NATURE | تحقيق إخباري

أسباب موت الطيور الساحلية حول العالم

يواجه الباحثون هجمات الدببة القطبية، والبعوض، والنوارس في المنطقة القطبية الكندية أثناء بحثهم عن علامات الإنذار بوفيات الطيور.

مارجريت منرو

Nature (2017) doi:10.1038/541016a | Published online | English article

<p>في صيف شديد البرودة، يمسح بول سميث الأراضي القطبية الممتدة، بحثًا عن الطيور الساحلية.</p>

في صيف شديد البرودة، يمسح بول سميث الأراضي القطبية الممتدة، بحثًا عن الطيور الساحلية.

Malkolm Boothroyd

أربعة من علماء الأحياء يحملون بنادقهم، ويهبطون من إحدى المروحيات إلى جزيرة ساوثامبتون في شمال كندا، يتلفتون حولهم بحذر، تحسبًا لوجود دببة قطبية، ثم يشقون طريقهم عبر السهل الممتد حتى ساحل خليج هدسون، المكسو بالثلوج، مرتدين أحذية مضادة للماء، تغطي سيقانهم.

تبلغ تكلفة المروحية حوالي 2,000 دولار للساعة، ولدى الباحثين 90 دقيقة فقط على الأرض ليعدّوا الطيور الساحلية التي جاءت لتتكاثر على الأراضي الرملية التي اجتاحتها الرياح بالقرب من الدائرة القطبية، فتكلفة السفر إلى هذه البقعة عالية جدًّا بالنسبة إلى الطيور أيضًا. سافرت طيور زمّار الرمل، والزقزاق، والدريجة الحمراء إلى هنا، قادمةً من المناطق الاستوائية، ومن نصف الكرة الأرضية الشمالي. تقطع هذه الطيور رحلات الذهاب والعودة الملحمية هذه كل عام، حتى إن بعضها خلال فترة حياته يقطع مسافة إجمالية تتجاوز المسافة من الأرض إلى القمر.

بيد أن الطيور لا يمكنها تفادي التهديدات التي تواجهها خلال رحلتها، فقد انخفضت أعداد الطيور الساحلية في المتوسط بما يقدَّر بنسبة 70% في أمريكا الشمالية منذ عام 1973، كما أن الأنواع التي تتكاثر في القطب الشمالي هي من بين الأنواع الأكثر تضررًا1. وقد حَفَّزت هذه الأرقام المتدهورة - التي لوحظت في الكثير من أنواع الطيور الساحلية حول العالم - وكالات وعلماء الحياة البرية على التحذير من أن بعض الأنواع في طريقه للانقراض، إذا لم يتم اتخاذ إجراءات لتفادي ذلك.

ورغم أن التناقص واضح للغاية، إلا أن الأسباب الأساسية غير واضحة، إذ إن الطيور الساحلية تقطع آلاف الكيلومترات كل عام، وتواجه خلال رحلتها عددًا كبيرًا من التهديدات، يصعب معها تحديد أيها أكثر تدميرًا. وتشير الأدلة إلى أن ظروف المناخ سريعةَ التغير في القطب الشمالي هي أحد الأسباب، لكنها ليست الوحيدة. ويبرز من بين الأسباب الأخرى كل من: التنمية الساحلية، والصيد في الكاريبي، والتغيرات الزراعية في أمريكا الشمالية. ويكمن التحدي في تحديد أخطر المشكلات، ووضع خطط لمساعدة الآلاف من الطيور الساحلية على التعافي.

وفي هذا الصدد، يقول عالِم البيئة بول سميث، الباحث في "المركز الوطني لأبحاث الحياة البرية" في كندا، ومقره أوتاوا: "الأمر بطبيعته في غاية التعقيد، فهذه الطيور تجوب العالم كله، ولذا.. فقد يكون السبب في موتها، أي شيء في أي مكان، في مسار هجرتها الطويل". وقد جاء سميث إلى ساوثامبتون؛ ليجمع بعض الأدلة اللازمة لحل لغز التراجع المشؤوم في أعداد الطيور الساحلية، وهو يرأس فريقًا رائدًا، يتولى تقييم تأقلم الطيور الساحلية مع القوى العنيفة التي تقف وراء التغير في الأنظمة البيئية في القطب الشمالي.

