تكنولوجيا

مخٌّ كبير وبياناتٌ ضخمة

يبدأ علماء الأعصاب في تبادل البيانات ودمجها، لكن التعامل بروح الفريق أمرٌ ليس بالسهل.

إستر لاندهوِيس
  • Published online:

مع تَواصُل المبادرات الكبرى لرسم خرائط المخ، قد تبدو المبادرة التايوانية صغيرة. إذ يعكف العلماء هناك على دراسة ذبابة الفاكهة Drosophila المتواضعة، ويرسمون خريطة لمخها عن طريق آلية الهندسة العكسية مستخدمين في ذلك صورًا لخلايا عصبية منفردة. ولقد أسفرت جهودُهم عن رسم خرائط ثلاثية الأبعاد لدوائر المخ بتفصيل مذهل.

يحتاج الباحثون فقط إلى فأرةِ كمبيوتر ومتصفحٍ لشبكة الإنترنت؛ للتركيز على فرادى الخلايا ثم الرجوع إلى الصورة الكبيرة  لشبكات متداخلة من الحزم العصبية. تبدو أشكال الألياف المترابطة مثل خيوطٍ ملونةٍ على رقعة تطريز، وهي واضحة بما يكفي لإظهار عناقيد الخلايا التي تتحكم في سلوكيات بعينها، فبإثارة دائرةٍ عصبية محددة يستطيع الباحثون أن يُملوا على الذبابة أن تضرب بجناحها الأيسر، أو أن تؤرجِحَ رأسها من جانبٍ إلى آخر – هي إنجازات أثارت حماسَ حَشْدٍ اجتمع ذات مساء من شهر نوفمبر في المؤتمر السنوي لجمعية علم الأعصاب في سان دييجو، كاليفورنيا.

<p>التصوير الانتشاري بالرنين المغناطيسي هو نوع واحد من أنواعٍ كثيرة من البيانات التي يتدبر الباحثون كيفية التعامُل معها للحصول على صورة واضحة للمخ.</p>

التصوير الانتشاري بالرنين المغناطيسي هو نوع واحد من أنواعٍ كثيرة من البيانات التي يتدبر الباحثون كيفية التعامُل معها للحصول على صورة واضحة للمخ.

Van Wedeen/Martinos Center for Biomedical Imaging/Harvard Medical School

ولكن حتى بالنسبة لهذا المخلوق الصغير استغرق الفريق عقْدًا كاملًا لتصوير 60.000 خلية عصبية، بمعدل 1 جيجا بايت لكل خلية، وفق ما يقول قائد البحث آن-شِنْ شيانج، عالمُ الأعصاب بجامعة تسِنج هُوا الوطنية في مدينة سِنتشُو، تايوان. إن ذلك العدد لا يمثل حتى نصف الخلايا العصبية في مخ ذبابة الفاكهة. إن استخدام نفس البروتوكول لتصوير 86 بليون خلية عصبية في المخ البشري، قد يستغرق ما يُقدَّر بنحو 17 مليون سنة، بحسب ما ذكر شيانج في المؤتمر.

هناك تقنياتٌ أخرى أكثر قابلية للتطويع، ففي شهر يوليو 2016 نشر فريقٌ دولي خريطةً للقشرة المُخِّيَّة1، وهي الطبقة الخارجية المتغضِّنة في المخ البشري. ويرى كثير من العلماء أن تلك الخريطة من أكثر خرائط الوحدات التوصيلية بالمخ وضوحًا حتى الآن. غير أنه - وحتى عند أعلى درجات الاستبانة الحَيِّزِيّة (ملليمتر مكعب واحد) - فإن كل نقطة حجمية (فوكسل voxel) -وهي أصغر عنصر يمكن تمييزه بالعين في بنيانٍ ثلاثيِّ الأبعاد- تحتوي على عشرات الآلاف من الخلايا العصبية، وهو ما يظل بعيدًا كل البعد عن الوصلات العصبية التي جرى رسمها في ذبابة الفاكهة بدرجة وضوح تكْفلُ ظهورَ الخلية العصبية المنفرِدَة.

