تحقيق إخباري

حرية في المنفى

وادي روبرت هو المثوى الأخير لآلاف العبيد المحرَّرين، الذين قد يحلّ حمضهم النووي ألغاز أحد الفصول المظلمة في تاريخ البشرية.

إيون كالاوي
  • Published online:

<p>سانت هيلينا مرسومة، في حوالي عام 1750.</p>

سانت هيلينا مرسومة، في حوالي عام 1750.

Mary Evans Picture Library/Alamy

في عام 1849، وصف روبرت جراي - أسقف الكنيسة الأنجليكانية - إحدى سفن الرقيق التي كان يَجري إنزال حمولتها على ضفاف جزيرة سانت هيلانة، بقوله: "لم أر مشهدًا أكثر بؤسًا من هذا"، حيث لاحظ أن بعضهم  قد لاقوا حتفهم، وآخرين كانوا على مشارف الموت. "لقد كانت وجوههم شاحبة، وملابسهم رثة، وعلى ما يبدو أنهم شُحِنوا في القوارب رغمًا عنهم،  وكأنهم بَالَات بضائع".

كان هؤلاء الرجال والنساء لاجئين لدى حملة البحرية البريطانية ضد تجارة الرقيق، حيث حظرت المملكة المتحدة تجارة الرقيق في عام 1807، وبدأت ترسل دوريات مكافحة تجارة الرقيق؛ لتعترض القوارب أثناء مرورها بالممر الأوسط - الطريق التجاري من أفريقيا إلى الأمريكتين – بما في ذلك الخوض في ميناء ريو دي جانيرو، فأصبحت جزيرة سانت هيلينا - الواقعة في وسط المحيط الأطلنطي - النقطة المفضلة لإنزال هؤلاء العبيد، الذين يتم تحريرهم من السفن. وفي الفترة ما بين أربعينات وأواخر ستينات القرن التاسع عشر، جرى التحفظ على عشرات السفن التي كانت تقلّ قرابة 27000 عَبْد وأَمَة، ونُقلوا إلى الجزيرة، فمُنح مَن نجا منهم حريته، وانتهى الأمر بتوطين أكثرهم هناك، أمّا بالنسبة إلى قرابة عشرة آلاف منهم - وكثير منهم من الأطفال – فكان مرقدهم الأخير في وادٍ صخريّ في سانت هيلينا.

لقد كانت حياة هؤلاء الأشخاص منسية تمامًا حتى عقد مضى، حين كَشَفَ مشروع إنشاءات عن هيكلين عظميين، ثم اكتشفت إحدى بعثات الحفريات الأثرية مئات الهياكل الأخرى. و في الوقت الحالي، يعكف فريق من الباحثين على دراسة هذه الرفات، وتسلسلات الأحماض النووية التي ظلت لأكثر من قرن تحت الأرض؛ لمعرفة أكبر قدر ممكن من المعلومات عن العبيد المحرَّرين في سانت هيلينا، بدءًا من مساقط رؤوسهم في أفريقيا، حتى خلفيّاتهم الثقافية، وكيف لقوا حتفهم.

من جهتها، أشارت فاطمة جاكسون - الباحثة بقسم الأنثروبولوجيا البيولوجية في جامعة هوارد بواشنطن العاصمة، التي تتولي  بحث تسلسلات  الأحماض النووية القديمة في مواقع أخرى لدفن العبيد - إلى أن المكانة التاريخية الفريدة للموقع قد تزوِّدنا بالمعلومات المهمة المفقودة عن  تجارب وهويّات أولئك الذين اختُطفوا، ولم يَصِلوا أبدًا إلى الأمريكتين. ويحظى هذا العمل بأهمية خاصة لدى الباحثة، التي تمتد أصولها إلى جذور أفريقية، إذ قالت في هذا الصدد؛ "نحن ننحدر من هؤلاء الذين مروا عبر الممر الأوسط، وعانوا الرق الأمريكي والتمييز العنصري المؤسسي، وفي أثناء ذلك، فَقَدْنا الكثير من التفاصيل عن هويّتنا، وتراثنا، إن الأحماض النووية القديمة تمنحنا لمحة عن الماضي الذي طالما كنا نتوق إليه، ولم نستطع الوصول إليه مباشرة".

