NATURE | أخبار

روبوتات تتوقف؛ كي تشم الزهور

تحديث تكنولوجي متقدم في بيولوجيا النبات، سيمكِّن الباحثين من جمع البيانات بشكل أسرع، وبمزيد من التفاصيل.

هايدي ليدفورد

Nature (2017) doi:10.1038/541445a | Published online | English article

<p>روبوت يقيس المحاصيل في حقل زراعي بالقرب من كولومبيا في ولاية ميسوري.</p>

روبوت يقيس المحاصيل في حقل زراعي بالقرب من كولومبيا في ولاية ميسوري.

DeSouza/Fritschi/Shafiekhani/Suhas/University of Missouri

لم يكن عالِم الأحياء النباتية وباحث ما بعد الدكتوراة، كريستوفر توب، راضيًا عن الطريقة المعتادة لدراسة تطوُّر الجذور عن طريق تنمية النباتات على أطباق آجار، ووضعها على ماسحات مسطحة؛ لقياس أطوال الجذور وزواياها. وبدلًا من ذلك كان يحمِّل سيارته - بشكل دوري - بنباتات في أُصص يقطر منها الماء، ويسافر بها مسافة تزيد على 600 كيلومتر من نورث كارولاينا إلى جورجيا، من أجل تصوير عيِّناته تصويرًا ثلاثي الأبعاد، باستعمال جهاز أشعة سينية في مختبر للفيزياء.

بعد خمس سنوات، غدت فكرة استعمال التصوير التفصيلي لدراسة شَكْل النبات ووظيفته فكرة شائعة. ويتزايد أيضًا استعمال الطائرات التي تعمل بلا طيار والروبوتات لهذا الغرض، مع سعي الباحثين نحو "نبات مُقاس"، يَجري قياس كل سمة فيه بعناية ودقة من كل زاوية تقريبًا، بدءًا من طول شعر جذوره، حتى المواد الكيميائية الطيارة التي يُصْدِرها عندما يتعرض لنوع من الضغط. وتُعرف تلك السمات بالحالة الظاهرية للكائن، ويبحث العلماء عن طرق أسرع وأكثر شمولية لتوصيفها.

يجتمع العلماء في توسون في أريزونا، من يوم 10 إلى 14 فبراير الحالي؛ من أجل مقارنة أساليبهم ببعضها البعض. سيصف بعضهم طائرات بلا طيار، تحلِّق فوق مناطق البحث وهي مزوَّدة بكاميرات متطورة. كما سيناقش آخرون الروبوتات التي تسير متثاقلة وسط الحقول وهي تحمِل معدات لقياس معدل نمو كل نبتة.

والمأمول هو أن تسرِّع تلك الجهود عملية استنبات النباتات، وإجراء البحوث الأساسية، وتميط اللثام عن جوانب جديدة من فسيولوجيا النبات التي يمكن أن تحدِّد إنْ كان نوع معين من النبات سينمو في الحقل، أم في غيره. إنّ "الحالة الظاهرية لا نهائية"، كما يقول توب، الذي يعمل الآن لدى مركز دونالد دانفورث لعلوم النبات في سانت لويس في ميسوري. ويضيف: "إنّ أفضل ما نستطيع فعله هو التقاط لمحة منها، ونحن نريد أن نبذل ما في وسعنا؛ لالتقاط أكثر الجوانب شمولية فيها".

إن التكلفة المتناقصة لعملية وضع تسلسل الحمض النووي قد سهَّلت كثيرًا العثور على الجينات، لكن تحديد ما تفعله تلك الجينات يبقى تحديًا، كما يقول عالِم الأحياء النباتية أولريتش شور، الذي يعمل لدى مركز أبحاث يوليش في ألمانيا. ويضيف: "من السهل جدًّا الآن وضع تسلسلات أشياء كثيرة، لكن ما لم يُطوَّر بالسرعة نفسها هو تحليل بِنَى النباتات ووظائفها".

وينظر المشتغلون باستنبات النباتات أيضًا إلى ما هو أبعد من السمات التي اعتادوا التركيز عليها، مثل الإنتاجية، وعلو النباتات؛ من أجل الوصول إلى طرق أسرع لتحسين المحاصيل. يقول جوستافو لوبوس، أخصائي الفسيولوجيا البيئية بجامعة تالكا في تشيلي: "إن هذه السمات مفيدة، لكنها غير كافية"، ويضيف قائلًا: "لاستيعاب ما يحدث في التغير المناخي والأمن الغذائي، يود بعض المشتغلين باستنبات النباتات أن يصبحوا أعلى كفاءة"، فالباحثون الهادفون إلى زيادة القدرة على تحمُّل الجفاف مثلًا، يمكنهم النظر في الخصائص التفصيلية لمنظومة جذور أحد النباتات، أو في تشكيلات أوراقه.

