NATURE | أخبار

العلماء يعانون، بعد حظر الهجرة الذي فرضه ترامب

قرار بمنع مواطني سبع دول من دخول الولايات المتحدة يصدم الكثيرين.

  • لورين موريللو
  • سارة ريردون

Nature (2017) doi:10.1038/nature.2017.21389 | Published online | English article

<p>مظاهرات في مطار جون إف. كينيدي الدولي في مدينة نيويورك - في يوم 28 من شهر يناير الماضي - ضد القرار الأمريكي بحظر الهجرة.</p>

مظاهرات في مطار جون إف. كينيدي الدولي في مدينة نيويورك - في يوم 28 من شهر يناير الماضي - ضد القرار الأمريكي بحظر الهجرة.

Stephanie Keith/Getty

شعر كافيه دانيشفار بسعادة غامرة عندما دُعيَ لإلقاء كلمة في اجتماع حول الأحياء الجزيئية، في الفترة ما بين 5 و9 فبراير في بانف في كندا. كان دانيشفار - عالِم الوراثة الجزيئية – يستعد لإتمام أبحاث ما بعد الدكتوراة الخاصة به في كلية الطب هارفارد، ومستشفى ماساتشوستس العام في بوسطن، ويجهز نفسه لدخول سوق العمل. وكان يأمل أن يؤدي حضوره هذا المؤتمر إلى تَعَرُّفه بالرائدين في مجاله، وهو ما يحتاجه بشدة، لكن يبدو ذلك الآن أمرًا مستحيلًا؛ فإذا ما غادر المواطن الإيراني دانيشفار الولايات المتحدة، قد لا يتمكن من العودة. فقد وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يوم 27 من شهر يناير الماضي قرارًا تنفيذيًّا؛ يمنع دخول اللاجئين إلى الولايات المتحدة لمدة 120 يومًا، ويمنع دخول اللاجئين السوريين إلى أجل غير مسمى، كما يمنع مواطني سبع دول ذات أغلبية مسلمة "تعاني خطر الإرهاب" – هي إيران، والعراق، وليبيا، والصومال، والسودان، وسوريا، واليمن - من دخول الولايات المتحدة لمدة 90 يومًا. وقد أصدرت الحكومة الأمريكية بيانات متضاربة حول ما إذا كان هذا الحظر ينطبق على أشخاص مثل دانيشفار، ممن يحملون تأشيرات تسمح لهم بالعيش، والعمل، والدراسة في الولايات المتحدة، ومَن يحملون تأشيرات الإقامة الدائمة، المعروفة بـ"الجرين كارد".

تحدثت دورية Nature إلى أكثر من 20 باحثًا ممن تأثروا بتلك السياسة الجديدة، والذين عبروا عن مشاعر خوف وصدمة وإصرار. وقد طلب بعضهم ألّا يتم ذكر اسمه، خوفًا من أن تتعرض الحكومة الأمريكية له بالأذى.

قال علي شوريدة، عالِم الاقتصاد في جامعة كارنيجي ميلون في بيتسبرج في بنسلفانيا: "أنا مقدِّر جدًّا ما منتحتني إياه الولايات المتحدة، وسمحت لي بتحقيقه هنا، لكن، في الوقت ذاته، الأمر صادم حقًّا". ويضيف: "لقد كنت أعتقد دومًا أن هذا بلد حر، وأنك مذ هاجرت إليه لن يحاولوا طردك، أو يُصَعِّبوا حياتك".

شوريدة مواطن إيراني يحمل الجرين كارد، وقد سافر إلى إيران عدة مرات مؤخرًا لزيارة والدته المريضة بالسرطان. أما الآن، فإنه إذا ما غادر الولايات المتحدة، فقد لا يتمكن من العودة إليها. يقول: "عليَّ أن أختار.. هل أسافر لرؤية والدتي، أم أحافظ على وظيفتي؟" ويضيف: "هذا أمر سيؤذينا بالتأكيد على المستوى الشخصي، لكنه – في اعتقادي - سيؤذي الولايات المتحدة كذلك، لأن كل هؤلاء المهنيين ذوي المهارات العالية لن يرغبوا في البقاء هنا بعد ذلك".