وادي الأرواح المفقودة

وادي روبرت هو وادي يطل على البحر في جزيرة نائية، قضى فيها نابليون بونابرت أيامه الأخيرة في المنفى. وحين تتجول فيه، ستمر ّ على بضعة مخازن، ومحطة صغيرة للطاقة تعمل بالديزل، ومصنع لتجهيز السَّمَك، فضلًا عن عدد قليل من المنازل، وكنيسة وحيدة.

كما تنتشر في الوادي بعض آثار الماضي المتهدمة، كالجدار الواقي الذي يبلغ عرضه متراً، والذي بَنَتْه شركة الهند الشرقية البريطانية، ومحطة لتحلية المياه بُنيت في أواخر القرن التاسع عشر؛ لإمداد معسكر السجن بالمياه أثناء حرب البوير الثانية. وإلى جانب المبنى الحجري غير المميز ، توجد بالكاد أي بقايا مرئية لآلاف العبيد السابقين الذين سكنوا هذا المكان في يوم من الأيام.

في نوفمبر 2006، سافر الجيولوجي ديفيد شيلستون من كيب تاون في جنوب أفريقيا إلى سانت هيلينا، مستقلًّا أحد القوارب، وهي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الجزيرة، في رحلة استغرقت خمسة أيام، حيث كان قد تم التعاقد مع الجهة التي يعمل بها شيلستون، وهي شركة "اتكينز" الهندسية، لتخطيط طريق لبناء أول مطار بالجزيرة، وكانت مهمة شيلستون الاستكشاف الجيولوجي للبقعة التي تحت الأرض المخصصة لذلك، وما كادت أعمال الحفر أن تبدأ، حتى اتصل به أحد العاملين، وأخبره بوجود عظام ساق بشرية مكسورة، ظهرت لهم من الأرض. ويصف شيلستون هذه العظام قائلًا: "إنها قد تخص طفل، لأنها كانت صغيرة للغاية".

توضّح السجلات التاريخية الحالة المفزعة التي كان عليها العديد من العبيد المحرَّرين وقت وصولهم. وقد كتب أحد مَن شهدوا إرساء سفينة الرقيق في عام 1861، قائلًا: "أصابت النحافة أذرعهم وأرجلهم، حتى صارت وكأنها عصا سير، كما توفي العديد منهم أثناء انتقالهم من السفينة إلى القارب، لم يكن هناك وقت كاف للفصل بين الأحياء والأموات". وقد فَتَكَت أمراض - مثل الجدري، والدوسنتاريا - بالعشرات منهم، بمجرد نزولهم إلى البر، بل إن هناك دلالات غير مباشرة على انتحار البعض منهم. وفي الفترة ما بين عامي 1840، و1848، توفّى حوالي 5000 شخص، وهو ما يقارب ثلث العبيد المحرَّرين، فيما رحل أكثر الناجين من ظروف المخيم البائسة إلى جامايكا، وترينيداد، والمستعمرات البريطانية الأخرى، حيث عملوا كعمال في مزارع قصب السكر بعقود سخرة طويلة الأجل.

وبعد أن اكتشف شيلستون أول رفات من مقبرة سانت هيلينا للعبيد  المحرَّرين، كما تعرف الآن، عَلِم أن الدفن لم يتم نسيانه  بقدر ما تم تجاهُله من الكثير من سكان سانت هيلينا. وظهر اكتشافه في الصفحة الأولى للصحيفة المحلية، حيث وَرَد في الخبر: "لا شك أننا سنكتشف العديد من الرفات البشرية. ويعتقد الكثيرون أن أرواح هؤلاء العبيد الموتى لا تزال تطارد وادي روبرت". وُضعت هذه الرفات في صناديق صغيرة في كنيسة محلية، وأُعيد دفنها في وقت لاحق في مقبرة في عاصمة الجزيرة، جيمس تاون.