"إذا كنت تظن أن تشريح المخ بات مشكلة محلولة، فدعنا نخبرك أنه ليس كذلك"، بحسب  قول فان فِيدِين، عالمُ أعصابٍ بمستشفى ماساتشوستس العام في تشارلستاون، وباحثٌ رئيس بمشروع الوصلات العصبية البشرية (HCP)، وهو اتحاد دولي تموله حكومة الولايات المتحدة، والذي نَشرَ خريطة المخ.

هكذا تجري الأمور في عالم البيولوجيا العصبية، حيث البيانات الضخمة حقًّا ضخمةٌ على نحو ملحمي. ورغم التقدم في البنية التحتية الخاصة بالحوسبة وتحويل البيانات، فإن علماء الأعصاب ماضون في التعامل مع نسختهم الخاصة من ثورة "البيانات الضخمة" التي اكتسحت مجال علم الجينوم قبل عقود مضت.

بيد أن رسم خرائط المخ، وسَلْسَلَةَ الحمض النووي هما تحدِّيان مختلفان، فالمجموعة الواحدة من بيانات التصوير العصبي يمكن أن تقاس بالتيرابايت، أي ما يفوق حجم الجينوم الكامل للثدييات بمقدارين أو ثلاثِة مقادير أُسِّيَّة. وبينما يستطيع علماء الوراثة أن يتأكدوا من أنهم أَتَمُّوا فكَّ شفرة قطعة من الحمض النووي، فإن راسمي خرائط المخ يفتقرون إلى نقاط توقف واضحة، ويصارعون مجموعات أغنى من البيانات الخاصة بالتصوير والفِيزْيُولُوجْيا الكَهْرَبِيَّة، ويتنازعون طيلة الوقت حول أفضل الطرق لجمع البيانات وتبادلها وتفسيرها. غير أنه مع تطوير العلماء لأدوات مشارَكةِ وتحليل مجموعات بيانات علم الأعصاب التي لا تتوقف عن الاتساع، يتفق العلماء على إدراك أن فَكَّ رموز المخ يحتاج إلى جهدٍ جماعي مُنَسَّق.

يستطيع العلماء رسم خرائط المخ على مستويات متعددة. ويهدف مشروع HCP إلى رسم خريطة لوصلات الدماغ على مستوى عِياني، باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI). وتقوم بعض المعامل برسم خرائط المسارات العصبية على المستوى المجهري، بينما آخرون مثل معمل شيانج، يتعقبون كلَّ مشبك وفرعٍ عصبي بدقةٍ على المستوى النانوي. وهناك مَعامِل أخرى تعمل على التوفيق بين هذه الخرائط وأنماط التعبير الجيني أو قياسات الفِيزيُولُوجْيا الكَهْرَبِيَّة أوالبيانات الوظيفية الأخرى. تَستخدِم المناهج البحثية طرقًا مختلفة، لكنها جميعًا تُسفِر عن بيانات ضخمة (انظر "بيانات ضخمة بالأرقام").

ما مدى ضخامة البيانات؟

ترجع الضخامة جزئيًّا إلى أن المخ - بغض النظر عن نوع الكائن - كبير جدًا ومترابط.كما تنبع الضخامة أيضًا من الأبعاد الهائلة للخلايا، فمحور الخلية العصبية، وهو الامتداد الرئيس للخلية العصبية في الثدييات، قد يبلغ طوله 200 ألف مرة قدرَ عرْضِ أصغر أفرُعِها، والتي تسمى التفرعات الشجرية. وإذا كان لنا أن نبني نموذجًا تكون فيه خيوط المكرونة "سباجيتي" بمنزلة التفرعات الشجرية، فإن محور الخلية العصبية ذاتها قد يبلغ طولُه ثلثَ كيلومتر، أو أربعة أمثال طول ملعب كرة القدم الأمريكية.

يقوم الباحثون في المعمل برسم كل خلية عصبية رسمًا تخطيطيًا، عن طريق تَتَبُّع الآلاف من تقديراتها، من خلال المئات من صور المخ المتراكبة. ويُتيح الفحص المجهري الضوئي درجةَ وضوحٍ تبلغ ما بين ربع ونصف ميكرومتر، والتي تكفي لتَبَيُّن الجسم الرئيس للخلية المنفردة. لكن الكشف عن التشابكات العصبية، تلك الوصلات الدقيقة التي تسري من خلالها الإشارات الكيميائية والكهربية، يتطلب وضوحًا على مستوى النانومتر، وهو ما يتيحه المجهر الإلكتروني. إن الوضوح الأعلى يعني مجالات أصغر للرؤية، ومن ثم صورًا أكثر. والصور الأكثر تعني بياناتٍ أكثر.