تحدّ قانوني

في يوم 28 من شهر يناير الماضي، رفع الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية وجماعات أخرى دعوى قضائية ضد الحكومة الأمريكية؛ لإسقاط القرار، بالنيابة عن شخصين كانت تأشيراتهما سارية، وتم إيقافهما في مطارات في الولايات المتحدة. وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، فازت المجموعة بانتصار أوّليّ، عندما حكمت قاضية فيدرالية بأن الحكومة لا يمكنها ترحيل المحتجزين، إلا أن الحكم لا يؤثر على أولئك الذين لم يكونوا في صالات الترانزيت عندما بدأ تطبيق الحظر.

وقد بدأ العلماء بالفعل إجراء ترتيبات ضد سياسة الهجرة. وَقَّع أكثر من 12 ألف باحث – من بينهم 40 باحثًا حاصلين على جائزة "نوبل"، و6 باحثين حاصلين على ميدالية "فيلدز" - على عريضة تندِّد بقرارات ترامب. وقد أصدرت "الجمعية الأمريكية لتطوير العلوم"، و"رابطة الجامعات الأمريكية" بيانات تحث إدارة ترامب على إعادة النظر في قرار الحظر.

وسارعت الجامعات لفَهْم كيفية تأثير السياسة الأمريكية على الأساتذة لديهم، وباحثي ما بعد الدكتوراة، والطلاب، وغيرهم من الموظفين من مواطني تلك الدول السبع المحظورة. وتنصح مؤسسات عديدة هؤلاء الأشخاص بالبقاء في الولايات المتحدة، إلى أن يصبح الوضع أكثر وضوحًا، لكن ذلك غير كافٍ لطمأنة أحد الطلاب الإيرانيين الذين يدرسون الهندسة في جامعة واين ستيت في ديترويت في ولاية متشيجان. كان قد اشترى هو وزوجته منزلًا في بداية شهر فبراير، بينما كانا ينتظران أول مولود لهما – بنتًا – بعد ذلك بأسبوع. وكان الزوجان يتوقعان أن يأتي والِدِيهم من إيران لزيارة المولود، لكن تم تعليق تلك الخطط، وكذلك "الجرين كارد" الذي كان الزوجان ينتظران استلامه في شهر إبريل.

وهما يفكران الآن في الذهاب إلى أستراليا، والبدء من جديد، حيث لديهم إقامة دائمة هناك، تنتهي صلاحيتها في شهر مايو. يقول طالب كلية الهندسة: "إذا غادرت، يمكنك أن تستعيد حياتك، ووالديك، وعائلتك.. لكنك ستفقد كل ما حققته هنا. لقد عملنا بجد للوصول إلى هذا".

لعبة الانتظار

إن الطريقة المفاجئة التي أتى بها قرار الحظر وضعت الحياة المهنية لكثير من الباحثين في فوضى عارمة.

كان لوكا فريسكي - العالِم الإيطالي المتخصص في علم الوراثة الميكروبية في جامعة لافال في كيبيك في كندا - قد قرر الانتقال إلى كلية الطب بجامعة هارفارد في شهر مارس المقبل، إلا أن قرار حظر الهجرة عَطَّل تلك الخطة، إذ إنّ زوجته الإيرانية مريم لن تتمكن من القدوم معه، بيد أنها شجعته على الذهاب دونها.

ويقول: "نكاد نُجنّ من الأمر.. فقد حصلنا على التأشيرة قبل التصديق على القرار التنفيذي بيومين".

وظل زوجان آخران - كلاهما من العلماء - عالِقَين في فرنسا، في انتظار أن يعرفا ما إذا كانت الزوجة إيرانية الجنسية ستتمكن من السفر إلى الولايات المتحدة، أم لا. وكان كل منهما من المقرر له أن يبدأ وظيفته في جامعة أمريكية في شهر مارس المقبل.

"قد ننزلق سريعًا إلى نقطة مظلمة للغاية، إذا ما قرر الناس ألّا يبالوا بالأمر".