كانت إدارة الحكومة البريطانية للتنمية الدولية قد تحمَّلت 250 مليون جنيه استرليني (310 ملايين دولار أمريكي) كتكلفة  للمطار (حيث تُعَدّ سانت هيلينا إحدى مقاطعات ما وراء البحار التابعة لبريطانيا). ورغبت الإدارة في فحص الموقع فحصًا متخصصًا، ولذلك أرسلت في عام 2007 أندرو بيرسون، عالِم الآثار التجارية المقيم في كارديف بالمملكة المتحدة، الذي حدد موقعي دفن متميزين في منتصف مسار الطريق المزمع إنشاؤه، وهنا، يقول: "كنتُ أنا مَن نقل  للإدارة الأخبار السيئة بوجود مقبرة كبيرة وفريدة من نوعها في الموقع الذي كانوا يريدون إقامة المطار عليه".

<p>أحد العبيد المحرَّرين المدفونين في وادي روبرت. وقد عُثر على قليل من الجثامين في توابيت، فأغلبها دُفِن في الأرض مباشرة.</p>

أحد العبيد المحرَّرين المدفونين في وادي روبرت. وقد عُثر على قليل من الجثامين في توابيت، فأغلبها دُفِن في الأرض مباشرة.

Andrew Pearson/Ben Jeffs/Rupert's Valley Archaeological Project

بصدور تعليمات بالتنقيب عن الهياكل العظمية المدفونة تحت الطريق المزمع إنشاؤه فقط، عاد بيرسون وزميله بن جيفز إلى سانت هيلينا بصحبة فريق ضم 5 أشخاص، وسرعان ما تجاوز العدد 15 شخصًا، بعد أن اتضح حجم المهمة. وتبين لهم مع أول مقابر قاموا بحفرها بأنها مكتظة، حيث كان بعضها يضم ستة هياكل عظمية. قضى فريق بيرسون 4 أشهر في استخراج رفات 325 فردًا من مساحة تبلغ 1800 متر مربع. وقد قاموا بجمعها؛ لتخضع للفحص لاحقًا في جيمس تاون. وبدا أن أكثر من نصف هؤلاء كانت أعمارهم دون سن الثامنة عشرة، وكانت أكبر مجموعة ديموجرافية من الأطفال الذين تبلغ أعمارهم 12 سنة، أو أقل، وتشير تقديرات بيرسون إلى أن هذا الوادي يضم جثامين 8000 شخص.

تكتظ جُزُر الكاريبي والأمريكتان الشمالية والجنوبية بمواقع دفن للعبيد الذين ارتبطوا بتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلنطي، إلا أنها تضم عدة أجيال من العبيد: بعضهم وُلد في أفريقيا، وغيرهم في الأمريكتين.  وعلى النقيض من ذلك، يحتوي وادي روبرت على دليل ملموس على الأفراد الذين تم بيعهم كعبيد، ثم حُرِّروا. وهو ما قد يؤدي بدوره لا إلى مجرد معرفة الوجهة التي جاء منها هؤلاء العبيد، ولا حالاتهم على متن السفن، ولكن أيضًا إلى معرفة كيف شكّلت تجارة الرقيق هويّاتهم. ويضيف بيرسون قائلًا: "هؤلاء بالفعل أشخاص خُطفوا من أفريقيا قبل أسابيع قليلة، وهو ما يعطي  لنا لمحة حقيقية بالفعل عن طريق الممر الأوسط لتجارة الرقيق آنذاك، وهو الأمر الذي كان متعذرًا تمامًا بالطرق الأخرى".


