كتب وفنون

التدريس عبر الإنترنت

يقيِّم مايك شاربلز دراسة حول الهجرة الهائلة نحو التعليم الرقمي.. من التعليم "المعكوس"، إلى أساليب "مووك".

مايك شاربلز
  • Published online:

"التحول نحو الإنترنت": وجهات نظر حول التعليم الرقمي

روبرت أوبل دار نشر روتليدج: 2016

ISBN: 9781138025318

<p>مُحاضِرة جامعية، يتم تصوير محاضرتها من أجل موقع تعليمي.</p>

مُحاضِرة جامعية، يتم تصوير محاضرتها من أجل موقع تعليمي.

The Yomiuri Shimbun via AP Images


في عام 1993، رأى أخصائي تكنولوجيا التعليم، سيمور بابيرت، أن معلِّم القرن التاسع عشر، إذا ما نُقل عبر الزمن إلى منتصف التسعينات؛ سيشعر بارتياح شديد داخل الفصل، لكن بعد مرور عشرين عامًا، اتضح أن ذلك ليس حقيقيًّا.

يَستخدِم الآن المدرسون في كثير من دول العالم المتقدِّم اللوحات الذكية، وأجهزة الألواح الرقمية "التابلت"، وأسلوب التعليم التعاوني المتمركز حول الطالب، القائم على إنجاز المشروعات. تتبنَّى الجامعاتُ طريقة التعليم المعكوس؛ إذ يتلقى الطلاب دروسهم عبر شبكة الإنترنت، ثم يقومون بحل المسائل في الفصل، ويمكن للبعض استخدام معدات المختبرات والتليسكوبات عن بُعْد أيضًا. وهناك مؤسسات - مثل جامعة واترلو في كندا، وجامعة ماسي في بالمرستون الشمالية في نيوزيلندا – تدمج التعليم عبر الإنترنت مع التعليم الحضوري في الجامعة. أمّا أساليب "مووك" MOOC (وهو اختصار لمصطلح "الدروس المكثفة والمفتوحة عبر الإنترنت")، فهي تُجَمِّع المهتمين من جميع أنحاء العالم في الدراسة، وفي المناقشات. وتثير تلك التحولات المستمرة نوعًا من الفزع الوجودي بين بعض أعضاء هيئة التدريس، الذين يتخيلون استبدال المعلمين الحاليين بمعلِّمِين "مُحَوْسَبين" – أي من خلال الكمبيوتر –في العقد القادم، بينما ستتوجه الجامعات نحو التدريس عبر الإنترنت وحده، دون غيره.

ويمكن لهذه التحولات أيضًا أن تحفِّز نوعًا من الإثارة، التي يبرِزها روبرت أوبل في كتابه "التحول نحو الإنترنت" Going Online . يعبِّر هذا الكتاب عن المنظور الخاص بغرفة التحكم في كلية تاندون للهندسة بجامعة نيويورك، حيث يُشْرِف أوبل على وحدة التعليم الرقمي؛ إذ يبدأ بالحديث عن كون التعليم الجامعي التقليدي قد فشل في إشراك الطلاب في التعلم النشط. فمثلًا، كلما كانت المحاضرة تامة وشاملة؛ أعطت انطباعًا خاطئًا بأن الطلاب جميعهم قد استوعبوا الدرس. 

يرى أوبل أن التعلم عبر الإنترنت يتيح للطلاب معالجة المعلومات في الوقت الذي يناسبهم. كما يستطيعون المشاركة في المناقشات عبر الإنترنت، وطرح أسئلتهم، دون الإفصاح عن هويتهم، محافظين بذلك على ماء الوجه. ويستدعي هذا الوضع نهجًا جديدًا في أصول التدريس، بما في ذلك التدريس، والتعلم، والتقييم لمجتمعات التعلم النشط. وينبغي على الأكاديميين العمل مع مصممي المواقع الإلكترونية، والمختصين بتقنيات التعليم؛ لتوفير الظروف التي تسمح للطلاب التحكم في سرعة التعلم وأسلوب التَّلَقِّي، مع تبادل الأفكار، والتعقيب على أفكار الآخرين.

كان أوبل محقًّا في قوله إنّ إخفاء الهوية يمكن أن يساعد الطلاب الذين يفتقدون الثقة بأنفسهم، أو لا يجيدون اللغة، إلا أنّ تعلُّم خوض التحديات والدخول في المناقشات من الأمور المهمة التي تتميّز بها الجامعة. ويُرَوِّج بعض مِنَصّات التعلُّم في نظام "مووك" - مثل منصة "فيوتشر ليرن" FutureLearn - لمناقشات بناءة، يشارك فيها آلاف الطلاب، وتتجلى فيها الرؤى العالمية حول موضوعات مثيرة للجدل، مثل مسألة تغيُّر المناخ.

يُظْهِر كتاب "التحول نحو الإنترنت" أن هناك طرقًا عديدة لانتقال التعلم إلى شبكة الإنترنت. تتطلب كل تلك الطرق من المؤسسات الالتزام بانفتاح التدريس، وتحوُّل العلاقة المهنية بين الأستاذ وطلابه إلى نظام مشارَكة فيما بينهم. ويقتضي الأمر اتخاذ قرارات حول البيئة التعليمية عبر الإنترنت (سواء تعلق ذلك بنظام التعلم "مودل" Moodle، أم "بلاكبورد" Black¬board، أم "كانفاس" Canvas)، وحول استخدام أحد مزوّدي "مووك"، وكذلك كيفية التفاوض على حقوق الملكية الفكرية، وكيفية مكافأة الموظفين. فالجدير بالذكر أن الجامعة القائمة على الإنترنت، بمَنْحها الاستقلالية والنشاط العالي للطلاب، ربما تُضَحِّي في المقابل بالجانب الإنساني.