يقول آرثر توجا، الذي يقود معمل التصوير العصبي بجامعة كاليفورنيا الجنوبية، في لوس أنجيليس "لم نعد نتعامل بوحدات الميجابايت، ولا حتى الجيجيابايت، نحن نتعامل مع بيانات تُقدَّر بوحدات التيرابايت، والتي يُعَدُّ مجرد نقلها من مكان إلى آخر مشكلة بذاتها". إن 2 تيرابايت من البيانات يمكن أن تشغل مساحات الأقراص الصلبة للكثير من أجهزة الكمبيوتر المكتبِيَّة.

" إذا كنت تظن أن تشريح المخ بات مشكلة محلولة، فدعنا نخبرك أنه ليس كذلك "

قام فريق شيانج الذي يعمل على ذبابة الفاكهة بفرز صور يقدر حجمها بواحد تيرابايت، بهدف إعادة بناء 1000 خلية عصبية – أي أقل من 1% من مخها. ولرسمِ خريطةٍ للقشرة المخية في البشر حلَّلَ باحثو مشروع HCP بياناتِ تصويرٍ بالرنين المغناطيسي حجمها 6 تيرابايت، تخُص 210 من الشباب البالغين الأصحاء، بحسب كاميل أوجَربِيل، الباحث المشاركُ الرئيس في مشروع HCP بجامعة منيسوتا، في منيابوليس. وتستطيع المعاملُ تنزيلَ هذه البيانات من موقع المشروع، وفي حالة البيانات الأكبر حجمًا يمكنها أن تشتري أقراصًا صلبة سِعَة 8 تيرابايت، بسعر 200 دولار أمريكي للقرص.

أصبحت دراسات الفِيزيولوجيا الكَهرَبِيَّة صعبةً حسابيًا. فاليوم يحصل الباحثون روتينيًا على تسجيلات لمئات الخلايا العصبية في المرَّةِ الواحدة. وقريبًا ستصبح آلافًا، وفي غضون خمس سنوات سوف تصبح مئات الآلاف، وفق ما يقول ألكسندر بوجِيه، عالِم أعصاب بجامعة جنيف، سويسرا، والذي يضيف قائلًا "إن ذلك هو نوع القفزة التي سنقوم بها".

وتأتي هذه البيانات في صِيَغٍ متعددة، فنشاط المخ يمكن أن يَظهر على هيئة قِمَمٍ وسط خربشاتٍ على لوحات الرسومات البيانية للفيزيولوجيا الكهرَبِيَّة، أو على هيئة ومضات خضراء من أيونات الكالسيوم المتحركة دخولًا وخروجًا من الخلايا العصبية. وعلى هذه الصور الخضراء يمكن أن تشير ظلالٌ متألقة إلى الخلايا التي تُرسل الإشارات وتستقبلها. ويستطيع الباحثون جمع البيانات بينما يكون الأفراد المشاركون في التجربة يتجولون داخل متاهة، أو يبحثون عن طعام، أو يشاهدون نقاطًا تومض على شاشة.


إذا سَجَّلتَ 20 دقيقة من النشاط العصبي في مخ الفأر، فسوف يتكَّون لديك حوالي 500 بيتابايت من "الخفقات" التي يمثَّل فيها نشاط الخلية العصبية بتَغَيُّرٍ في قِيَمِ نقطة الصورة، بحسب قول عالم الأعصاب فلوريان إنجَرْت بجامعة هارفارد، كيمبريدج، مضيفا "لكن لا أحد يهتم بنقط الصورة، فاهتمام الناس ينصَبُّ على تحديد أي الخلايا العصبية يتصل بأي خلية أخرى، ومتى تنشط تلك الخلايا". عن طريق عزل كل خلية عصبية، وتخصيص معالم زمنية تشير إلى لحظات نشاطها يمكنك، بحسب إنجرت، أن تُقَلِّصَ مجموعة البيانات إلى حجم  يسهل التعامل معه ويبلغ 500 جيجابايت.