ويرى الباحثون أنه أصبح من الأهمية بمكان الآن أن نعرف دور الأحوال المناخية في القطب الشمالي في عمليتي التكاثر والبقاء. يقول جان فان جيلس، الباحث البيئي لدى "المعهد الهولندي الملكي لأبحاث البحار" في تيكسل: "إن هذا لأمر مُلِحّ للغاية، يجب أن نتعامل معه الآن، وإلا فلن تتاح لنا هذه الفرصة مجددًا". ويدرس جيلس أسباب تراجُع أعداد الطيور العائمة، المسماة بطيور الدريجة الحمراء (Calidris canutus)، التي تعيش في المنطقة القطبية الروسية.

الطلقات النارية، والفطائر المحلَّاة

يخرج سميث من معسكره الرئيس بالجزيرة، كما لو كان يخرج من معمله التقني في وادي السيليكون، مع فارق وحيد يتمثل في البندقية التي يحملها على كتفه، فهو دائم التجوال، يستيقظ قبل الساعة السابعة صباحًا، ويصعد إلى مروحيته بحلول التاسعة، متوجهًا شمالًا؛ لتفقُّد الطيور الساحلية. وفي السادسة مساءً، يدخل إلى المطبخ لتجهيز وجبة العشاء للطاقم الجائع العائد من مطاردات الأعشاش. وقبل خلوده للنوم، يعمل على إصلاح أعطال الحاسوب، ثم يهبّ فزعًا من مخدعه في الساعة الثانية صباحًا، حين يحوم دب قطبي فضولي حول المعسكر، فيردعه بعدة طلقات تحذيرية، قد تصبح موضوع حديث شيق أثناء تناول الفطائر التي يعدُّها في وقت لاحق من الصباح. وبعد الإفطار، يقوم بجولة لفحص بِرَك المياه، التي يصل ارتفاع مياهها إلى منتصف ساقَي الواقف فيها، بحثًا عن الملوثات التي ربما تضر بالطيور.

<p>يهاجر بعض طيور الدريجة الألبية (<i>Calidris alpina)</i>&nbsp;إلى القطب الشمالي، قادمًا من أقصى جنوب القارة الأمريكية الجنوبية.</p>

يهاجر بعض طيور الدريجة الألبية (Calidris alpina) إلى القطب الشمالي، قادمًا من أقصى جنوب القارة الأمريكية الجنوبية.

Malkolm Boothroyd

يعود سميث إلى هذا الموقع المسمى بـ"الخليج الشرقي" East Bay سنويًأ منذ عام 2000، حين تم إيفاده كطالب لعلم الأحياء؛ للإسهام في بناء معسكر يهدف إلى دراسة الطيور الساحلية التي لا تتوافر حولها معلومات كافية. وسرعان ما أصبح سميث مهووسًا بدراسة الطيور، التي لا يتعدى حجم بعضها حجم عصفور الدوري الصغير، والتي تهاجر عبر القارات؛ لوضع بيضها في الفضاء الفسيح. ويُعَدّ هَطْل الجليد في يونيو أمرًا عاديًّا، ثم تهُبّ رياح باردة آتية من خليج هدسون في يوليو، وتظل الثلوج متكوِّمة حتى أغسطس.

يشرف سميث - في الوقت الحالي - على الأبحاث التي تُجرى على هذه المنطقة البحثية، التي تمتد على نطاق 12 كيلومترًا مربعًا بالخليج الشرقي، الذي يُعَدّ من أكبر المعسكرات البحثية المعنية بالطيور الساحلية في القطب الشمالي. كما يشارك في قيادة البرنامج الكندي الأمريكي، المسمى بـ"برنامج القطب الشمالي لمراقبة الطيور الساحلية الإقليمية والدولية" Arctic PRISM. كان المشروع - الذي بدأ عمله في عام 2002 - قد أرسل فِرَقًا بحثية لأكثر من 2,000 موقع، تمتد من ألاسكا، حتى جزيرة بافن شرقي كندا؛ لإجراء مسوح على 26 نوعًا من الطيور الساحلية، التي تتزاوج في المنطقة القطبية الأمريكية الشمالية. وتشمل أعمال سميث ومساعِده الكندي جيني راوش المناطق القطبية الوسطى والشرقية، وقد أوشكت الجولة الأولى من المسح الشامل لبرنامج PRISM على الانتهاء.

