NATURE | أخبار

أقمار جاليليو الاصطناعية تبشِّر بحقبة جديدة في علوم الأرض

ستملأ أوروبا وآسيا الجو ضجيجًا بالمزيد من موجات الراديو الخاصة بالإشارات الملاحية.

ديكلان باتلَر

Nature (2017) doi:10.1038/nature.2016.21183 | Published online | English article

<p>على مدى السنوات الخمس الماضية، تم إطلاق 18 قمرًا من أقمار جاليليو الاصطناعية في مداراتها.</p>

على مدى السنوات الخمس الماضية، تم إطلاق 18 قمرًا من أقمار جاليليو الاصطناعية في مداراتها.

Stephane Corvaja - ESA

بعد ارتفاعٍ في التكلفة، وسنواتٍ من التأخير، بدأ نظام "جاليليو" الأوروبي للملاحة العالمية بالأقمار الاصطناعية أخيرًا في بث إشاراته الأولى إلى أجهزة الاستقبال في الهواتف الذكية والسيارات في 15 ديسمبر الماضي.

يَعِدُ الأسطولُ المكوَّن من 18 قمرًا صناعيًّا المسافرين بوسيلة أخرى؛ لتحديد مَواقعهم بدقة على الأرض، مُنهيًا بذلك اعتماد أوروبا على نظام تحديد المواقع العالمي الأمريكي "جي بي إس" GPS، ونظام "جلوناس" GLONASS الروسي. ويُعَدّ نظام "جاليليو" - الذي اقتُرِح لأول مرة في عام 1999 - أيضًا صفقة كبيرة للعلوم، حسب قول ريتشارد لانجلي، خبير أنظمة أقمار الملاحة الاصطناعية في جامعة نيو برونزويك في فريدريكتون، كندا. وأكثر ما يثير العلماء هو إمكانية جمع الإشارات من عدة شبكات للأقمار الاصطناعية، مما يُفْسِح المجال لأنواع جديدة من بحوث الغلاف الجوي وعلوم الأرض.

"كلما زاد عدد الأقمار الصناعية لديك؛ زادت الدقة".

مِن المقرر أن تصل مجموعة نظام "جاليليو" للأقمار الاصطناعية إلى تشكيلتها الكاملة، التي تتألف من 30 قمرًا، في عام 2020، وهو العام نفسه الذي يُتوقع أن يدخل فيه نظام "بايدو" BeiDou الصيني، المكون من 35 قمرًا اصطناعيًا، إلى الخدمة. وتعكف كلٌّ من اليابان والهند أيضًا على إنشاء أنظمة إقليمية. وإجمالًا، يُتوقع أن يرتفع عدد الأقمار الاصطناعية التي تطوّق الأرض لأغراض الملاحة العالمية من حوالي 90 قمرًا اليوم إلى 130 قمرًا على الأقل خلال العقد المقبل، حسب تقديرات أوليفر مونتينبروك، عالِم الفيزياء في مركز الفضاء الألماني في أوبرفافنهوفِن، ألمانيا. وفي الوقت نفسه، سيتم تحديث أساطيل الأقمار الاصطناعية الموجودة حاليًّا.  


وعندئذٍ، سيفيض الغلاف الجوي للأرض بالعديد من أنواع إشارات الراديو بتشكيلة أكبر من الترددات، تحمل كل منها معلومات عن الوقت وموقع القمر الصناعي الذي أَرسلها. تَستخدِم أجهزة الاستقبال في أنظمة الملاحة بالأقمار الاصطناعية البيانات من عدة أقمار؛ لتحديد مواقع الأجهزة. وهكذا، فإن وجود المزيد من الأقمار الاصطناعية في السماء سيساعد - ببساطة - في التغلب على مشكلة فقدان الإشارة، ويؤدي إلى تحديد المواقع بدقة أكبر، حسب قول لانجلي. ويضيف توني فان دام، وهو عالِم في مجال علوم الأرض في جامعة لوكسمبورج، ويستخدم أجهزة استقبال لمراقبة كيفية تشوّه القشرة الأرضية، نتيجة الاستجابة لتحوّل الماء أو الجليد: "كلما زاد عدد الأقمار الصناعية لديك؛ زادت الدقة".