يقول إنجرت "إن المحتوى المعلوماتي للبيانات الخام ليس له أهمية عمومًا"، ويعقد مقارنةً مع سَلْسَلَةِ الجينوم، فقبل توافر المُسَلْسِلات الأوتوماتيكية كان الباحثون يقرأون الحمض النووي كأنماطٍ مرتَّبةٍ من الأشرطة على ألواح من مادة البولِي أكْرِيلامَيْد الجيلاتينية مُعرضة للأشعة السينية. الآن تُحَوِّل خوارزميات الحاسوب هذه الأشرطةَ إلى سِلسِلة من القواعد الأربع المكوِّنة لشريط الحمض النووي، وهي G، A، T، وC، ولا أحد يُخَزِّن الصورَ الأصلية. و يقول إنجرت إنه بالمثل يجب على علماء المخ أن "يركزوا ليس على تنسيق البيانات الخام وتوزيعها فحسب، ولكن على تطوير الخوارزميات"، بهدف تشفير المعلومات لتخزينها في أحجامٍ أصغر. ويضيف أنه في الحالة النموذجية، قد تُمكن تلك الخوارزميات الميكروسكوبات التي تجمع البيانات من ضَغْطِها أيضًا.

إن الفكرة حصيفة، ولكن قد يثبت أنها صعبة التطبيق في حالة المخ، وذلك جزئيًا بسبب الرياضيات. فمن أجل تحديد تركيب البروتين باستخدام التحليل البلوري بالأشعة السينية، على سبيل المثال، هناك "نموذجٌ نظريٌّ نظيف للغاية"، وهو سلسلة من المعادلات التي تربط خصائص محددة للبروتين بخصائصَ قابلة للقياس في نمط حيوده عن الأشعة، وذلك بحسب ما يقول جريج فاربر، مدير أرشيف بيانات المعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية (NIMH) في روكسفيل، ماريلاند، والذي يضيف قائلًا إنه لكي تتمكن من رسم التركيب ثلاثي الأبعاد، "قد يتطلب منك الأمر أن تقيس مجرد شدة إضاءة البقع، دون أن تحتاج للاحتفاظ بكثيرِ الكثير من بيانات النقط الأخرى للصورة على شريط الفيلم".

لا يملك علماء الأعصاب نموذجًا مماثلًا، فليس ثمة خريطة تربط التوصيل والنشاط العصبي بالسلوك أو الذاكرة أو الإدراك. ويقول فاربر  إنه في ظل التعقيد الهائل للمخ، فالمشكلة "ليست في أن لدينا بياناتٍ كثيرةً للغاية، ولكن لأننا لا نملك ما يكفي من البيانات للتعامُل مع التعقيد الذي نحاول دراسته".

مسألة "عدم كفاية" البيانات تجد صدى لدى جولي كورنبِرج، عالمة الأعصاب، والتي تَدرسُ اضطرابات نمو الأعصاب في جامعة يوتا في سولت ليك سيتي. الافتراض الشائع عن هذه الأمراض هو أن تغير الجينات يؤدي إلى تشوُّه في تكوين البروتين داخل خلايا عصبية معينة، وهو ما يغيِّر بالتالي من التشبيك العصبي للمخ، على نحو يسبب قصورًا سلوكيًا مميَّزا. يمكن للتصوير بالرنين المغناطيسي الكشف عن التغيُّرات الإجمالية في البنية التشريحية العصبية، مثل تَضَخُّم مناطقَ بالمخ. لكن التغيُّرات الطفيفة تتطلب طرقًا تضمَن درجاتِ وضوح أعلى، مثل استخدام المجهر مُتحِد البُؤَر أو المجهر الإلكتروني. لكن البيانات الخاصة بالتصوير باستخدام هذه الطرق تُخزَّن إلكترونيًا في شكل مختلف تمامًا، ولا توجد وسيلة للتحوُّل من شكل إلى آخر، فبمجرد أن يُكبِّر العلماءُ الصورة إلى المستوى الذي يُمَكِّنهم من رؤية فرادى الخلايا، فإنهم لا يستطيعون العودة مرة أخرى إلى مشاهدةِ تلك الخلايا مجتمعةً في سياق المخ بأكمله.