الهوية الخفية

كانت المرة الأولى التي يرى فيها هانز شرودر - باحث الأحماض النووية القديمة في جامعة كوبنهاجن - رفات أثرية لتجارة الرقيق خلال أعمال الحفريات في جُزُر فيرجين وهو طالب في الجامعة. يعود تاريخ الموقع الذي كان يعمل به إلى ما قبل وصول الأوروبيين إلى الأمريكتين، إلا أنه كان متاخمًا لمزرعة كانت مثمرة في القرن الثامن عشر. فأمضى هو وصديقه عطلة نهاية الأسبوع في دراسة المزرعة، وتوصلا إلى أطلال بيت كبير، ومساكن الرقيق، وغيرها من المعالم. ويقول هانز في هذا الصدد: "كان هذا الموقع منسيًّا، لكنه مهم للغاية  لتاريخ الجزيرة، وكان لذلك أثر عميق جدًّا عليّ".

في عام 2009، و بينما كان  شرودر يبدأ الدراسة في مرحلة ما بعد الدكتوراة في جامعة كوبنهاجن، بدأ يفكر في معرفة الجهة التي جاء منها العبيد فعليًّا، عن طريق دراسة جينوماتهم.  يتوفّر تاريخ الاثني عشر مليون أفريقي الذين اختُطفوا في تجارة الرقيق في السجلات البحرية التي تضم قاعدة بيانات أكثر من 36 ألف رحلة بحرية، والتي كانت تعنى بالناحية التجارية فقط، ولا تذكر سوى الميناء التي أقلع منها الرقيق من أفريقيا، دون أن تتطرق إلى انتمائهم العرقي، أو أصولهم الجغرافية، التي قد تقع على بعد مئات الكيلو مترات عن المكان الذي بِيع فيه. وكانت وجهة نظر شرودر أن الأحماض النووية التي جُمعت من الرفات، وجرت مطابقتها مع قاعدة بيانات الجينوم للأفريقيين المعاصرين، يمكن أن تربط بين ضحايا تجارة الرقيق، وأوطانهم.

كبر الصورة

انطوى هذا الاقتراح على تحديات لسببين؛ أولا: على الرغم من اكتشاف العلماء لأجزاء مقروءة من الأحماض النووية، تعود إلى مئات الآلاف من السنين، إلا أن القسط الأكبر من النجاح كان من نصيب المواقع التي في شمال أوروبا، أو سيبيريا، أو أمريكا الشمالية. ولم يسعف الحظ أحدًا في تتبُّع تسلسل الأحماض النووية القديمة في مواقع استوائية، لأن الحرارة والرطوبة تسرعان من تحلُّل الجزيئات الحيوية. ثانيًا، أخفق مجتمع دراسة الجينات تاريخيًّا في تمثيل التنوع الجينومي لأفريقيا الحديثة في قواعد البيانات تمثيلًا كاملًا، فحتى بعد التمكن من الحصول على تسلسلات عالية الجودة من مواقع دفن الرقيق، سيكون من الصعب ربطها بدقة بالمجموعات السكانية المعاصرة، إلا أن شرودر لم ييأس أبدًا وظل متحمسًا للفكرة، فحصل هو وفريقه في عام 2011 على منحة بمبلغ 4 ملايين يورو (5.8 مليون دولار أمريكي) من المفوضية الأوروبية لتطبيق الطرق العلمية على دراسة تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلنطي، ويعمل شرودر وغيره على تتبع الرفات الموجودة في ستة مواقع لدفن الرقيق، بما فيها تلك التي في جزيرة سانت هيلينا.

كانت أُولى العظام التي قام الفريق بتحليلها تخص ثلاثة أفراد، اكتشفهم عمال الإنشاءات في جزيرة سانت مارتن الهولندية في البحر الكاريبي.  ومن خلال استخدم الكربون في تحديد الفترة الزمنية، تَبَيَّن أن الجثث تخص رجلين وامرأة، لقوا حتفهم في الفترة ما بين عامي 1660، و1688، بينما أظهرت السجلات وصول سفينة رقيق واحدة على الأقل إلى الجزيرة. وكانت قواطع أسنان الثلاثة مشذبة في بعض المواضع، مما قد يشير إلى أنهم وُلدوا في أفريقيا، حيث كان تقويم الأسنان من الطقوس المشتركة بين العديد من المجموعات العرقية الأفريقية. وباستخدام التقنيات الجزيئية التي تنقي الحمض النووي البشري القديم من المادة الوراثية الميكروبية التي تغزو العظام بعد الموت، تَمَكَّن فريق شرودر من التوصل جزئيًّا إلى تسلسل الجينوم لكل شخص.