وقد بدأ الحظر بالفعل في تعطيل بعض مسارات التعاون الدولي. فالإيرانية سميرة ساميمي، التي تدرس علم الجليد في جامعة كالجاري في كندا، كان مقررًا لها أن تذهب إلى جرينلاند في شهر إبريل المقبل، في رحلة استكشافية مموَّلة من وكالة "ناسا"؛ لدراسة ذوبان الثلوج. سينطلق الفريق من قاعدة للحرس الوطني الجوي الأمريكي في سكنيكتادي في نيويورك - على متن طائرة شحن من طراز LC-130 - إلى كانجرلوسواك في جرينلاند، إلا أن ساميمي لن تتمكن من عبور الحدود للقاء زملائها في نيويورك. وحتى إنْ اشترت تذكرة طيران تجارية إلى جرينلاند، قد لا يُسمح لها بالطيران على متن طائرة الشحن التي ستحمل الفريق الأمريكي للمواقع الميدانية النائية. وإذا لم تتمكن ساميمي من الذهاب إلى جرينلاند لاستكمال البحوث التي بدأتها هناك في العام الماضي، قد يُبطئ ذلك من تقدُّمها في مسار حصولها على درجة الدكتوراة. وتقول: "ظننت أنني سوف أكون حرة في كندا، وأنني لن أحتاج بعد ذلك إلى أن أحارب للدفاع عن حقوقي".

يدرس زملاء ساميمي كافة الخيارات المتاحة؛ لإيصالها إلى المنطقة الجليدية. يقول مايك ماكفيرين، أخصائي علم الجليد في جامعة كولورادو بولدر، الذي يساعد في تنظيم الرحلة الاستكشافية: "الأمر كله مؤذ. وهذا لا يفيدنا بأي شكل، ولا يفيد العلم الذي نقدمه".

السعي للحرية

إن بعض أولئك المتأثرين بالتغير في سياسة الهجرة كانوا قد عانوا من الاضطهاد في بلادهم.

تم توقيف ساميمي – المتخصصة في علم الجليد - من قِبَل الشرطة الإيرانية للمرة الأولى عندما كانت في التاسعة من عمرها، إذ كانت ترتدي قميصًا يحمل إعلانًا لفرقة موسيقى الروك الأمريكية "بون جوفي". كما تم احتجازها واستجوابها لاحقًا، حين صبغت شعرها بألوان غير مقبولة، ووضعت طلاء للأظافر.

أما عبادة صباغ، طالب الدكتوراة في مجال علم الأعصاب في جامعة فرجينيا تِك في بلاكسبرج، فهو مواطن سوري، انتقل إلى الولايات المتحدة منذ 7 سنوات وعمره 16 عامًا، ليلتحق بالجامعة. ولأنه تجاهَل أمرًا بالخدمة في الجيش السوري؛ لا يمكنه العودة إلى سوريا، أو تجديد جواز سفره. وهو قلِق الآن من الأوضاع في الولايات المتحدة.

ويقول: "لن يكون ذلك أمرًا هامشيًّا في التاريخ الأمريكي.. قد ننزلق سريعًا إلى نقطة مظلمة للغاية، إذا ما قرر الناس ألّا يبالوا بالأمر".

وهناك أيضًا أمير حاجي أكبري، عالِم الفيزياء الإحصائية الحاسوبية الإيراني، الذي حصل على وظيفة مرموقة كأستاذ مساعد في جامعة ييل في نيو هافين في ولاية كونيتيكت في عام 2016. وقد وفر له هذا المنصب الأمان، بعد قضائه أعوامًا كباحث ما بعد الدكتوراة، وبدأ يخطط للتقدم بطلب للحصول على الجنسية، كي يتمكن من استقدام والديه المُسنَّين من إيران. أما زوجته - التي تدرس الأحياء الكمية والحاسوبية في جامعة برينستون في نيو جيرسي – فقد دعت والدتها للقدوم من إيران؛ لحضور مناقشتها للدكتوراة في شهر إبريل القادم.

ويقول حاجي أكبري إن كل هذا يبدو منافيًا للمنطق.. وهو الذي واجه تمييزًا في إيران؛ لكونه مسلمًا سُنيًّا أذريًّا. يقول: "كنت دائمًا أجد التسامح والحرية الدينية أفضل هنا، فلماذا أصبحتُ أُعتبر خطِرًا؟ ماذا فعلتُ لكم؟ لقد كنت مواطن درجة ثانية في بلدي، والآن ها أنتم تعاملونني كالحثالة".