بناء جسر

على مدار السبعة عشر عامًا الماضية كانت كورنبِرج وزملاؤها يعملون على سَدِّ هذه الفجوة برَسمِ خريطةٍ للجهاز الحُوفِيّ بِقِرَدَةِ المَكاك. إن لهذه الرئيسيات 6 بلايين خلية عصبية في أمخاخها، مقارنة بـ 86 بليون خلية في مخ البشر. لكن قِرَدةَ المكاك تُمثل أقربَ أقاربنا من بين كل النماذج البحثية، أقرب كثيرًا من الفأر أو ذبابة الفاكهة.

يعكف فريق كورنبرج على تطوير نظام متناسق ثلاثي الأبعاد لترتيب الأنواع المختلفة من بيانات التصوير العصبي بمخ المكاك، من تصويرِ المخ كاملًا بالرنين المغناطيسي، إلى البيانات الخاصة بالخلية المفردة المأخوذة بواسطة المجهر متحد البؤر، و وضوح التراكيب تحت الخلوية الذي يتيحه المجهر الإلكتروني – بالنسبة لبعض مناطق المخ . إنهم يبنون "نظامًا يسمح لك بأن تختار نقطةً في إحدى الصور، وتنظر إلى النقطة نفسها في صورة مأخوذة بدرجةِ وضوحٍ مختلفة"، بجسب قول جانِين سيمونز، رئيس برنامج العاطفة والسلوك والإدراك الاجتماعي بالمعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية، والذي يُموِّل جزئيًّا المشروعَ البحثيَّ لكورنبرج. إنه يشبه برنامج جوجل إيرث، وفق ما تقول سيمونز – فعلى سبيل المثال، بإمكانك أن تُغَير التكبير من 40X إلى 1X، ولكن لا يمكنك بالضرورة الوصول إلى درجات تكبير متوسطة بين الدرجتين.

إن رسمَ خريطةٍ للجهاز الحُوفِيّ الكامل لقرد المكاك باستخدام عدسة موحدة البؤر ذات قوة تكبير 20X سوف يتطلب مجموعات ضخمة من البيانات، تفوق 600 تيرابايت لكل حيوان. حتى الآن جَمعَ الفريق نحو 100 تيرابايت من البيانات، والتي يمكن الوصول إليها من جهاز تخزين متصل بالشبكة، والذي يتكون من مجموعة من الحواسيب الرئيسية المحلية سِعَتُها 30 تيرابايت مع وحدةِ تخزينٍ سحابيّ. ويستطيع الباحثون التعامل مع بعض الأسئلة باستخدام مجموعات بيانات مُقَلَّصة وحاسب نقّال (لابتوب) جيد، بحسب ما تقول كورنبِرج. لكن التعامل مع مجموعات البيانات الضخمة للصور ثلاثية الأبعاد متحدة البؤر يحتاج إلى وحدات تشغيل خاصة، وحتى مع استعمالها، فإن استخلاص صورة جلية واحدة يكون بطيئًا.

كبر الصورة

بالرغم من ذلك، يقول باتريك هوف، عالِم تشريح الأعصاب بكلية ماونت سيناي للطب في مدينة نيويورك، والذي سبقَ له أن تَعاوَنَ مع كورنبِرج، إن هذا العمل الذي لم يُنشر بعد "يُحتمَل أن يكون بمثابة تقدم هائل في مجال علوم الوصلات العصبية". ومن جانبها تقول كورنبرج إن البيانات يمكن على سبيل المثال أن تساعد العلماء على الربط بين الجينات التي تبدو مهمة في بعض حالات الأمراض العقلية مثل الفُصام أو التَّوحُّد، وبين عيوبٍ محددةٍ في التشابك العصبي في المخ.