وتشير المقارنات التي أُجريت  بين الأحماض النووية لإحدى عشرة مجموعة أفريقية معاصرة إلى أن أحد أفراد سانت مارتن تربطه صلات وثيقة  بمجموعة عرقية تتحدث البانتو في شمال الكاميرون، واسمها البامون، في حين كانت الأحماض النووية للشخصين الآخرين تجمعها قواسم مشتركة مع مجموعات عرقية تعيش الآن في نيجيريا وغانا، بما في ذلك الإيبو، وبرونج. ويشعر شرودر بالتردد في القَطْع بنسبتهم إلى هذه المجموعات، ولكن النتائج التي نُشرت في العام الماضي (H. Schroeder et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 112, 3669–3673; 2015) أعطته الأمل في أن الأحماض النووية القديمة قد تقدِّم رؤى حقيقية للأصول الوراثية للعبيد، بل وستلقي نظرة على كيفية إعادة تشكيل طريق الممر الأوسط لهويّاتهم. يقول شرودر: "إن هؤلاء الأشخاص الثلاثة - على الرغم من أنهم قد دُفنوا معًا، وربما وصلوا على السفينة نفسها – ينتمون إلى خلفيات عرقية مختلفة"، وربما كانوا يتحدثون لغات مختلفة. وأضاف: "هذا يجعلك تفكر: كيف تواصلوا معًا، وماذا يعني هذا بالنسبة إلى تشكيل هويات جديدة في الأمريكتين؟"

 على الأرجح، كان وادي روبرت مجتمعًا متعدد اللغات.  وتشير سجلات الشحن إلى أن سفن العبيد التي كانت ترسو في سانت هيلينا كانت تنطلق من موانئ في وسط وغرب أفريقيا، التي تشمل المناطق المعروفة في الوقت الحالي بأنجولا والكونغو (انظر: "الطريق إلى وادي روبرت"). كما أن هناك دلائل تشير إلى أن جلب بعض الأفراد كان يتم من أماكن أبعد من ذلك، مثل موزمبيق، ومدغشقر. وأشار أحد المتتبعين لأربعينات القرن التاسع عشر إلى أن هناك مجموعة تضم 40 فردًا من "السكان الأصليين من داخل أفريقيا" ممن قطعوا عدة أشهر للوصول إلى ساحل المحيط الأطلنطي. وأضاف زائر آخر من زوار وادي روبرت قائلًا: "إنهم ينتمون إلى عدد كبير من القبائل والمناطق المختلفة، وسيكون من الشيِّق اقتفاء آثارهم، إذا عرفنا اللغات التي كانوا يتحدثون بها".

لقد دعمت الأحماض النووية للعبيد السابقين هذا التصور، فجمع شرودر، ومارسيلا ساندوفال فيلاسكو - أخصائي الوراثة القديمة بجامعة كوبنهاجن - الأحماض النووية من أسنان 63 فردًا، وتتبعوا جزئيًّا تسلسلات الجينوم من بين 20 عينة محفوظة حفظًا جيدًا. وأظهرت المقارنات التي عُقدت مع السكان الأفريقيين المعاصرين، أن العبيد المحرَّرين ينتمون إلى خلفيات أفريقية متنوعة، بينما ينتسب عدد قليل منهم  إلى الجماعات العرقية المعاصرة في وسط وغرب أفريقيا، مثل الباموم، والكونغو، إلا أن معظمهم لم تربطهم جذور خاصة ووثيقة مع أي مجموعة من المجموعات الأفريقية التي قارنهم  فريق البحث بها. وقد عزى شرودر ذلك إلى عدم وجود بيانات جينومية لدول معينة، مثل أنجولا، وموزمبيق.


