تعليقات

أشرِكوا علماء الاجتماع في تحديد عصر الأنثروبوسين

يرى إيرل إيليس وزملاؤه أن الأرض تغيرت، نتيجة لعوامل بشرية طبيعية واجتماعية. ولذا.. ينبغي إشراك علماء من كلا المجالين في توثيق هذا التغير رسميًّا.

  • إيرل إيليس
  • مارك ماسلين
  • نيكول بويفين
  • أندرو بوير
  • Published online:

<p>حقول الأرز المُدَرَّجة بالصين: الزراعة هي إحدى المؤثرات البشرية الكثيرة التي شكَّلت تاريخ الأرض.</p>

حقول الأرز المُدَرَّجة بالصين: الزراعة هي إحدى المؤثرات البشرية الكثيرة التي شكَّلت تاريخ الأرض.

AlexGcs/Getty

يخطِّط حوالي ثلاثين أكاديميًّا لإعادة كتابة تاريخ الأرض. ففي أغسطس الماضي، أعلن فريق العمل المعنِيّ بالتوثيق الرسمي لعصر الأنثروبوسين (ويضم هذا الفريق واحدًا منا، هو إيرل إيليس) - التابع للجنة الدولية المعنية بعلم طبقات الأرض - أنه سيعمل على مدار العام الحالي والعامين التاليين أيضًا على تقسيم تاريخ الأرض إلى قسمين؛ أحدهما يمثل البشر فيه قوة جيولوجية كبرى، وهو العصر الذي يُعرف بالأنثروبوسين، أو العصر الجيولوجي البشري، والقِسم الآخر يتضمن كل ما سبق شروع البشر في إحداث تأثير جوهري في طبيعة الأرض1.

في الوقت الحالي، تدور نقاشات حول تعيين نقطة التحول بالخريطة الزمنية للكوكب، بيد أنها خَلُصت حتى الآن إلى تحديد واحدة أو أكثر من "الذُّرَى الذهبية"؛ وهي علامات عالمية بارزة بالسجل الصخري ناتجة عن تطبيق تقنيات منتصف القرن العشرين، بدءًا من النويدات المشعة، وانتهاءً بالمنتجات البلاستيكية. وستشكل هذه العلامات الأساس الذي سيستند إليه الاتحاد الدولي للعلوم الجيولوجية في توثيق حقبة الأنثروبوسين رسميًّا.

إننا نتفق على وجوب الاعتراف بالتأثيرات التي أحدثها البشر في الكوكب في عصر الأنثروبوسين، ولكن ليس مطلوبًا الاستعجال في عملية توثيق العصر رسميًّا. كما نشكك في جدوى تمييز علامات فترة خمسينات القرن العشرين عن غيرها، لأن هذا من شأنه أن يتجاهل التأثيرات البشرية التي سبقت هذه الفترة بآلاف السنين، بدءًا من استخدام النار، حتى نشأة الزراعة2-6. وإضافة إلى ذلك.. لا تمثل هذه العلامات سمة الاستمرارية - التي تتسم بها طبيعة التغييرات التي يجريها البشر على كوكبنا - تمثيلًا جيدًا، بل إنها تروي أحداث صراع البشرية مع بيئتنا من منظور أوروبي نخبوي تكنوقراطي، مما لا يتفق مع الفكر المعاصر الذي تقدمه العلوم الاجتماعية والإنسانية3, 7-9.

أثناء المناقشات، يتجاهل الفريق عقودًا من البحث العلمي الدقيق حول تاريخ العملية طويلة الأمد، التي أعاد فيها البشر تشكيل أنظمة الأرض، وأسبابها، وتداعياتها. كيف يمكن تعريف فترة جيولوجية متمحورة حول الإنسان، دون إعداد وصف دقيق لتطوّر المجتمعات، والتمدن، والاستعمار، ونشأة الشبكات التجارية، وظهور هندسة النظم البيئية، وتحوُّل الطاقة من كتلة حيوية إلى وقود أحفوري؟

إننا نطالب بأن تُبنى عملية التوثيق الرسمي لعصر الأنثروبوسين على أسس دقيقة، وشفافة، وواضحة، وقوية، وأن تؤدي العلوم دورًا جوهريًّا في هذا التوثيق.

