NATURE | كتب وفنون

نشر: تاريخ موجز للنقلة التي أحدثها كتاب ستيفن هوكينج

إليزابيث لين

Nature (2017) doi:10.1038/nature16881 | Published online | English article

إليزابيث لين تستعرض التأثير الاستثنائي للغزوة الأولى لهذا الفيزيائي في مجال نشر العلوم المبسطة.

<p>ستيفن هوكينج وزملاؤه بجامعة كامبريدج في الثمانينيات، قبل نشر كتاب "تاريخ موجز للزمن".</p>

ستيفن هوكينج وزملاؤه بجامعة كامبريدج في الثمانينيات، قبل نشر كتاب "تاريخ موجز للزمن".

Ian Berry/Magnum Photos

قرب نهاية فيلم "نظرية كل شيء" The Theory of Everything، الذي أُنتج في عام 2014 ويدور حول ستيفن هوكينج، يصور المشهد الاستقبال الذي تلقاه كتابه الكلاسيكي في العلوم المبسطة، "تاريخ موجز للزمن" (A Brief History of Time (1988. تقترب الكاميرا من عرض بارز للكتاب في نافذة أحد المتاجر، في حين يتزاحم المعجبون على الكاتب الفيزيائي، آملين أن يوقِّع على النسخ الخاصة بهم. تُسرَد الأحداث المستقبلية باختصار في نهاية الفيلم، لكن لم تتعلق أولاها بالتأثير المستمر لإنجازات هوكينج العلمية، ولا تحديات تعايُشه مع مرض العصبون الحركي، بل دارت حول مبيعات الكتاب، التي بلغت أكثر من 10 ملايين نسخة بحلول عام 2013.

نادر جدًّا أن تصل مبيعات كتاب في العلوم المبسطة إلى حاجز المليون، وعادةً ما تكون أقل من ذلك بكثير. لذا فهذا إنجاز مذهل بالنسبة لكتاب علمي يستهدف غير العلماء، وتحديدًا لكونه يتصدى لبعض أكبر الأسئلة في علم الفيزياء -الانفجار الأعظم، والثقوب السوداء، و"نظرية كل شيء"، وطبيعة الزمن. وقد روى هوكينج في مقال له في عام 2013 في صحيفة "وول ستريت جورنال" The Wall Street Journal بنبرة فيها بعض المتعة، أنه أعاد كتابة "تاريخ موجز" عدة مرات بناءً على طلب محرره، بيتر جوزاردي من بانتام، لتسهيل فهمه على جمهور القراء من العامة. بيد أنه ندم لاحقًا على عدم توضيح المفاهيم الصعبة فيه بشكل أكبر، كالزمن التخيُّلي مثلًا.

باعتبارها ظاهرة في مجال النشر، يزعم البعض أحيانًا أن كتاب "تاريخ موجز للزمن" هو عمل غير مسبوق، بيد أنه في الواقع ليس كذلك. فقد ظهرت في القرن التاسع عشر أيضًا أعمال علمية مهمة كان لها تأثير مشابه، مثل كتاب "عن تواصل العلوم الطبيعية" On the Connexion of the Physical Sciences الصادر في عام 1834 لعالِمة الرياضيات ماري سوميرفيل (انظر: R. Holmes Nature 514, 432–433; 2014). وفي عام 1930، تلقَّى كتاب "الكون الغامض" The Mysterious Universe للفيزيائي جيمس جينز استقبالًا مماثلًا لما تلقاه كتاب هوكينج (في بريطانيا، على الأقل)؛ ويروج غلاف إصدار دار "بيليكان" لعام 1937 للكتاب بوصفه "الكتاب الشهير الذي خالف التقاليد وجعل عملًا علميًّا ضمن أكثر الكتب مبيعًا". كما لم يكن هوكينج في زمنه يكتب وسط الفراغ؛ بل شهدت سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته سلسلة من كتب عالية المبيعات في الفيزياء المبسطة، بدءًا من كتاب "طريق الفيزياء" (The Tao of Physics (1975 لفريتيجوف كابرا، وحتى كتاب "الدقائق الثلاث الأولى" The First Three Minutes لستيفن فينبرج الصادر في عام 1977، وكتاب "الكون" (Cosmos (1980 لكارل ساجان، و"الفوضى" (Chaos (1987 لجيمس جليك. مع ذلك فإن مبيعات "تاريخ موجز" غطت حتى على هذه الكتب التي كانت من الأكثر مبيعًا.

