أنباء وآراء

علم الفيروسات: طُفَيلٌ الطُّفيل يحمي جيرانَ المضيف

  • يوجين في. كُونِن
  • مارت كروبوفتش
  • Published online:

Abstract

قد تتعرض الفيروسات لهجومٍ من فيروساتٍ طفيلية، تنافسها على الموارد المتاحة بالخلية. وقد ظهر أن أحد هذه الفيروسات الطفيلية يستطيع الدفاع عن مجموعة من خلايا المضيف ضد هجمة فيروسية.

.. فيشاهد علماء الطبيعة.. برغوثًا

براغيث أصغر تَفترسُه

تلدَغُها براغيثُ أصغرُ

وهكذا دواليك.. إلى ما لا نهاية.

تَصِفُ هذه الكلمات للكاتب الساخر جوناثان سويفت من قصيدته "عن الشعر: ملحمة" 1On Poetry: A Rhapsody، ظاهرةً بيولوجيةً حقيقية، يكون فيها الطفيل نفسُه هدفًا لطفيلٍ آخر يهجم عليه2. إنّ التفاعلات التي تحدث عندما يكون الطفيل فريسةً لطفيلٍ آخر ليست مفهومة على نحو جيد، إلا أن أي شيء يحدُّ من نجاح الطفيل الأوَّليّ قد يؤثر على نتيجة الإصابة. في بحث نُشر مؤخرًا بدورية Nature، قدَّم فِيشر وهاكل3 رؤيةً للعلاقة بين خلية من خلايا المضيف، وأحد الفيروسات، وفيروسٍ طفيلي يفترس الفيروس.

يمكن للكائنات الأولية وحيدة الخلية "protist" أن تُصاب بفيروسات عملاقة من العائلة 4Mimiviridae. تتكاثر تلك الفيروسات العملاقة داخل هيكل محاطٍ بغشاء، يسمّى المصنع الفيروسي، تبنيه الفيروسات في السيتوبلازم الخاص بالمضيف وحيد الخلية. وتتعرض الفيروسات العملاقة ذاتها للافتراس من قِبَل فيروساتٍ طفيلية، تُسمى العاثيات الفيروسية 5، وتنتمي إلى عائلة 6Lavidaviridae. وتتكاثر العاثيات الفيروسية أيضًا داخل المصنع الفيروسي، مُسَبِّبَةً نقصًا ملحوظًا في معدل تكاثر الفيروسات العملاقة5.

قام فيشر وهاكل بالبحث في إصابة الكائن البحري وحيد الخلية Cafeteria roenbergensis بالفيروس العملاق الخاص به، المسمى CroV، وكذلك العاثية الفيروسية المرافِقة له "مافيروس" Mavirus، التي تستطيع دخول خلية المضيف بشكل مستقلٍّ عن عملية امتصاص الخلية للفيروس CroV7. قام الباحثان بإصابة مجموعة من الخلايا بكل من CroV، ومافيروس، ووجدا أن جينوم العاثية غرس داخل جينوم الكائن الأوَّلي في ثلث الخلايا تقريبًا، ما يمثل أولَ دليلٍ مباشر على إدماج الحمض النووي للعاثية الفيروسية في جينوم مضيف خلويّ. وقد وُجِد أن سلالة C. roenbergensis التي تم تحليلها تحمل 11 نسخة من جينوم مافيروس، مُدمَجَةً في مواضع مختلفة من الكروموسوم. وتُشَفِّرُ العاثية مافيروس وغيرها من العاثيات الفيروسية لإنزيمات تُعرَف باسم الإنزيمات المدمجة، التي تُمَكِّن الحمض النووي للفيروس من الانغراس في جينوم المضيف7،8.

إِذَن، هل للحمض النووي الخاص بالعاثية الفيروسية، الذي أُدْمِجَ في جينوم الكائن الأولي، أيّ وظيفة في خلية المضيف؟ لاحظ فيشر وهاكل أن خلايا الكائن الأولي المحتوية على جينوم العاثية مافيروس المُدمَج، عندما أصيبت بالفيروس CroV، جَرى التعبير عن جينات المافيروس فيها، وتمَّ استنساخه لتكوين جسيمات فيروسية جديدة، ما أدَّى إلى إعادة تنشيط المافيروس في الخلية. ويرى الباحثان أن أحد عوامل النسخ التي يُشَفِّر لها الفيروس CroV هو المسؤول عن إعادة تشيط المافيروس، بما يتوافق مع ملاحظةٍ سابقة7 بأنّ CroV والمافيروس لديهما تَسَلْسُلات تحفيزية متماثلة، تقود عملية التعبير الجيني.