ثمة حاجة إلى السرعة

ولَّدت متطلبات هؤلاء الباحثين نتاجًا متزايدًا من مرافق ومشروعات تحديد الحالة الظاهرية. ففي عام 2015، أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية عن مشروع بقيمة 34 مليون دولار أمريكي، من أجل تطوير روبوتات، ومجسات، وأساليب ضرورية لتوصيف نبات السرغوم (وهو نوع من المحاصيل المُنتجة للوقود الحيوي). وفي العام الماضي، أطلق الاتحاد الأوروبي مشروعًا؛ لإقامة شبكة أوروبية من مرافق عدة؛ لتحديد الحالة الظاهرية. وظهرت شبكات أكاديمية في مختلف أنحاء العالم لدى محاولة باحثي النباتات توحيد الأساليب وتحليل البيانات.

إنّ تحديد الحالة الظاهرية يُستخدم على نطاق واسع في الصناعة منذ مدة طويلة، بيد أن تكلفته كانت باهظة بالنسبة إلى الباحثين الأكاديميين، كما تقول فيونا جوجِن، التي تدرس التفاعلات التي تتم بين النباتات والحشرات، في جامعة أركنساس في فايتفيل. وتضيف قائلة إن الأسعار المتناقصة للكاميرات والطائرات التي تعمل بلا طيار في الوقت الحالي، إضافة إلى نشوء حركة "الصانع"، أو "maker"، التي تهتم بالأجهزة منزلية الصنع، تُغري مزيدًا من الأكاديميين لدخول المجال.

ويقوم مختبر المهندِسة البيولوجية سيندهوجا سانكاران - في جامعة ولاية واشنطن في بولمان - بالتحضير لنشر طائرات بلا طيار، محملة بجهاز "الليدار"، وهو المكافئ الليزري للرادار. سيقوم النظام بمسح الحقول الزراعية؛ من أجل جمع بيانات عن أطوال النباتات، وكثافة أوراقها وأغصانها. كما تستخدم سانكاران مجسّات؛ لقياس المواد الكيميائية الطيارة التي تُصدرها النباتات، خاصة عندما تتعرض لهجوم من حشرات، أو عند الإصابة بمرض ما. وهي تأمل فيما بعد أن تقوم بتركيب المجسّات على روبوتات.

إنّ الآلات الميكانيكية المُسَخَّرة، الخاصة بسانكاران، تعود من مواسمها الحقلية بمئات من الجيجابايت من البيانات الخام. وتحليل النتائج يُبْقِي أعضاء فريقها ملتصقين بأجهزة الحاسوب لفترات طويلة من السنة، كما تقول. ولا يدرك الكثير من الباحثين مقدار الجهد والذكاء الحاسوبي الضروريين للخوض في غمار تلك البيانات، كما يقول إدجار سبالدينج، وهو عالِم في بيولوجيا النبات في جامعة ويسكونسن ماديسون. ويضيف: "هرع مجتمع تحديد الحالة الظاهرية لجمع البيانات، في حين تأتي الحوسبة كفكرة ثانوية".

إنّ توحيد هذه التكنولوجيا يُعَدّ بمثابة عقبة أخرى، كما يقول ناثان سبرِنجر، أخصائي علم الوراثة في جامعة مينيسوتا في سانت بول. فعدم وجود معدات كافية يمكن لأي شخص أن يستعملها يعني أنه يتعيَّن على بعض الباحثين الاعتماد على طرق أبطأ لجمع البيانات. عمل سبرِنجر مع 45 مجموعة بحثية؛ لتوصيف 1000 نوع من الذُّرَة، التي تم إنماؤها في 20 بيئة مختلفة عبر الولايات المتحدة، وكندا. ويقول إنّ المشروع قد اعتمد بشدة على القياسات اليدوية، بدلًا من الطائرات التي تعمل بلا طيار، والروبوتات.

أمّا توب، فقد أصبح يملك الآن آلته الخاصة؛ من أجل جمع صور مقطعية محوسبة، إلا أن معالجته للعينات ما زالت بطيئة بعض الشيء عما يرغب. وهو يتحدث بِتَجَلٍّ عن مرفق في جامعة نوتِنجهام في المملكة المتحدة، يُسرِّع عمليات المسح باستعمال روبوتات؛ لإدخال النباتات في آلة التصوير المقطعي المحوسب، لكنه مسرور مِن أنه لم يعُد عليه أن يحمل نباتاته المثقَلة بالماء عبر ثلاث ولايات؛ لإجراء القياسات، ويقول: "الإمكانات غير متناهية".