وبينما يسعى العلماء للوصول إلى ما وراء حدود الممكن، فإنهم يقومون بخلق شبكة أنابيب حاسوبية للتعامل مع فيض النتائج المتعاظمة والأدوات الجديدة – مثل برامج الكمبيوتر "ثندر" و"بِج داتا فِيوَر"، لتبادل البيانات الناتجة ومشاهدتها. لكن الأمر سوف يحتاج إلى ما هو أكثر من تطوير الأدوات لتذليل مشكلات البيانات التي يواجهها علماء الأعصاب. مطلوب أيضا تغيُّر ثقافي، إذ من الصعب "جعل الناس يتخلون عن بياناتهم"، يبحسب قول راسل بولدراك، عالم النفس بجامعة ستانفورد، في كاليفورنيا، الذي يستخدِم التصويرَ العصبيَّ لدراسة التعلُّم والذاكرة. ويضيف إنه قد يكون  "شأنًا يخص الجيل"، بحسب قوله، فجيل الألفِيّة لديهم "قابلية أكثر من جيلي لتبادل الرموز والبيانات". ويعبر بولدراك عن قلقه من أن النخبة من العلماء قد يتركون المجال بسبب الإحباط من العلم الذي "لا يتسق مع القيم التي يظنون أنه يجب أن يتحلى بها".

لكن المواقف تتغير ببطء، إزاء البرمجيات أولًا، ثم إزاء البيانات. فمعامل التصوير العصبي تستهلك تقليديًا الكثيرَ من الوقت في تنزيل وتثبيت نفس النسخ التجريبية للبرمجيات، وذلك من خلال "الدخول غير القانوني إلى معترك سوء أداء البرمجيات، والاختناقات الحاسوبية المختلفة، وكتابة المقاطع غير الضرورية من الرموز، وتنفيذ حلولهم الخاصة لإدارة البيانات، من أجل التغلُّب على المشكلات ذاتها"، بحسب قول ديفيد جريسون، طالب دكتوراة في علم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا، في ديفيس. ويضيف أن الأسوأ أن الكثير من المهام غير البحثية يتم إسنادها إلى الطلاب والباحثين بمرحلة ما بعد الدكتوراة، وشباب الباحثين، ممن لهم ميول تكنولوجية  لكنهم "لم يسجلوا أسماءهم ليصبحوا مديري نظم".

في عام 2005، تم إنشاء المرفق الدولي لتنسيق المعلوماتية العصبية (INCF)، وهي منظمةٌ غير هادفة للربح مقرها ستوكهولم، بقصد التطوير والإرتقاء  بالمعايير، والأدوات، والبنية التحتية لباحثي المخ حول العالم. ثم دَشَّنت الولايات المتحدة بعد ذلك بسنوات قليلة "غرفة تبادل معلومات أدوات ومصادر المعلوماتية العصبية" (NITRC)، لتكون منصة لتداوُل الأدوات الحاسوبية المستخدمة في مجال التصوير العصبي. تقول نينا بريوس، مدير برنامج NITRC، ومقرها الإداري في واشنطن العاصمة، إنه في ذلك الوقت "لم يكن أحدٌ يفكرُ حتى في تبادل البيانات، وإنما فقط تبادل البرمجيات".

تَغيَّرَ ذلك مؤخرًا عام 2009، عندما أتاحَ باحثون بمعهد ناثان إس. كلاين لأبحاث العلاج النفسي في أورانجبِرج، نيويورك، لموقع NITRC ، بياناتٍ جُمِعت بواسطة التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي (fMRI) في حالة الراحة، لأكثر من 1200 متطوع للمشروع المعروف باسم مشروع الألف وحدة اتصال وظيفي (FCP). كانت هذه النتائج مجرد مزيج من البيانات الخام، ولكن في غضون أسابيع قليلة قام مستخدمو NITRC بتنزيل مجاميع البيانات 700 مرة. تقول بريوس "كان هناك ذلك الاحتياج المكتوم للبيانات التي يمكن للناس تنزيلها بحُرِّية والتعامل معها" .

تصاعدت أعداد التنزيلات إلى الآلاف بمجرد قيام الباحثين بتنقيح بيانات التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي وجعلها قابلة للبحث. وبعد نشر البيانات2 حظيت الورقة البحثية بعدد من التنزيلات يربو على الألف خلال أول أسبوعين . وفي نفس السنة نُشر أيضًا أول بحث3 أجري بواسطة باحثين مستقلين ممن قاموا بتنزيل بيانات التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي  لكي يُخضِعوها لتحليلاتهم الخاصة، دون أن يكون لهم دورٌ في جمع تلك البيانات.