وجد فيشر وهاكل أن إعادة تنشيط المافيروس، التي أعقبت الإصابة بالفيروس CroV، لم تمنع استنساخه، وماتت خلايا المضيف المصابة بالفيروس، مُطْلِقَةً في الوسط المحيط بها جسيمات فيروسية لكل من CroV، ومافيروس. ويمكن الافتراض أن إعادة تنشيط المافيروس المُدْمَج تَحدُث متأخرًا في الدورة التناسلية للفيروس CroV، ولذلك فهي لا تستطيع إيقاف تكاثر الفيروس، بيد أن المافيروس المُطْلَق من الخلايا الميتة قَلَّل تكاثر فيروس CroV في دورة إصابة تالية، ومن ثم فهو يمنع انتشار الفيروس في مجموعات الكائنات الأولية. لذا.. فرغم أن الخلية المصابة بالفيروس تبدو هالكة لا محالة، بغضّ النظر عن وجود المافيروس، فإن موت هذه الخلية يمكن أن يحمي الخلايا المجاورة ذات الصلة من التدمير بواسطة الفيروس العملاق (الشكل 1)، إلا أن ما يقتل خلايا المضيف المصابة بكل من  CroV والمافيروس ليس معروفًا، فهل هو الفيروس، رغم أن وجود المافيروس في المصنع الفيروسي يحدّ من تكاثره؟ أم أنه المافيروس نفسه؟ يبدو أن إعادة تنشيط المافيروس - استجابةً للإصابة بفيروس CroV - تُمَثِّل أحد أشكال آلية الدفاع الإيثاريّ الخاصة بالمضيف، التي تموت فيها الخلية؛ لتُطْلِق المافيروس، الذي يستطيع بعد ذلك أن يحمي مجموعة الخلايا المجاورة ذات الصلة، إلا أن حقيقة وجود آليات الدفاع الإيثاريّ تلك، والدور الذي تلعبه في هذا السياق، يظلّان موضعَ خلاف، في ضوء الجدل المتصل حول أهمية اختيار الأقارب في عملية التطور، خاصة في الكائنات وحيدة الخلية9. ورغم ذلك.. فإن الأمثلة المحتمَلة ضمن هذه الفئة تتزايد، وتشمل تنشيط عملية موت الخلايا المبرمَج بواسطة العدوى10.

قام فيشر وهاكل3 بدراسة العلاقة بين الكائن الأولي وحيد الخلية Cafeteria roenbergensis، وفيروسه العملاق CroV الذي يصيب هذا المضيف، وفيروس طفيلي يسمى "مافيروس"، يستهدف CroV، عن طريق إيقاف عمليات مضاعفته. أ. عندما قام الباحثان بإصابة C. roenbergensis بالمافيروس وفيروس CroV، لاحظا إدماج جينوم المافيروس في جينوم نحو ثلث خلايا المضيف. ب. عندما تم بعد ذلك إصابة هذه الخلايا ذات المافيروس المدمج بفيروس CroV، نسخت تسلسلات المافيروس، ثم تكونت جسيمات منه، وتضاعفت داخل هيكل محاط بغشاء في السيتوبلازم، يُسمى المصنع الفيروسي، حيث يتضاعف الفيروس  CroV أيضًا، لكن جسيمات مافيروس تلك لم توقِف تضاعف CroV. وفي النهاية، تحطمت الخلية وانفجرت، وأطلقت جسيمات فيروسية في الوسط المحيط. ج. التُقِطَت الفيروساتُ المُطْلَقة تلك من قِبَل الخلايا المجاورة. ورغم أن كل خلية تقريبًا من الخلايا التي أصيبت بفيروس CroV يبدو أنها تموت، فقد لاحظ فيشر وهاكل ارتفاع معدلات البقاء في مجموعات خلايا المضيف في هذه الإصابات الخلوية التالية، وذلك - على ما يبدو - بسبب أن المافيروس يُثَبِّط تكاثرَ فيروس CroV داخل المصنع الفيروسي. وعلى ذلك.. يستطيع المافيروس أن يحمي مجموعات خلايا المضيف من هجمات فيروس CroV، بطريقة تشبه الطريقة التي تقوم بها ذاكرة إصابة سابقة بتقديم حماية من الإصابات المشابِهة لاحقًا، في ما يُعرف بالمناعة المكتسبة، مثلما يحدث في أنظمة "كريسبر-كاس" الميكروبية.

كبر الصورة

إنّ حماية المافيروس لمجموعات C. roenbergensis ضد انتشار CroV يمكن اعتبارها أيضًا حالة من حالات المناعة التَّكَيُّفِية، التي تتضمن تكوين ذاكرة مناعية للإصابات السابقة. ففي الجهاز المناعي التكيُّفي في الميكروبات، الذي يتوسَّطه نظام "كريسبر-كاس"11، تحتفظ الخلايا بتَسَلْسُلاتِ الحمض النوويّ الفيروسيّ التي تقابلها عند حدوث الهجوم، وتستخدِمها لمنع الهجمات اللاحقة المرتبطة بتلك التسلسلات نفسها، أو تسلسلات أخرى ذات صلة قريبة منها. وتكمن الفكرة الغريبة في كَون المافيروس هو الذاكرة المساعدة في أن العامل المُعْدِي هنا يتم تَذَكُّرُه بشكلٍ غير مباشر، عن طريق إدماج المضيف لِتَسلسُلات الحمض النووي للعاثية الفيروسية، التي يجري التعبير عنها فقط في المواجهات اللاحقة مع الفيروس العملاق.

