أخبار

اكتشاف الأدوية: الكيميائيون يحذِّرون من جزيئات خادعة

مستخلص بهار الكركمين يخدع الفحوص، ويضلل صائدي العقاقير.

مونيا بيكر
  • Published online:

<p>الكركم.. مصدر لتبديد الجهود والتمويل.</p>

الكركم.. مصدر لتبديد الجهود والتمويل.

Kai Wong/iStock/Getty

داخل بَهار الكركم الأصفر الذهبي يختبئ مُخَادِع كيميائي، يُدعى "الكُرْكُمين"، وهو جُزيء يُوصف كثيرًا بأن له نشاطًا طبيًّا، ولكنه يعطي إشارات خاطئة في اختبارات فحص العقاقير أيضًا. وقد حَذَّرَ الكيميائيون – لسنوات عديدة - من "الكُرْكُمين"، وغيره من المركّبات التي يمكن أن تضلل صائدي العقاقير السذج.

وفي محاولة للحَدّ من التدفق المستمر للبحث الفوضوى، نشر العلماء المراجعة النقدية الأكثر شمولاً حتى الآن عن "الكُرْكُمين"، التي خلصت إلى أنه لا يوجد أي دليل على وجود فوائد علاجية محددة له، على الرغم من آلاف الأوراق البحثية، وأكثر من 120 تجربة إكلينيكية. ويأمل العلماء أن يمنع تقريرهم المزيد من البحوث المهدَرة، وينبه الغافلين إلى أن المواد الكيميائية قد تبدو - في كثير من الأحيان - كهدف ناجح خلال الفحص، ولكنْ مِن غير المرجح أن تسفر عن عقار ناجح.

يقول مايكل والترز، الكيميائي الطبي في جامعة مينيسوتا في مينيابوليس، والمؤلف الرئيس للمراجعة النقدية،  (K. M. Nelson et al. J. Med. Chem. http://dx.doi.org/10.1021/acs.jmedchem.6b00975; 2017) ، التي نُشرت في ينايرالماضي: إنّ "الكُرْكُمين هو حكاية تحذيرية". إن اختبارات فحص العقاقير المستخدَمة في العادة تكشف ما إذا كانت المادة الكيميائية تستطيع التمسك بموقع الربط على البروتين المتورط في المرض، أم لا، مما يشير إلى أن تلك المادة قد تكون نقطة انطلاق لإيجاد دواء، ولكن بعض الجزيئات، مثل "الكُرْكُمين"، يُظْهِر هذا النشاط بعينه، في حين أن ليس لديه شيء. وقد تتألق الجزيئات بشكل طبيعي؛ لتُحْبِط بذلك  المحاولات الرامية إلى استخدام الفلورة كإشارة لارتباط الجُزيء بالبروتين. وقد تعطل أغشية الخلايا، لتخدع الفحوص التي تحاول اكتشاف العقاقير التى تستهدف بروتينات معينة بالغشاء الخلوي. وقد تتحلل خلسة إلى مركبات أخرى ذات خصائص مختلفة، أو تحتوي على شوائب لها نشاط حيوي خاص بها.

يسمي الكيميائيون هذه المهيِّجات بـPAINS (مركّبات تتداخل مع الفحوص الشاملة)، و"الكُرْكُمين" هو واحد من أسوأ تلك المركّبات. يقول جيمس إنجليز، الذي يدير تطوير الفحص وتكنولوجيا الفرز في "المركز الوطني للنهوض بالعلوم الانتقالية" فى بيثيسدا بولاية ميريلاند: ""الكُرْكُمين" هو الطفل المدلل لهذه الجزيئات المنحلة، التي تظهر عادة في اختبارات الفحص". ويضيف: "العديد من الأشخاص ممن يقومون بهذا النوع من العمل ليسوا على دراية بكل المشكلات التى قد يتسبب فيها هذا الشيء من الناحية التقنية".

تقول جوندا جورج، رئيس التحرير المشارك في دورية Journal of Medicinal Chemistry ، التي نشرت المراجعة النقدية: "لقد أُهدِر الكثير من الجهد والتمويل على بحوث الكُرْكُمين". ومع ذلك تشهد دوريتها سيلًا منتظمًا من المخطوطات البحثية الخاصة بـ"الكُرْكُمين"، على حد قولها. ويقول جيدو باولي، باحث المنتجات الطبيعية في جامعة إلينوي في شيكاجو، والمؤلف المشارك للمراجعة النقدية: "تم اقتراح "الكُرْكُمين" كعلاج لبعض الاضطرابات، مثل ضعف الانتصاب عند الرجال، ونمو الشعر المتزايد، والصلع، والسرطان، ومرض الألزهايمر، لكنه لم يثمر أبدًا عن علاج مثبت علميًّا.

يَعتقِد باولي أن جزءًا من المشكلة أن الباحثين لا يعرفون دائمًا الجُزيء الذى يدرسونه، حيث تحتوي مستخلصات الكركم على العشرات من المركّبات، إلى جانب "الكُرْكُمين"، والذي يرمز - في حد ذاته - (كتعبير مختزل) لثلاثة جزيئات ترتبط ارتباطًا وثيقًا. في بعض الحالات، قد يلاحِظ الباحثون تأثيرات حيوية واعدة، لكنْ ينسبونها إلى الجزيء الخطأ.

يقول والترز: "إنّ التفسيرات الخاطئة تتغذى على نفسها. ويتم الإبلاغ عن وجود تأثير للكركمين، حتى لو كان الفحص معيبًا"، ويضيف :"يقبل الناس ما هو موجود في الدراسات العلمية بأنها صحيحة، ثم يبنون فرضية، على الرغم من أنها لا تصمد". ولا يبدو أن العلماء يفحصون الدراسات العلمية؛ لمعرفة ما إذا كان قد تم الإبلاغ عن مركّبات باعتبارها جدلية، أم لا. وهناك 15 مقالة على الأقل عن "الكُرْكُمين"، سُحبت منذ عام 2009، وتم تصويب العشرات منها.

لا يزال العديد من الباحثين متفائلين إزاء "الكُرْكُمين". تقول جولي ريان، المختصة فى علاج الأورام بالإشعاع في المركز الطبي بجامعة روشستر، نيويورك: "هناك أدلة على أن النشاط الحيوي للكوركومويدات حقيقي"، وتضيف قائلة إنه يتفاعل مع العديد من البروتينات المختلفة، ولذا.. فإنه يعمل بطريقة مختلفة عن العديد من العقاقير. وقد اختبرت ريان "الكُرْكُمين" في التجارب الإكلينيكية لالتهابات الجلد على أكثر من 600 شخص، وعلى الرغم من أنها لم تجد له أي تأثير ذي أهمية، إلا أنها ترى أن هناك بعض المؤشرات التي تستدعي المزيد من الدراسة. وتعتقد أن أشكالًا معدلة كيميائيًّا من "الكُرْكُمين" قد تكون أكثر فاعلية في الوصول إلى الأنسجة.

ويقول بيل زورشر - عالِم الأحياء الكيميائية في جامعة نورث كارولينا، تشابل هيل - إنّ المراجعة النقدية أظهرت أن الحصول على إجابات حقيقية سيكون أمرًا صعبًا. ويضيف: "قد يكون من الجيد أن تكون لدى "الكُرْكُمين" أو مستخلصات الكركم تأثيرات مفيدة، ولكنّ الوصول إلى حقيقة الأمر معقد، وربما يكون مستحيلًا".