إن إحدى طرق تدارُك مشكلات التعليم عبر الإنترنت التشاركي والشمولي الذي تقدمه بعض الجامعات الربحية - مثل جامعة فينيكس في أريزونا – تكمن في التعلُّم الممزوج، إذ يدرس الطلاب المناهج الدراسية عبر الإنترنت، من مواد تقدِّمها مصادر مختلفة، بما فيها أساليب "مووك"، وصفحات الإنترنت، وطرق محاكاة علمية تفاعلية. كما يتم تشجيع هؤلاء الطلاب على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؛ لتبادل المعرفة. ويصبح الفصل كأنه مكان لاستكشاف موضوع ما، والتعمق فيه، من خلال حل المشكلات، وإجراء المناقشات، والقيام باختبارات متعلقة به. وفي العلوم، يستطيع الطلاب خوض تجربة عملية على معدات مختبرية، ومن ثمّ حجز مواعيد للتواصل عن بُعْد، وتحليل البيانات عبر الإنترنت. يَصْلُح التعلُّم الممزوج هذا للتدريب العملي، وأيضًا لتحسين المستوى المهني للموظفين، فمبادرة الحكومة السويسرية للتعلم المهني عبر الإنترنت، المسماة DUAL-T، نجحت - على سبيل المثال - في تصغير الفجوة الموجودة بين فصول التدريس، وأماكن العمل.

قد لا يشعر الأستاذ الجامعي الذي قضى حياته في إلقاء المحاضرات بالارتياح مع هذا التحوُّل نحو تسهيل التعلُّم، بينما نشأ الأساتذة الشباب على أساليب التعلُّم عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. فلا شك أن كثيرًا منهم قد استخدم أدوات التعاون من قبيل منصة "سلاك" Slack، والمجتمعات المهنية من قبيل موقع "لِينْكِد إن" LinkedIn، و"ستاك إكستشينج"  Stack Exchange.

في منتصف الكتاب، نجد دراسة أُجريت في عام 2000 من قِبَل أوبل، وزميله حسين فلّاح، تقارن بين مجموعتين من طلبة الدراسات العليا، تتشابهان في المحتوى الدراسي المتلقَّى، وفي المعلم، لكن إحداهما تلقت المحاضرات حضوريًّا، والأخرى عبر الإنترنت. كانت أعدادهم قليلة (7 طلاب فقط تعلموا عبر الإنترنت، و12 في الحرم الجامعي)، ولذا كانت النتائج غير حاسمة، إلا أنه كان هناك تمثيل أفضل للأمر في دراسة واسعة النطاق، أشرفت عليها أخصائية علم النفس التربوي باربرا مينز (التي ذُكرت بإيجاز في الكتاب)؛ وحللت فيها الباحثة أكثر من ألف دراسة تجريبية. خلصت الدراسة إلى أنه - في المتوسط - حقق الطلاب المشاركون في التعلم عبر الإنترنت نتائج أفضل من أولئك الذين تَلَقّوا الدروس وجهًا لوجه مع المعلم، بل إن الفائدة كانت أكبر في التعليم الممزوج (B. E. Means et al. Evaluation of Evidence-Based Practices in Online Learning; US Department of Education, 2009).

وكما يقول أوبل، فإن الانتقادات التي تُوَجَّه إلى التعلم عبر الإنترنت تركِّز - في العموم - على نظم التدريب، وعلى أساليب "مووك" التي تقدِّم محاضرات "مُعَلَّبة". يأتي النجاح في التعليم الرقمي من التعلم المستخدِم لشبكات التواصل الاجتماعي، مع إمكانية الوصول العالمي للمواد الدراسية عبر الإنترنت، وكذلك الدورات المفتوحة عالية الجودة، والمناقشات الحية مع الزملاء. يمكن لطريقة التعليم المعكوس أن تنجح في كل من نيودلهي، ومدينة نيويورك. ويتطلب الأمر تَبَنِّي منظور غير مركزي؛ لإنشاء مجتمعات تشمل مقدمي الخدمات التعليمية، والدارسين، وترحب بمختلف وجهات النظر الثقافية والتربوية. وترجع الريادة في ذلك إلى الجامعات التي دخلت غمار التعليم المفتوح على المستوى العالمي، مثل الجامعة المفتوحة في ميلتون كينز في المملكة المتحدة، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج، وجامعة أثاباسكا الكندية، وجامعة كيب تاون في جنوب أفريقيا. وتُعَدّ هذه الخطوة هي الأصعب بالنسبة إلى الجامعات الأكثر تقليدية.

ومثلما يتشكل التعليم الحديث الآن من مزيج من المصادر والخدمات، يتشكل كتاب "التحول نحو الإنترنت" من أبحاث نُشرت في السابق، وتم تحديثها. إنّ نَسْج نَصّ متماسك بهذا الشكل قد يشكِّل نوعًا من التحدي، إلا أن الكتاب يحيط بجوانب نظام تعليمي يمر بمرحلة انتقالية، من كونه تعليمًا حضوريًّا إلى مُنشأة عالمية.