سيعود ازدحام السماء بموجات الراديو بشكل متزايد بالنفع أيضًا على توقعات الأرصاد الجوية وبحوث المناخ. يَستخدِم العلماء انكسار إشارات أقمار الملاحة الاصطناعية في الغلاف الجوي للأرض؛ لقياس درجة حرارة الغلاف الجوي، والضغط، والكثافة، ومحتوى بخار الماء. ويمكن بالمثل استغلال تلك الإشارات؛ لقياس كثافة الإلكترونات في طبقة الغلاف الأيوني "الأيونوسفير"، وهي طبقة مشحونة كهربائيًّا في الغلاف الجوي العلوي. تُستخدم هذه البيانات لتتبُّع الطقس في الفضاء، ورصد موجات التسونامي والزلازل، حسب قول فيليب لونيوني، عالِم الجيوفيزياء في معهد فيزياء الأرض، باريس. تؤدي هذه الظواهر إلى اختلال عنيف في الهواء، لدرجة أنها ترسل موجات صوتية وموجات جاذبية تصل إلى طبقة الأيونوسفير، حيث تُحدِث تشويشًا على الإلكترونات بها. ويقول لونيوني إنه مع تشغيل أنظمة "جاليليو"، و"بايدو" بكامل طاقتهما، من المتوقع أن يصبح الباحثون في وضع أفضل، يمكِّنهم من تقدير ارتفاع موجات التسونامي.


يعتزم العلماء أيضًا استخدام مجموعات متعددة من أقمار الملاحة الاصطناعية؛ من أجل تحسين قياسات سرعة الرياح في المحيطات، ومدى اضطراب البحار، حسب قول ينس فيكرت، وهو عالِم في مركز البحوث الألماني لعلوم الأرض "جي إف زي" GFZ في بوتسدام. في الوقت الحالي، غالبًا ما يتم إعداد خرائط المحيطات بأسلوب المراقبة عن بُعد، عن طريق إطلاق موجات رادار من الطائرات، أو المركبات الفضائية؛ لترتد على سطح البحر، ومن ثم الجمع بين هذه البيانات ومعلومات من أجهزة أخرى تَستخدِم أجهزة الأقمار الاصطناعية. تبلغ الدقة المكانية لأفضل الخرائط المتوفرة حاليًّا حوالي 80 كيلومترًا، ويتم تحديثها كل عشرة أيام. يسعى فيكرت لتحسين ذلك باستخدام أجهزة استقبال مدارية؛ لتَلَقِّي إشارات أقمار الملاحة الاصطناعية. تهدف تجربة أوروبية - تُعرف باسم "GEROS-ISS"، ويقودها فيكرت - إلى إرسال جهاز استقبال؛ لوضعه على المحطة الفضائية الدولية في عام 2019. سوف يتم في هذه التجربة قياس الإشارات من أقمار الملاحة الاصطناعية، إثر انعكاسها على سطح البحر. وعن طريق دمج البيانات من أنظمة "جاليليو"، و"بايدو"، و"جي بي إس"، و"جلوناس"، سيتسنى رسم خرائط للمحيطات، بدقة مكانية تصل إلى بضعة كيلومترات كل أربعة أيام، أو أقل. يحدث العديد من ظواهر المحيطات، مثل الدوّامات، في هذه الحدود الزمنية، ومن ثم فإن الخرائط الأفضل ستساعد على تحسين نماذج حالة الطقس وتغيُّر المناخ.


يمكن أن يوفِّر أسطولٌ من أجهزة الاستقبال في الفضاء حلًّا أكثر دقة. وفي خطوة في هذا الاتجاه، أطلقت وكالة "ناسا" في 15 ديسمبر الماضي بعثتها الخاصة لبحوث انعكاس المحيطات، تحت اسم نظام أقمار الملاحة الاصطناعية العالمي للأعاصير. سيقوم أسطول مكوَّن من ثمانية أقمار اصطناعية ميكروية، يحمل كلٌّ منها أربعة أجهزة استقبال لإشارات أقمار الملاحة الاصطناعية، بقياس سرعة الرياح، ومدى اضطراب المحيط في عيون العواصف بدقة غير مسبوقة، تبلغ بضعة كيلومترات كل عدة ساعات. يقول كريس روف - الباحث الرئيس في نظام الأعاصير، وعالِم في مجال الاستشعار عن بُعْد في جامعة متشيجان في آن أربور - إن المهمة الأولى ستقتصر على استخدام نظام GPS فقط، ولكنه حريص على دمج البيانات من نظامَيْ "جاليليو"، و"بايدو" في تجارب لاحقة.


تُجْرَى بحوث كثيرة حول دمج الإشارات من أنظمة أقمار الملاحة الاصطناعية، في إطار اتحاد يضم أكثر من 200 من الوكالات، والجامعات، ومراكز البحوث. ويُحَذِّر مونتينبروك - الذي يقود هذا الجهد - من أن الأمر قد يستغرق أكثر من خمس سنوات من دخول نظامَيْ "جاليليو"، و"بايدو" الخدمة الكاملة، قبل أن يتمكّن العلماء من استغلال إمكانياتهما بشكلٍ كامل. يقول مونتينبروك: "إنّ استخدامنا اليوم لنظام GPS يستفيد من 30 عامًا من الخبرة، ومن فَهْم ممتاز وتوصيف لكل التفاصيل المملة"، ويضيف قائلاً: "ما زلنا بحاجة إلى القيام بكل ذلك لنظامَيْ "جاليليو"، و"بايدو"".