شواهد بديلة

انزعج شرودر من عجْز فريقه حتى الآن عن تحديد الجهة التي جاء منها العبيد المحرَّرون في سانت هيلينا، أو نسبتهم بشكل وثيق و محدد لأيّ مجموعة من المجموعات العرقية المعاصرة، إلا أنه على ثقة مِن أن جينوماتهم ستساعد - في نهاية المطاف - على تضييق نطاق هذا البحث. وتتبع العديد من مشروعات الطب الحيوي تسلسل جينومات الكثير من الناس في أنحاء أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وبناءً عليه، يأمل شرودر  "ألّا يستغرق هذا وقتًا طويلًا".

وفي غضون ذلك، سيتتبع مع زملائه الخيوط الأخرى التي تتعقب أصول 325 شخصًا من العبيد المحرَّرين، كما أنهم يولون استكمال المعلومات غير المتوفرة عن تفاصيل حياتهم القدر نفسه من الأهمية. إن اختلاف مستويات بعض النظائر الكيميائية - بما في ذلك السترونتيوم في الأسنان، حسب الكيمياء الجيولوجية للمنطقة - يوفر أدلَّة على الأماكن التي كان يعيش فيها الأفراد حين كانوا أطفالًا، عندما تشكلت أسنانهم في سن البلوغ.

ومن جهته، توصَّل جودي واتسون - الذي يدرس في مرحلة الدكتوراة في جامعة بريستول بالمملكة المتحدة، والذي يتعاون مع مجموعة شرودر - إلى أن هناك مجموعات من الأفراد في وادي روبرت لديهم مستويات نظائر متماثلة، كما لو كانوا قد نشأوا في المنطقة نفسها. ويقول كيت روبسون-براون، باحث الأنثروبولوجيا البيولوجية، الذي يقود فريق بريستول: "إن هذا يمكن أن يكون دليلًا على أنه تم اختيار هؤلاء المختطَفين، ليس كأفراد، ولكن كمجموعات من المنطقة نفسها". وإذا تمكَّن تحليل الجينوم من نسبة العبيد المحرَّرين إلى مجموعات سكانية معاصرة أكبر، فإن مستويات النظائر - التي قد تختلف بشكل كبير بين المناطق المتجاورة - يمكنها تضييق نطاق الأصول الجغرافية. وقد أعدّ واتسون - بمعونة بيرسون - قائمة بسفن العبيد وموانئ المغادرة المحتمَلة، مستندًا في ذلك إلى العملات النقدية، وغيرها من الدلائل الأثرية التي تشير إلى أن الأفراد الذين وصلوا إلى وادي روبرت قد توفوا في أربعينات القرن التاسع عشر.

"إن الأحماض النووية القديمة تمنحنا لمحة عن الماضي الذي طالما كنا نتوق إليه، ولم نستطع الوصول إليه مباشرة".

وفي إطار سعيهم إلى معرفة أكبر قدر ممكن من المعلومات عن حياة العبيد السابقة، يحاول الفريق تتبُّع  أدلة أخرى، فيقول روبسون-براون: "إن النظائر وعلم الوراثة لن يعرِّفانا  الهوية الاجتماعية لهذا الشخص". فعلى سبيل المثال، تدرس إرنا يوهانزدوتير - طالبة الدراسات العليا - في مختبرها مجموعة متنوعة من تقويمات الأسنان، التي لها جذور ثقافية، والتي رُصدت في الرفات؛ فثمة تقويمات معينة قد تشير إلى الانتماءات العرقية لصاحبها، خاصة عند مقارنتها ببيانات الجينوم. وتَبَيَّن لروبسون-براون أن هناك تقويمات قد أُجريت قبل وقت قصير من وفاة الأفراد، بل ربما تكون قد أُجريت على متن سفينة الرقيق. "ليس من المستحيل أن نتخيل أن هؤلاء الشباب يطورون علاقات قرابة فيما بينهم خلال عملية استرقاقهم، بدءًا من خَطْفهم، ثم استعبادهم، وشَحْنهم، وما تلا ذلك من أمور فظيعة - وهذا في رأيي - يقدِّم لنا رسالة قوية على الروح البشرية، وصمودها".