أكثر عمقًا وثراءً

لم ينشأ عصر الأنثروبوسين بين ليلة وضحاها، ولم يتشكل بطريقة غير منظمة، إذ تتسم السجلات المادية للتغييرات التي أجراها البشر على الأرض بالثراء، والعمق، والتجانس. وهي تسلط الضوء على فروق كبيرة في النواحي الاجتماعية، والثقافية، والتكنولوجية، عبر الزمان والمكان7,8.

تسببت الأنشطة البشرية على مدار العشرة آلاف عام الماضية في حدوث حالات انقراض وتغييرات عالمية في توزيع النباتات، والحيوانات، والأحياء المجهرية، البرية منها والمستأنسة. كما تسببت إزالة الغابات في تغيير أنماط التعرية، وإطلاق الغازات الدفيئة في الجو. صَنَع البشر مواد معينة، مثل السيراميك، والطوب، والإسمنت، وما نتج عنها من ملوثات. كما شكلت الشبكات الواسعة من القنوات، والخزانات، ونظم الري (مثل تلك المصاحِبة لمجمع معابد "أنجكور وات" في كامبوديا) والأراضي، والنظم البيئية2-4610.

تركت الزراعة - التي نشأت في أكثر من عشر مناطق في أوقات زمنية مختلفة، قبل أكثر من عشرة آلاف عام - سجلًا ضخمًا لا يُمحى، عبر أغلب قارات الأرض. ومع أن أحدًا لا يعلم حتى الآن مصير المواد البلاستيكية، إلا أن السجل الحفري للزراعة موثَّق جيدًا في حبوب اللقاح القديمة، والبذور، والطفيليات، والعظام، ورواسب الفحم، والتربة. ويمكن تتبُّع شبكات الري العملاقة من الجو، أو من الفضاء.

ومنذ فترة طويلة، تحولت علوم الأرض من التركيز على تعيين الحدود الدقيقة لطبقات الأرض إلى الاهتمام بوضع سجلات للتغيرات المستمرة4. يُستدل ببيانات النظائر على الارتفاع والانخفاض في درجات الحرارة العالمية، وحجم الجليد، وغازات الغلاف الجوي. وتربط نماذج الأنظمة الأرضية بين التغيرات الطفيفة في مستويات الكربون بالغلاف الجوي، ومناسيب البحار، ونِسَب النظائر الموجودة بالبحار والرواسب البحرية. كما تدرجت عملية نشأة الزراعة، والتجارة، والتصنيع عبر أوقات مختلفة في أرجاء المعمورة. (انظر: الجذور العميقة لعصر الأنثروبوسين).

كبر الصورة

يتطلَّب فهْم "الأنظمة البشرية" توظيف كَمٍّ ضخم من المعرفة القائمة على مجموعة متنوعة من السجلات (الأثرية، والتاريخية، وتلك المرتبطة بعلم الحفريات القديمة)، ورؤيتها من زويا مختلفة (بدءًا من الإيكولوجيا السياسية، والاقتصاد السياسي، والإيكولوجيا التاريخية، والتطور الثقافي، وصولًا إلى الأخلاقيات البيئية، مثلًا). وعلى سبيل المثال.. يتطلب فهْم التغيرات التي تحدث في المناخ العالمي معرفة كيف تتحكم العمليات الاجتماعية والثقافية في إزالة الأشجار في الأراضي الزراعية، وتَبادُل الغازات الدفيئة، والرطوبة، والطاقة. تتنوع تلك العمليات ما بين ممارسات إدارة الأرض الزراعية إلى التغيرات الديموغرافية، وحيازة الأراضي، والصراعات المجتمعية.