وقد غيّر كتاب هوكينج بعض المفاهيم في مجال العلوم المبسطة. في حماسهم لتكرار نجاحه، استثمر ناشرون من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات استثمارات هائلة في هذا النوع من الأعمال. وسرعان ما بدأوا الترويج لأعمال كانت موجودة بالفعل (أعادت دار "بنجوين" مثلًا نشر مجموعة أعمال الفيزيائي بول ديفيس القديمة، مع إعادة تصميم الأغلفة). كما وقعوا عقودًا لنشر أعمال جديدة، في بعض الحالات بمقدمات مالية مُبالَغ فيها، وأنشأوا قوائم بأعمال العلوم المبسطة المتاحة في الأسواق. كما عرضت المكتبات مجموعة من كتب العلوم المبسطة في مواقع عرض مميزة، وبدأت المجلات الخاصة بمجال النشر تتحدث عن "ازدهار كتب العلوم المبسطة" في التسعينيات. وبيعت كتب الوافدين الجدد في المجال -مثل ستيفن بينكر، وجاريد دياموند- بشكل جيد، وكذلك الإصدارات الجديدة للمروجين القدامى مثل ستيفن جاي جولد، وريتشارد دوكينز. ونظرًا لصعوبة الحصول على الأرقام الدقيقة، ليس من المؤكد إلى أي مدى كان قد وصل هذا الازدهار. لكن ما لا يمكن إنكاره أن مبيعات هذا النوع من الكتب قد ارتفعت.

يصعب تقليده

وقد سارت محاولات الاستفادة من "ظاهرة هوكينج" تلك جنبًا إلى جنب مع ظهور التكهنات حول العوامل التي أدت إليها. كانت لدى هوكينج مكانة عالية في مجتمع الفيزياء، وكانت لديه بعض الشهرة بين عامة الناس حتى قبل ظهور كتابه البارز. فقد ظهر (على سبيل المثال) في المسلسل التليفزيوني البريطاني "مفتاح الكون" The Key to the Universe لنايجل كالدر في أواخر السبعينيات. ويرجع جزء من جاذبيته إلى اتساع الفجوة بين تقيُّده الحركي نتيجة لإعاقته والنطاق الكوني الواسع لأفكاره. وقد احتوى عدد من كتب الفيزياء المبسطة الأخرى التي ظهرت في تلك الفترة -كما هو الحال في كتاب "تاريخ موجز"- على صورة للكاتب على الغلاف الأمامي.

<p>أسهَمَ كتاب هوكينج في أن يصبح واحدًا من أعظم مشاهير العلم في العالم.</p>

أسهَمَ كتاب هوكينج في أن يصبح واحدًا من أعظم مشاهير العلم في العالم.

Joel Ryan/Invision/AP

وحسبما أشار هوكينج نفسه، كان عنوان الكتاب مهمًّا أيضًا. فقد أقنعه جوزاردي بمراجعة اقتراحه الأصلي "من الانفجار الأعظم إلى الثقوب السوداء: تاريخ قصير للزمن" From the Big Bang to Black Holes: A Short History of Time؛ إذ بدت كلمة "موجز" أفضل كثيرًا من كلمة "قصير" في هذا السياق، إذ توحي الكلمة بالإشارة إلى فترة زمنية ما –أي فترة تُقارَن بعمر الإنسان، في توافُق ملفت للنظر ومثير للسخرية مع المفهوم المجرد للزمن. كما أن صياغة الزمن بوصفه ظاهرةً تاريخية كان لها تأثير مشابه. وفي النص نفسه، تعمل الإيماءات الخطابية حول قضايا فلسفية ولاهوتية أساسية على إغراء جمهور القراء العريض؛ إذ إن الكشف عن نظرية لكل شيء يعني –وفق ما كتب هوكينج- "معرفة عقل الإله". لكن رغم تحديد هذه المكونات بسهولة، لم يتمكن أحد من تكرار وصفة هوكينج، حتى هو نفسه في كتبه اللاحقة.

"رغم تحديد المكونات بسهولة، لم يتمكن أحد من تكرار وصفة هوكينج".