يُعَدّ هذا الموسم قصيرًا وصعبًا بالنسبة إلى كلٍّ من الطيور، وعلماء الأحياء؛ إذ تزدهر الحياة في شهر يونيو بمنطقة الخليج الشرقي، التي تقع على بُعْد مئات الكيلومترات شمال خط الأشجار، بتزواج العديد من أنواع الطيور الساحلية، التي من بينها طيور الدريجة الحمراء، التي تساوي في حجمها طيور الحناء المهاجرة من أطراف أمريكا الجنوبية، ومن بينها أيضًا طيور الطيطوي، والزقزاق، وقنبرة الماء (Arenaria interpres)، التي تقضي فصل الشتاء في أمريكا اللاتينية والجنوبية.

تهاجر الطيور الساحلية شمالًا من أمريكا الشمالية وأوراسيا في أربعة مسارات رئيسة، ويواجه العديد منها صعوبات في تلك الرحلة. ويوضح تقرير حالة الطيور في أمريكا الشمالية 2016 (مرجع 1) - الصادر نتيجة جهد تعاوني مشترك بين هيئات الحياة البرية في الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك - حدوث تراجع كبير في أعداد مجموعات الطيور الساحلية على مدار الأربعين عامًا الماضية.

توجد في مسار الهجرة الشرق آسيوي الأسترالآسيوي - حيث تضررت الشواطئ والأراضي الرطبة بفعل التنمية الحديثة - أنواع معرَّضة لتهديدات أكبر، إذ إن طائر الدريجة ملعقية المنقار (Calidris pygmaea) مُعَرَّض لخطر كبير، ولم يتبق منه سوى مئات قليلة، وفقًا لما صرَّح به "الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة" IUCN.

كما أن هناك تهديدات كبيرة تحدق بطيور الدريجة الحمراء في العديد من القارات، حيث تناقصت سلالات طيور الدريجة الحمراء "الروفا"، التي تتكاثر في المنطقة القطبية الكندية بنسبة 75% منذ ثمانينات القرن العشرين، وهي مدرجة حاليًّا في قائمة الأنواع المعرَّضة لخطر الانقراض. وتقول راوش، وهي عالمة أحياء متخصصة في دراسة الطيور الساحلية بهيئة الحياة البرية الكندية بيلونايف: "ينتابني القلق إزاء طيور الدريجة الحمراء"، وذلك بعد أن أمضت أربعة فصول من فصول الصيف ولم تعثر على عش واحد من أعشاش طائر الدريجة الحمراء من سلالة الروفا، في مكان يُعَدّ موئل التزاوج الرئيس للطائر.

ويُعتقد أن المشكلة الرئيسة التي تواجه طيور الدريجة الحمراء من سلالة الروفا تكمن على بعد ما يزيد على 3,000 كيلومتر جهة الجنوب، حيث تتوقف الطيور أثناء هجرتها من أمريكا الجنوبية؛ للتغذي على بيض سرطانات حدوة الحصان (Limulus polyphemus) الغني بالطاقة، في خليج ديلاوير (انظر: "تعقب أزمة الطيور في القطب الشمالي"). وتشير الأبحاث إلى أن الإكثار من صيد تلك السرطانات حَرَمَ طيور الدريجة الحمراء من مصدر غذائها الأكثر احتواءً على الطاقة.

كبر الصورة

كبر الصورة

كبر الصورة

كذلك يُعَدّ التغير المناخي من أهم المشكلات التي تواجه هذا النوع من الطيور، حيث اكتشف فريق فان جيلس في هولندا أن طيور الدريجة الحمراء تنتِج نسلًا صغير الحجم في المنطقة القطبية الروسية في فصل الصيف حين يذوب الجليد مبكرًا2. ويَعتقِد فان جيلس أن السبب وراء ذلك يرجع إلى سوء التغذية، حيث تقلّ كميات الحشرات التي تتغذى عليها صغار طيور الدريجة الحمراء في الأعوام الدافئة؛ فلا يكتمل نمو الطيور.

وعندما تهاجر هذه الطيور صغيرة الحجم لتقضي فصل الشتاء في غرب القارة الأفريقية، فهي تواجه المزيد من الصعوبات، بسبب مناقيرها القصيرة، التي لا تساعدها على الوصول إلى طعامها المفضل من المحار المدفون. وفي هذا الصدد، يقول فان جيلس: "لقد لاحظنا أن الطيور صغيرة الحجم تعيش فترة أقصر من الطيور كبيرة الحجم".