ومثلما هو الحال في جهاز المناعة الذي يتوسَّطه نظام "كريسبر-كاس"، ليس واضحًا كيف تنجو خليةُ المضيف لتحتفظ بالذاكرة المناعية، في ظل كون الإصابة بفيروس CroV مميتة في العادة، كما يوضح فيشر وهاكل. يُعتقَد أنه في نظام "كريسبر-كاس" تتشكل الذاكرة المناعية عندما تصاب الخلايا بجسيمات مَعِيبَة من جسيمات العاثيات12، ومثل هذه الإصابة الفاشلة قد تَحدث أيضًا في النظام الذي يتضمن فيروس CroV، والمافيروس، إلى جانب احتمال آخر، هو أن إدماج جينوم المافيروس في جينوم المضيف قد يحدث في غياب الإصابة المتزامنة بفيروس CroV.

وتبقى أسئلة كثيرة بغير إجابة.. قد يكون أكثرها إلحاحًا هو مدى عمومية هذه الآلية الدفاعية المضادة للفيروسات، التي اكتشفها فيشر وهاكل. فجينوم الطُّحْلب الأخضر وحيد الخلية Bigelowiella natans يحتوي على عدة جينومات مُدمَجة للعاثيات الفيروسية13، وقد يُعتبر هذا مثالًا آخر لأنظمة الدفاع في المضيف، التي تتوسَّطها تلك العاثيات. فقد تكون الملاحظات الحالية مجرد غيض من فيض.

تنتمي العاثية الفيروسية مافيروس إلى طائفة كبيرة من الفيروسات الشبيهة بعناصر البولينتون، والعناصر الوراثية النَّقَّالة، التي يمكن أن تُدمَج في جينومات كائنات متنوعة8،14. فهل يوفِّر بعضُ – أو حتى معظم – هذه الطائفة، التي لم يلاحَظ حتى الآن أنها تُنتِج جسيمات فيروسية، آليةَ دفاع ضد الإصابات الفيروسية؟ إن إدماج تسلسلات من الحمض النووي الفيروسيّ، التي تُعرَف بالعناصر الفيروسية داخلية المنشأ، هو نتيجة شائعة لإصابة الخلايا بالفيروسات ذات الجينومات المكونة من الحمض النووي، والحمض النووي الريبي15. تُرى هل تمَّ الحصول على هذه العناصر الفيروسية داخلية المنشأ بشكل عارض، نتيجةَ إدماج خاطئ للجينوم؟ أم أنها ربما تم الإبقاء عليها من قبل المضيف؛ لتوفِّر له ذاكرة مناعية؟ لم تبدأ التجارب المطلوبة للإجابة على هذه الأسئلة المحيِّرة بشكل جدي بعد.

إنّ العلاقة بين C. roenbergensis، وفيروس CroV، والمافيروس تسلِّط الضوء على مبدأين أساسيَّيْن في علم الأحياء، هما: انتشار الطفيليات التي تطورت لاستهداف كلّ الكينونات البيولوجية التي تتضاعف تقريبًا، واستخدام الطرق الإيثارية للحماية، التي هي على الأرجح خاصيةٌ جوهرية في الحياة الخلوية. ولا يزال هناك الكثير لنتعلمه عن آليات الهجوم والدفاع التي تعمل في هذه الصراعات المثيرة والمعقدة من أجل البقاء.

  1. Swift, J. On Poetry: A Rapsody (Huggonson, 1733).

  2. Parratt, S. R. & Laine, A.-L. ISME J. 10, 1815–1822 (2016).
  3. Fischer, M. G. & Hackl, T. Nature 540, 288–291 (2016).
  4. Fischer, M. G. Curr. Opin. Microbiol. 31, 50–57 (2016).
  5. Desnues, C., Boyer, M. & Raoult, D. Adv. Virus Res. 82, 63–89 (2012).
  6. Krupovic, M., Kuhn, J. H. & Fischer, M. G. Arch. Virol. 161, 233–247 (2016).
  7. Fischer, M. G. & Suttle, C. A. Science 332, 231–234 (2011).
  8. Yutin, N., Shevchenko, S., Kapitonov, V., Krupovic, M. & Koonin, E. V. BMC Biol. 13, 95 (2015).
  9. Allen, B., Nowak, M. A. & Wilson, E. O. Proc. Natl Acad. Sci. USA 110, 20135–20139 (2013).
  10. Durand, P. M., Sym, S. & Michod, R. E. Curr. Biol. 26, R587–R593 (2016).
  11. Mohanraju, P. et al. Science 353, aad5147 (2016).
  12. Hynes, A. P., Villion, M. & Moineau, S. Nature Commun. 5, 4399 (2014).
  13. Blanc, G., Gallot-Lavallée, L. & Maumus, F. Proc. Natl Acad. Sci. USA 112, E5318–E5326 (2015).
  14. Krupovic, M. & Koonin, E. V. Nature Rev. Microbiol. 13, 105–115 (2015).
  15. Katzourakis, A. & Aswad, A. Curr. Biol. 26, R427–R429 (2016).