وقد اتفق معظم المحللين على أمر لا علاقة له بالمبيعات، وهو مدى إمكانية قراءة "تاريخ موجز". فرغم إعادة كتابته المتكررة، للكتاب سمعة سيئة بشكل ما؛ إذ يوصف بأنه الكتاب الذي اشتراه الجميع ولم يقرأه أحد.. لدرجة أن هناك الآن ما سُمِّي بلطافة "مؤشر هوكينج"، صُمِّم لقياس مدى قراءة الكتب الأكثر مبيعًا: حصل "تاريخ موجز" على نتيجة منخفضة في هذا القياس (كذلك -والأكثر إثارة للدهشة- رواية "خمسون ظلًّا للرمادي" Fifty Shades of Grey التي نُشرت في عام 2011. ومن الواضح أن شراء كتاب هوكينج (أو رواية إي. إل. جيمس تلك) قد يعطي لمحة عن هوية المستهلك؛ الذي تأتي القراءة بالنسبة له كأمر ثانوي.


عبقري وحيد

وتوالت بعده كتب أخرى جامحة في العلوم المبسطة، كانت من الكتب الأكثر مبيعًا كذلك. فكتاب "خط الطول" (Longitude (1995 لدافا سوبل، وكتاب "النظرية الأخيرة لفيرمات" (Fermat’s Last Theorem (1997 لسايمون سينج، وكتاب "الكون الأنيق" (The Elegant Universe (1999 لبريان جرين، جميعها ظهرت قرب نهاية الألفية الماضية. لكن بصفة عامة، من الصعب رغم ذلك تحديد أية قواسم مشتركة بينها وبين نجاح هوكينج، ربما باستثناء التركيز على مكانة العالم نفسه. فنص سوبل يركز على "عبقري وحيد"، هو صانع الساعات جون هاريسون. ويظهر أحد علماء الرياضيات في عنوان كتاب سينج وفي صورة الغلاف، كما يركز الكتاب على عالِم رياضيات آخر في قصته. بينما كان سبب النجاح الشعبي لكتاب "الكون الأنيق" هو تحويله إلى سلسلة تليفزيونية في الولايات المتحدة، بمشاركة الرجل الجذاب جرين.

رغم ذلك، وبعد مرور سنوات قليلة من الألفية الجديدة، اتفق المحللون على أن فترة "الازدهار" قد ولّت. وبدا أن المبيعات العالية من كتاب "تاريخ قصير لكل شيء تقريبًا" (A Short History of Nearly Everything (2003 لبيل برايسون، بعنوانه المُطعَّم بنكهة كتاب هوكينج، أتت كنتاج لتبعية عمل الكاتب الرحالة لنفس الموضوع. وقد مالت الكتب "الجادة" غير الروائية الأكثر مبيعًا والمتصدرة الآن نحو مجال العلوم الاجتماعية، إذ حقق كتاب "نقطة التحول" (The Tipping Point (2000 لمالكوم جلادويل وكتاب "فريكونوميكس" (Freakonomics (2005 لستيفن ليفيت وستيفن دوبنر نجاحًا عالميًّا.

ورغم ذلك ترك كتاب "تاريخ موجز" إرثًا آخر مهمًّا للعلوم المبسطة، هو نشوء شعور جديد نحو رأس المال الثقافي للأفكار العلمية. بدءًا من التسعينيات فتحت المساحات الواسعة في جداول الكتب –والتي كانت تكرَّس للنصوص الأدبية- ذراعيها للنصوص العلمية، وبدأ المروِّجون إلقاء الخطابات بانتظام في الاحتفالات الثقافية. وجرى تدشين جوائز للكتب العلمية وتمويلها، والحفاظ على استمراريتها. وقد أصبحت حياة العلماء والرياضيين موضوعات مناسبة للتناول في أفلام رائجة، مثل فيلم "عقل جميل" (A Beautiful Mind (2001 لرون هوارد (عن عالِم الرياضيات جون ناش)، وفيلم "لعبة التقليد" (The Imitation Game (2014 عن حياة رائد الحوسبة آلان تورنج، وبالطبع فيلم "نظرية كل شيء".

لم يكن كتاب "تاريخ موجز للزمن" هو المسؤول الأوحد عن هذه التطورات. لكنه أعطى مسألة الحضور العلمي في الدائرة الثقافية دفعة هائلة؛ فقد تغيرت ملامح الكتابة في العلوم المبسطة بلا رجعة، بسبب نجاح هوكينج غير المتوقَّع.