ويضيف قائلًا إنه ألقى نظرة فاحصة على أماكن تزاوج طيور الدريجة في القطب الشمالي لأول مرة في الصيف الماضي، بعد التحاقه بالفريق الأمريكي لدراسة السلالات التي تهاجر إلى ألاسكا، حيث يُعتقد أن معدلات نمو صغار الطيور تتباطأ بسبب ارتفاع درجات الحرارة، ولا تزال البيانات التي جُمعت خلال العام الماضي قيد التحليل، لكنْ يشتبه جيلس في أن هناك عدم توافق آخر في التوقيت، حيث تفوِّت صغارُ الطيورِ الحشرات في ذروة تَوَفُّرها.

كما أن الظروف تتغير تغيرًا سريعًا في موقع أبحاث سميث بكندا، حيث ذاب جليد البحر في العام الماضي مبكرًا بحوالي شهر عن توقيت ذوبانه المعتاد في العقود الثلاثة الماضية3. أما فيما يخص قلة أعداد الطيور الساحلية في الخليج الشرقي، فيقول سميث: "هناك مخاطر حالية، قد تفوق خطر التغير المناخي".

تَصَدَّر أوز الثلج (Chen caerulescens) قائمة المشتبه فيهم؛ إذ زاد عدد الأوز بصورة كبيرة في أمريكا الشمالية، وألحق أضرارًا بالغة بالأراضي الرطبة الممتدة على طول شاطئ خليج هدسون الذي يعمل كمحطة لتزويد ملايين الطيور الساحلية المهاجرة بالغذاء4.

كما ظهر الأوز أيضًا في أماكن تزاوج الطيور الساحلية، حيث كان يجتث الحشائش التي تستخدمها الطيور الساحلية في حماية أعشاشها في الأماكن الطبيعية المفتوحة. وربما يتمثل الخطر الأكبر - على حد قول سميث - في أن ذلك الأوز يُعَدّ مصدرًا لجذب الثعالب والحيوانات الأخرى المفترسة، التي تلتهم بيض الطيور الساحلية وصغارها.

تُعَدّ جزيرة ساوثهامبتون المكانَ الأفضل لقياس هذه الآثار، بسبب وجود قرابة مليون عش لأوز الجليد على الجزيرة. ويُعَدّ موقعٌ بحثي مماثل - يعمل به سميث، بالقرب من جزيرة كوتس (يبعد عنها أقل من ساعة باستخدام طائرة "توين أوتر") - نموذجيًّا لعقد المقارنة، بسبب خلوه من مستعمرات أوز الجليد.

الأعشاش المخفية

أطلقت باحثةُ علم الأحياء ليزا كينيدي في أواخر يونيو - عندما كانت تُجْرِي أبحاثها في الخليج الشرقي - رسالة تحذير، مفادها "حاذر موطئ قدميك"، بينما كانت تلتزم الصخور الكبيرة، خوفًا من أن تدهس البيض المبقع لطيور الزقزاق. وفي عملية تمشيط الأعشاش التي جرت في الصيف الماضي، قادت كينيدي - الباحثة بمرحلة الدكتوراة في جامعة ترينت في بيتربوروج في كندا - فريقًا مكونًا من ستة أشخاص؛ لتمشيط الأعشاش.

يتعرف الباحثون الشباب على الطيور عن طريق ظلالها، وأصواتها، وسلوكياتها، كما يرصدون بسرعةٍ الدببةَ القطبية، حال ظهورها فجأة من غير مكان معلوم، ولهذا يصطحبون البنادق معهم أينما ذهبوا، حتى ولو إلى المرحاض الخارجي.

يقطع علماء الأحياء مسافة 10-15 كيلومترًا يوميًّا عبر سهول التندرا والبرك الذائبة؛ لاكتشاف الأعشاش، وفحصها، كما يقضون أوقاتًا طويلة مستلقين، دون حراك، على الأراضي الزلقة؛ مرتقبين قدوم الطيور الساحلية التي أخافوها؛ لتعود إلى بيضها. وقد يستغرق الكشف عن الأعشاش المخفية جيدًا عدة أيام، حيث يكون بعض الأعشاش على هيئة أكواب مدوَّرة، تحفرها الطيور في الأرض؛ وبعضها يكون مبنيًّا بالحشائش، والطحالب، والريش.

يزن الباحثون الطيورَ وبيضها، ويقيسون أطوالها، ويضعون أعشاشها تحت المراقبة. كما يضعون أساور، يربطونها حول أرجل العديد من الطيور، ويُلْصِقون بطاقات نانوية بحجم اللؤلؤة على ظهورها. تمسك كيندي ببطاقة نانوية، مزوَّدة بصمغ "Krazy Glue"، وتضغط عليها على ظهر طائر الزقزاق حتى تثبت، وهي تقول: "يجب الاحتراز من الالتصاق بالطائر".