يقول ديفيد ريتشاردسون، المؤرخ الاقتصادي في جامعة هال بالمملكة المتحدة، وأحد أعضاء الفريق: "إن علماء تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلنطي يتوقون إلى نسْج هذه الأفكار في أبحاثهم، حيث انبهر المؤرخون بقضايا الهوية، وقضايا التكيف الثقافي، والموروثات الثقافية، و يُعتبر هذا كله جزءًا من تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلنطي".

روابط الأسلاف

يُمكن أن تسهم أبحاث الأحماض النووية الخاصة بتجارة الرقيق في تغيير رؤية الأشخاص لتراث هذه التجارة.

وفي هذا الصدد، عَلَّق جاكسون قائلًا: "إنه أمر شخصي للغاية بالنسبة لنا، فالأمر ليس مجرد حمض نووي قديم، ولكنه حمض نووي قديم لأسلافنا المحتملين". وحتى إنْ لم يتسن ربط العبيد السابقين بأحفادهم الذين هم على قيد الحياة، من خلال الحمض النووي، فإنّ توفُّر مادة وراثية ينطوي على أهمية كبيرة. ويعلِّق جاكسون قائلًا: "يتيح لنا البحث في الحمض النووي القديم الاتصالَ بالتاريخ، خيره وشره، على حد سواء، ومواءمته مع هويتنا".

وفي سياق متصل، تقول عالمة الاجتماع في جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك، ألوندرا نيلسون، إن هذا النوع من الأبحاث المتعلقة بالأصول الوراثية قد بدأ في عام 1991 تقريبًا، مع اكتشاف مقبرة للرقيق في مانهاتن السفلى، يُعتقد أنها كانت تضم رفات 10,000 إلى 20,000 من الرقيق. وتجدر الإشارة إلى أن تحليل الحمض النووي الميتوكوندريّ  (أُجري جزء منه بمعرفة جاكسون) قد لا يكشف عن الكثير عن الأفراد المستخرَجين من هذه المقبرة، سوى أن لديهم علامات أمومة شائعة في أفريقيا. وحتى قبل سنوات من اكتشاف هذا الرابط الوراثي المؤقت، ظهر أناس يزعمون أن لديهم روابط بالأفراد المدفونين هناك. وقد انتقدت جماعةٌ تُعرف باسم "أحفاد المقبرة الأفريقية" السياسيين والباحثين، نظرًا إلى سوء التعامل مع الرفات المكتشَف.

أعرب بيرسون عن قلقه مِن أن الحفريات الموجودة في وادي روبرت ستؤدي إلى رد فعل مماثل من سكان الجزيرة (المعروفين محليًّا باسم القديسين)، الذين تعود أصول العديد منهم إلى العبيد السابقين، إضافة إلى  العمال الصينيين الذين حَلُّو محلهم؛ للعمل بعقود مؤقتة، والمستوطنين البريطانيين.

وفي  تعليقه على هذا يقول بيرسون: "اعتقدتُ أننا قد نواجه مشكلة مفزعة، فقد يأتي بعض الأحفاد ليقولوا لنا 'كيف لكم أن تفعلوا هذا بأسلافنا؟"'، غير أن ذلك لم يحدث أبدًا، مضيفًا: "أعتقدُ أن الناس ربما يفضِّلون عدم إبراز تراثهم الأفريقي؛ و بالتالي تم فقده ".