قَدَّم فريق العمل المعنِيّ بالأنثروبوسين بضع علامات أكثر عمقًا، مرتبطة بهذا العصر، كالتلوث الناتج عن أول إنتاج للمعادن، بيد أن هذه العلامات نادرًا ما تُؤخذ بعين الاعتبار، بسبب تباين السجلات، من حيث المدى، والتوقيت، والإتاحة الجغرافية. وبدلًا من ذلك.. حصر الفريق تركيزه تقريبًا في الرواسب الجيولوجية، التي تشير إلى حادثة واحدة، شهدتها أرجاء العالم كافة في التوقيت نفسه. ويبدو أن السبب في ذلك الحصر واضح، فعلى الرغم من أن المجموعة تتضمن أعضاء من خارج مجال العلوم الطبيعية (هناك صحفي، ومحام، ومؤرخان علميّان)، إلا أنها تتضمن ثلاثة علماء اجتماع فقط من بين السبعة وثلاثين عضوًا، يدرسون التغير الاجتماعي طويل الأجل، اثنان منهم علماء آثار، والثالث مؤرِّخ.

أكثر شمولًا

لا بد أن يتمتع التوثيق الرسمي لعصر الأنثروبوسين بالمزيد من الشفافية، مع ضرورة تقييمه، وتوسيع نطاق مدخلاته. ويجب نشر معايير تقييم علوم الحقبة الجديدة، وإخضاعها لمراجعة الأقران، بدلًا من الاتفاق عليها في الاجتماعات المغلقة. ويمكن إنشاء منبر مفتوح عبر الإنترنت، يحتوي على المجموعة الكاملة من الطلبات، والأوراق البحثية، والتعليقات، والنقاشات. ويمكن أيضًا الاستعانة بتقارير تقييم كل من "اللجنة الدولية للتغير المناخي"، و"الجمعية الملكية بالمملكة المتحدة"، و"المؤسسة الوطنية الأمريكية للعلوم" كنماذج.

ولا بد أن تعمل مؤسسة علمية متخصصة على تنسيق ذلك، يمكن أن يُطلَق عليها اسم "المفوضية الدولية للأنثروبوسين" International Anthropocene Commission. ويمكن أن تُنشأ وتُمَوَّل تحت إشراف المجلس الجيولوجي الدولي، ومبادرة "فيوتشر إيرث"  Future Earth (وهي مبادرة بحثية حول التغير العالمي، مدتها عشر سنوات)، والأمم المتحدة. ولا بد أن يكون نصف أعضاء المؤسسة متخصصين في مجالات الأنثروبولوجيا، وعلم الآثار، والتاريخ، وعلم الاجتماع، والجغرافيا، وعلم البيئة القديمة، والاقتصاد، والفلسفة. ويجب إيجاد إطار رسمي لدَمْج نتائجها.

سيتطلب الأمر وقتًا لتعريف حقبة تتمحور حول الإنسان، ولا بد أن تلقى الاهتمام الجاد الذي تستحقه من العلماء في جميع المجالات.

  1. Waters, C. N. et al. Science 351, aad2622 (2016).
  2. Ellis, E. C. Ecol. Monogr. 85, 287–331 (2015).

  3. Boivin, N. L. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 113, 6388–6396 (2016).
  4. Ruddiman, W. F., Ellis, E. C., Kaplan, J. O. & Fuller, D. Q. Science 348, 38–39 (2015).
  5. Lewis, S. L. & Maslin, M. A. Nature 519, 171–180 (2015).
  6. Smith, B. D. & Zeder, M. A. Anthropocene 4, 8–13 (2013).
  7. Malm, A. & Hornborg, A. Anthropocene Rev. 1, 62–69 (2014).
  8. Bauer, A. M. & Bhan, M. South Atl. Q. 115, 61–87 (2016).
  9. Barry, A. & Maslin, M. Geo Geog. Environ. 3, e00022 (2016).
  10. Edgeworth, M. Geol. Soc. Lond. Spec. Publ. 395, 91–108 (2014).