منذ أن أتاح HCP أولى مجموعاتِ بياناته للجميع في مارس 2013، تمكنت عشراتُ المعامل الخارجية من نشر بحوثٍ مبنية على تحليلاتٍ لبيانات المشروع. وفي المجمل أطلَقَ HCP نحو 50 تيرابايت من بيانات تصوير المخ التي أجريت على أكثر من ألف شخص، بحسب ما تقول جنيفر إيلام، منسق ميداني للمشروع في كلية الطب، جامعة واشنطن بمدينة سانت لويس، ميسوري.

 القليل من المشروعات الأصغر حجمًا تكشف عن بياناتها ، ربما لأنها ليست مضطرة لفعل ذلك. وهناك دوريات علمية قليلة تطلب أن تكون كافة البيانات التي تدعم النتائج الواردة في البحوث التي تُنشر فيها متاحةً للمجتمع العلمي، ولكن بالإجمال لا يتم تحفيز تبادُل البيانات، وفق كلام جريسون، "لا توجد دوافع قوية" للقيام بذلك النزر اليسير من العمل الإضافي.

إن النموذج التقليدي للعمل الأكاديمي لا يفيد الأمرَ كثيرًا. فقد درَجَ الباحثون على تطوير الفرضيات والعمل على أفكارهم الخاصة، مستقلين عن أقرانهم في مجموعتهم البحثية. في مثل هذه البيئة لا يؤدي البحث العلمي إلى جمع الناس، بل يباعد بينهم، طبقًا لما تقوله هونكوي زِنْج من معهد ألين لعلم المخ في سياتل، واشنطن، والتي تضيف "تحتاج إلى أن تُميزَ نفسَك، فلكي تُرسخ هويتك في الوسط العلمي يتحتم عليك أن تفعل شيئا مختلفًا عما يفعله الآخرون".

التحقت زِنج بمعهد ألين عام 2006 بحثًا عن تغيُّر ثقافي، فقد بادر المعهد بوضع أهداف طموحة لتحقيقها في خمس سنوات، وهو ما تطلب فرقًا تعمل بطريقة منظمة وتعاونية، بحيث تصل بالمشروع البحثي إلى الاكتمال بدلًا من تنفيذه قطعة قطعة، كما يمكن أن يحدث في المعامل المنفردة.

عندما يتعلق الأمر بالمخ فإن تعبير ’كامل‘ قد يشكل هدفًا مثيرًا. لكن الشيء نفسه ينطبق على مجموعة الأدوات البحثية التي يستخدمها علم الأعصاب. وفي كلمته أمام جمعية علم الأعصاب أبدى شيانج حزنه لكونِ رسم خريطة لنصف مخ الذبابة استغرق عشر سنوات. ومن خلال العمل مع الفيزيائيين في الأكاديمية الصينية بتايوان، بدأ فريق شيانج في استخدام تقنيةٍ تُسَمّى "الرسم السطحي بِمُسرع الأشعة السينية التزامُنيّ"، بهدف تعزيز سرعة استخلاص البيانات على نحو هائل.

"استغرق الأمرُ أقلَّ من عشر دقائقَ لتصوير مخ الذبابة، الذي يحتوي على آلاف الخلايا العصبية المصبوغة بصبغة جولجي"، بحسب قول شيانج، الذي يطبِّق طاقَمُه الآن تلك الطريقةَ على الجرذان والخنازير. كما أنهم يخططون لدمج الصور المأخوذة بالمجهر متحد البؤر مع تلك المأخوذة بالأشعة السينية، وإتاحتها على منصة واحدة، يستطيع العلماء تنزيل البيانات منها. يقول شيانج "إن استخدام التصوير بمسرع الأشعة السينية التزامني، جعلَ رسمَ وحداتِ التوصيل العصبي في البشر، بوضوحٍ يُظهِرُ الخلية العصبية الواحدة، أقربَ إلى الحقيقة". . أما مدى السهولة التي سيكون عليها خلطُ الخرائط مع البيانات الأخرى، فهو أمر ما زال ينتظر الاكتشاف.

  1. Glasser, M. F. et al. Nature 536, 171–178 (2016).
  2. Biswal, B. B. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 107, 4734–4739 (2010).
  3. Tomasi, D. & Volkow, N. D. Proc. Natl Acad. Sci. USA 107, 9885–9890 (2010).