وعلى الرغم من اكتمال أعمال مطار سانت هيلينا، إلا أن مُدَرّجه لم يتلق حتى الآن رحلات تجارية منتظمة، لكونه مُعَرَّضًا دومًا لهبوب الرياح، وربما لن يحدث هذا أبدًا. كما يحوم شك مماثل حول مصير رفات العبيد المحرَّرين؛ ففي عام 2015، استطلعت حكومة سانت هيلينا رأي السكان، وسألتهم عمّا يريدون فعله تجاه هذه الهياكل العظمية. تنوعت الخيارات الواردة في الاستبيان بين الاحتفاظ بها كمصدر بحثي، وبين إعادتها إلى موقع لم يتم تحديده بعد في أفريقيا (اقتراح قد تواجهه الكثير من المعوقات السياسية واللوجستية، حتى وإن تم تحديد أصولهم، كما يشير بيرسون)، لكن الغالبية العظمى من المشاركين في الاستبيان أعربوا عن رغبتهم في إعادة دفنهم ثانية في وادي روبرت، بل إن كثيرين أشاروا إلى أنه يتعين فعل ذلك بأسرع ما يمكن.

 وبالرغم مما يتسنى للباحثين من اكتساب معلومات جديدة من هذه العظام، يتوافق رأي بيرسون مع رغبة السكان، كما يأمل في العودة إلى سانت هيلانة؛ ليساعد في عملية إعادة الدفن، إذ يقول في هذا الصدد: "لقد عانى هؤلاء الأشخاص من تجربة مأساوية في آخِر حياتهم، فيا لها من نهاية مهينة سيلقاها هؤلاء على يد البيض، إذا ظلوا عالقين في مختبر إلى الأبد".

في عام 1864، وصل إلى وادي روبرت آخِر ستة من الرقيق المحرَّرين على متن سفينة دُمرت تمامًا، لدرجة أن البحرية الملكية تركتها حتى تغرق، وقد تم حلّ مخيم اللاجئين في عام 1867.

تضاربت آراء المؤرخين بشأن الحملة التي أُطلقت لملاحقة تجار الرقيق، ومحاكمتهم، فربما أسهمت هذه الحملة في الإسراع بالقضاء على تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلنطي في البرازيل، وكوبا، وهما المَعقلان الأخيران في فصل مظلم من تاريخ البشرية، ولكن الأشخاص الذين حررتهم البحرية البريطانية، والذين تركوا سانت هيلينا في نهاية المطاف، ربما اعتبروا مصائرهم المتمثلة في العمل في أراضٍ أجنبية، والقتال في حروب لصالح شعوب أخرى، ما هي إلا امتداد لاستعبادهم.

بيد أنه هناك مَن قَرَّر البقاء؛ حيث اندمج في النهاية مئات الأفريقيين المحرَّرين مع سكان سانت هيلينا، إذ يشير تعداد عام 1881 أن 77 شخصًا  سُجّل محل ميلادهم "الساحل الغربي الأفريقي".

ويبقى من الصعب تخيُّل حياتهم، فقد انتُزِعوا من مواطنهم الأصلية، وأُنقِذوا من الاستعباد، و لكنهم تُرِكوا في جزيرة نائية، أحرارًا، ولكنّهم منفِيُّون. تُظهِر صورة فوتوغرافية - يعود تاريخها إلى أكثر من قرن - خمسة منهم: ثلاث نساء جالسات، ورجلين، كانوا مقيمين في الملجأ. يقول التعليق على الصورة "على الرغم من أن الرجال تجاوزوا السبعين، إلا أنهم يتسنى لهم اكتساب القليل من الرزق، ولكن النساء عاجزات، بل وربما ضريرات". لقد وصلوا على متن "سايكلوبس"، وهي سفينة بحرية، تعود آخِر رحلاتها إلى سانت هيلينا  لما قبل ذلك بنصف قرن. تلك هي الصورة النهائية التي التُقطت للعبيد المحرَّرين في سانت هيلينا، غير أن الحمض النووي قد يُظْهِر صورة أخرى.