بعد ذلك.. يُطلق سراح الطائر، حيث يُصْدِر الهوائي (الشبيه بالشعرة) المثبت على البطاقة نبضات إلكترونية، يمكن التقاطها بواسطة محطة الاستقبال المثبتة على كابينة في المعسكر. ويأتي هذا في سياق نظام التعقُّب "موتس" Motus، الذي يضم شبكة تتكون من 300 برج استقبال، موزعة عبر الأمريكتين. وتزن البطاقات النانوية في نظام "موتس" أقل من 0.3 جرامات؛ حتى يمكن لأصغر فراخ الطيور الساحلية حْملها، وتُلتقط الإشارات الصادرة منها عندما يكون الطائر في نطاق 15 كيلومترًا من محطة الاستقبال.

ويراقب سميث على حاسوبه طيور الدريجة الحمراء وهي تهاجر لمسافة تُقَدَّر بحوالي 3,000 كيلومتر وأكثر، من خليج ديلاوير على الساحل الأمريكي، متجهة إلى القطب الشمالي، مستغرِقةً ثلاثة أيام. ويقول سميث: "نسمع أصوات طنين، عندما تصطدم الطيور بالأبراج".

تُعَدّ مسيرة هجرة الطيور الساحلية من أطول المسيرات في عالم الحيوان، إذ قَضَى طائر الدريجة الحمراء الواحد - الذي يحمل عصابة القدم الرياضية B95 في إحدى رجليه - في تَنَقُّله من الأطراف الجنوبية في أمريكا الجنوبية والقطب الشمالي وإليها أكثر من عشرين عامًا.

تسهم البطاقات النانوية التي تستخدمها مجموعة سميث في بحثها في القطب الشمالي في توفير المزيد من التفاصيل عن مسارات الهجرة الطويلة للطيور. وفي عام 2014، اكتشف سميث وزملاؤه أن طيور الدريجة الحمراء كانت تتوقف للتزود بالغذاء في منطقة غير معروفة على طول شاطئ خليج هدسون.

"ليس هناك مهرب لطيور الدريجة؛ فهي تقع بالفعل على حافة العالم".

كما يُستفاد أيضًا من البطاقات النانوية في معلومات التزاوج، إذ إنها تمكِّن فريق سميث من رصد الوقت الذي تقضيه الطيور البالغة في أعشاشها، والمسافة التي تقطعها الفراخ بحثًا عن الحشرات، وهما متغيِّران من المتغيرات الكثيرة التي يؤثر عليها الأوز. كما تحلِّق الطيور الساحلية المعشِّشة؛ للدفاع عن أعشاشها ضد الأوز الراعي، تاركةً بيضها وصغارها عرضة للثعالب والطيور المفترسة.

وقد التهمت الحيوانات والطيور المفترسة في هذا العام معظم بيض الطيور الساحلية، الموضوع في منطقة البحث بالخليج الشرقي، ولم يَنْجُ سوى 20 بيضة فقط من إجمالي 296، بما يكفي للوصول إلى مرحلة الفقس، بينما بقي أكثر من نصف البيض حتى مدة الفقس، في المنطقة الخالية من أوز الجليد في جزيرة كوتس. ويقول سميث إن نجاح تكاثر الطيور الساحلية على جزيرة ساوثهامبتون قد تضاءل للغاية، وهو ما يهدد إمكانية بقائها هناك.

كما أضافت الأبحاث إلى قائمة المخاوف القائمة حول زيادة أعداد الأوز في أمريكا الشمالية، حيث اعتاد الأوز قضاء فصل الشتاء في المستنقعات الساحلية بولايتَي لويزيانا، وتكساس، لكنه بات الآن يقضي الموسم في التغذي على بقايا محاصيل حقول مزارع في جنوب ووسط غرب الولايات المتحدة، بينما يهاجر في فصل الربيع إلى القطب الشمالي للتزاوج.

