسات على سلالات فئران داخلية الاستيلاد8،7، ليست لديها اختلافات وراثية في الجينومات النووية. أما المجتمعات البشرية، فهي على النقيض من ذلك، وشديدة التباين؛ ولذا.. فإن الجينات الأبوية تجد نفسها في بيئة حمض نووي ميتوكوندري جديدة محتمَلة مع كل جيل. ومن ثم، يبدو من غير المحتمل أن أي نوع من الاقتران المحدود قد تطور بين الحمض النووي للنواة، والحمض النووي الميتوكوندري في البشر. في الواقع، يوضح كانج وزملاؤه أن تطوُّر الجنين مستقل عن المسافة الوراثية بين الحمض النووي الميتوكوندري للبويضات الحاملة، وذلك الخاص بالبويضات المانحة، مما يعزز الملاحظات 5 في تجربة استبدال الميتوكوندريا لقرود المكاك التي استخدمت بويضات حاملة، وأخرى مانحة، تحتويان على أحماض نووية ميتوكوندرية شديدة التباين.

وثمة مصدر قلق آخر، هو مصير نسبة 2%، أو نحو ذلك، من نُسَخ الحمض النووي الميتوكوندري التي تنتقل متطفلة مع النواة من البويضة الحاملة إلى الجنين. وللتحقيق في العواقب المحتملة لمثل هذا الانتقال، قام كانج وزملاؤه بتحليل الخلايا الجذعية الجنينية التي عزلوها من تلك الأجنة، وقاموا بإنمائها في مزرعة خلايا. وأظهرت تحليلاتهم أنه في بعض الحالات النادرة، يمكن أن تتفوق نِسَب صغيرة من الحمض النووي الميتوكوندري من البويضة الحاملة على الأحماض النووية الميتوكوندرية من البويضة المانحة، بعد عدد كبير من انقسامات الخلية، وهو ما يتسق مع نتائج دراستين سابقتين9،6.

مِن المحتمَل أن ثمة آليتين تعملان هنا: الانحراف الوراثي (التغيرات العشوائية في التكوين الجيني، التي تحدث على مر الأجيال)، وميزة تضاعفية. فإذا كانت التغيرات الملحوظة في نِسَب الحمض النووي الميتوكوندري ترجع بالكامل إلى الانحراف الوراثي، فإن احتمال أن طفرة نادرة في مجموعة مختلطة من الحمض النووي الميتوكوندري ستصبح سائدة يتناسب طرديًّا مع تكراراتها الأولى، كما ثبت في الجسم الحي للخلايا في بِنَى خبيئة في القولون، يتم تجديدها باستمرار من تجمُّعات الخلايا الجذعية10، لكن هذا - على الأرجح - لن يكون مثيرًا للكثير من القلق للعلاجات، لأن معظم الخلايا سوف يفقد الأحماض النووية الميتوكوندرية النادرة التي تحمل الطفرة.

وتوضح دراسة كانج وزملائه أنه في بعض الحالات، يمكن أن تكون للحمض النووي الميتوكوندري للبويضة الحاملة ميزة تضاعفية على الحمض النووي الميتوكوندري من البويضة المانحة، وذلك - على الأرجح - بسبب التباين في التسلسل في منطقة الحمض النووي الميتوكوندري، التي تنظم معدل تضاعف الجينوم الميتوكوندري. وهذه الظاهرة يمكنها أن تديم إعادة نظامية لغالبية الحمض النووي الميتوكوندري للبويضة الحاملة. ومثلما بَيَّنَ الباحثون، فينبغي أن يكون من الممكن اختيار البويضات المانحة على أساس الكفاءة النسبية لتضاعف الحمض النووي الميتوكوندري، عند دراسة العملية في الأنظمة النموذجية، ولكنْ لا يمكن دراسة هذه المشكلة بشكل مباشر في الأجنة البشرية، لأنّ تَضاعُف الحمض النووي الميتوكوندري متوقف إلى ما بعد مرحلة الكيسة الأريمية، غير أنه سيكون من المفيد دراسة هذه الظاهرة في ثدييات أخرى، حيث يكون من الممكن دراسة تضاعف الحمض النووي الميتوكوندري في جميع مراحل التطور الجنيني المبكرة.

وبعيدًا عن المخاوف بشأن مصير الحمض النووي الميتوكوندري الذى ينتقل من البويضة الحاملة، ما الذى يعوق التطبيق واسع النطاق لتقنيات استبدال الميتوكوندريا؟ تشكِّل هذه العملية تحديًا من الناحية التقنية، ولذلك.. فليس من المرجح أن تصبح مرخَّصة على نطاق واسع في عيادات التلقيح الصناعي. كما أنه من غير الواضح أيضًا حاليًّا عدد البويضات الحاملة أو المانحة التي نحتاج إلى استخدامها؛ لإنتاج أجنة سليمة بصورة موثوق فيها؛ لزرعها. وقد تَصَدَّرَ عناوين الصحف - منذ وقت قريب - تقرير حديث لطفلٍ وُلد بعد استخدام تقنية استبدال الميتوكوندريا (انظر: Nature http://doi.org/btr9; 2016)، أجراها طبيب أمريكي في المكسيك، مما يلقي بالضوء على الحاجة إلى إجراء تجارب إكلينيكية تخضع للإشراف بعناية. وقد أجازت التشريعات هذه العملية حتى الآن في سلطة قضائية واحدة فقط، هي المملكة المتحدة. وحتى يتغير هذا الأمر، يبدو من غير المحتمَل أن تستفيد نساء كثيرات من هذه التقنية.

  1. Schaefer, A. M. et al. Ann. Neurol. 63, 35–39 (2008).
  2. Kang, E. et al. Nature 540, 270–275 (2016).
  3. Steffann, J. et al. J. Med. Genet. 43, 244–247 (2006).
  4. Tachibana, M. et al. Nature 461, 367–372 (2009).
  5. Tachibana, M. et al. Nature 493, 627–631 (2013).
  6. Hyslop, L. A. et al. Nature 534, 383–386 (2016).
  7. Latorre-Pellicer, A. et al. Nature 535, 561–565 (2016).
  8. Moreno-Loshuertos, R. et al. Nature Genet. 38, 1261–1268 (2006).
  9. Yamada, M. et al. Cell Stem Cell 18, 749–754 (2016).
  10. Jenuth, J. P., Peterson, A. C. & Shoubridge, E. A. Nature Genet. 16, 93–95 (1997).