يقول روبرت روكويل، أخصائي علم الأحياء والبيئة بالمتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي في مدينة نيويورك: "لقد كان "مذهلًا للغاية" أن نشهد تزايد سلالات الأوز من 1.5 مليون في ستينات القرن الماضي إلى ما يُقَدَّر الآن بقرابة 20 مليون أوزة. وقد أمضى روبرت عقودًا في مشروع الرصد الممتد على خليج لابيروس، الواقع على ساحل خليج هدسون، حيث رصد هو وفريقه5 طريقة نبش الأوز للحشائش الخضراء المورقة، والمستنقعات، وتحويلها إلى أماكن غير صالحة للنباتات وللأنواع الحيوانية، مثل الطيور الساحلية. كما أظهرت الدراسات اللاحقة6 أن الأوز قد سَبَّبَ ضررًا طويل الأمد، أدَّى إلى تقليل التنوع الحيوي للنباتات، والحشرات، والطيور في عدة أماكن أخرى.

ولا يزال الغموض يكتنف كون الأوز هو العامل الأساسي في تَرَاجُع أعداد الطيور الساحلية، أم لا. ويقول روكويل إن مسألة تأثير الأوز مهمة للغاية، كما يثني على جهود فريق سميث، الرامية إلى الإجابة عن هذا السؤال.

الصراع من أجل الهجرة

مِن جهته، يرى براد أندرس - منسق الطيور الساحلية المحلية في خطة حماية الطيور الساحلية، الصادرة عن "المؤسسة الأمريكية للسَّمَك والحياة البرية" بفولز تشيرش في فيرجينيا - أن هناك حاجة كبيرة إلى معرفة مدى تأثير المخاطر والاضطرابات المختلفة على بقاء الطيور الساحلية ، سواء أكان ذلك أوز الجليد في المنطقة القطبية الكندية، أم توافر حشرات التغذية في ألاسكا وروسيا، أم تدمير أماكن التغذية ومحطات التزود بالغذاء، بسبب التنمية الساحلية في المناطق الاستوائية، ودوائر العرض المتوسطة. ويضع الباحثون نماذج لتحديد المخاطر الكبرى، ومساعدة المديرين في تطوير إجراءات الحماية الأكثر فعالية، إلا أن أندرس يؤكد أن "هذا النظام متعطش للمعلومات، ولذلك.. ما لم تتوفر لنا المصادر اللازمة للمعلومات؛ سيصعب علينا تنفيذه".

كما شدد فان جيلس على الحاجة المُلِحَّة لإيجاد الآليات التي تقف وراء التراجع، الذي يتوقع أن يزداد سوءًا، بالنظر إلى معدلات الدفء غير المسبوقة في القطب الشمالي. ويتوقع جيلس انقراض العديد من سلالات طيور الدريجة خلال الخمسين عامًا القادمة، بسبب تقلبات التغذية ودرجات الحرارة، ويقول: "ليس هناك مهرب لطيور الدريجة؛ فهي تقع بالفعل على حافة العالم".

وفي الوقت الحالي، عادت الطيور الساحلية إلى المناخ الجنوبي المشمس، واستقرت على الشواطئ والأراضي الرطبة، التي يشاركها فيها السائحون، وأصحاب مزارع الجمبري، والصيادون. وقد خلع كل من راوش، وسميث الأحذية الطويلة، وعادا إلى المكاتب؛ للتخطيط للمعسكرات، والطائرات التي سيستعينان بها في العودة إلى مراقبة الطيور الساحلية في القطب الشمالي في يونيو القادم.

وتتمثل إحدى الأولويات في إرسال طاقم لمطاردة الأعشاش الكائنة في جزيرة الأمير تشارلز، الواقعة في شمال غرب خليج هدسون، التي كانت تعجّ بالطيور الساحلية في آخر مسح خضعت له في تسعينات القرن الماضي، وهو ما دفع راوش وسميث للذهاب إلى هناك؛ لتحديد أماكن إقامة المعسكر البحثي في أواخر يوليو، وبعد أن وصلا إلى الموقع، وقعت أعينهما على طائر كانا يأملان عدم رؤيته هناك. يقول سميث: "كانت الجزيرة مغطاة بالأوز المتزاوِج".

  1. North American Bird Conservation Initiative. The State of North America’s Birds 2016 (Environment and Climate Change Canada, 2016).
  2. van Gils, J. A. et al. Science 352, 819–821 (2016).
  3. Canadian Ice Service. North American Arctic Waters Spring 2016 (Environment and Climate Change Canada, 2016).
  4. Flemming, S. A., Calvert, A., Nol, E. & Smith, P. A. Environ. Rev. 24, 393–402 (2016).
  5. Abraham, K. F. et al. Arctic Antarctic Alpine Res. 37, 269–275 (2005).
  6. Koons, D. N., Rockwell, R. F. & Aubry, L. M. J. Anim. Ecol. 83, 365–374 (2014).