NATURE | أنباء وآراء

علم الخلية: عاملان وراء انقسام الميتوكوندريا

لا بد للميتوكوندريا – مصدر الطاقة في الخلية - أن تنقسم وتلتحم بشكل ديناميكي؛ من أجل أن تؤدي وظيفتها. وقد تبين أن هناك إنزيمين مختلفين من إنزيمات الداينامين يساعدان على انقسام الميتوكوندريا.

  • هايدي ماكبرايد
  • آدم فروست

Nature (2017) doi:10.1038/nature20482 | Published online | English article

إذا أردنا إعادة صياغة ما قاله عالِم الأحياء الشهير فرانسوا جاكوب، فإن حلم كل ميتوكوندريا – العضية المسؤولة عن إنتاج الطاقة في الخلية – هو أن تصبح اثنتين. وفي دراسة نشرتها دورية Nature، يوضح جيه. إي. لي وزملاؤه1 أن بروتينين مختلفين من بروتينات الداينامين يعملان بشكل متسلسل في عملية انقسام الغشاء، التي تنقسم على إثرها الميتوكوندريا إلى اثنتين. أحد هذين البروتينين يساعد على الانقباض المبدئي لغشاء الميتوكوندريا، بينما يساعد الآخر في الخطوات الأخيرة لانقباض الدهون الضروري لانشطار الغشاء. وتلعب الميتوكوندريا دورًا أساسيًّا في العمليات الخلوية، ويمكن أن يساعد الوقوف على فهْم أفضل لكيفية انقسامها في إلقاء الضوء على الأمراض البشرية التي تنجم عن الخلل الوظيفي بها.

توجد الميتوكوندريا في صورة شبكة متصلة ديناميكية من بِنَى عضية تُسمى "النسيج الشبكي"، تخضع لجولات متكررة من الالتحام والانقسام2. وتعمل أحداث إعادة التشكل هذه على توزيع الميتوكوندريا في جميع أنحاء الخلية، وتساعد على الحفاظ على أعداد الميتوكوندريا والقدرة الأيضية، وتضمن كذلك انتشار الجينومات الميتوكوندرية بشكل مثالي في جميع أنحاء النسيج الشبكي1.

وقد سعى علماء بيولوجيا الخلية طويلًا؛ لفهْم كيفية انقسام العضيات المرتبطة بالغشاء، وكيف تجتزئ حويصلات غشائية لنقل البروتينات والمواد الغذائية عبر الخلية. وكانت الأبحاث في هذا المجال تركز دائمًا على عائلة بروتينات الداينامين؛ وهي إنزيمات هاضمة للجوانوسين ثلاثي الفوسفات، تتجمع في بِنَى تشبه ياقة الملابس حول "أعناق" الدهون المتقلصة للحويصلات المتبرعمة المرتبطة بالأغشية، أو البِنَى العضية الأنبوبية2,3. والتحلل المائي لجزيء الجوانوسين ثلاثي الفوسفات يوفر الطاقة التي تقف وراء التغيرات في بنية الداينامين. وهذه التغيرات في الشكل تضغط الأغشية الدهنية المحاطة بالدينامين مع بعضها البعض؛ حتى يحدث انقسام غشائي من خلال عملية تُسمى "الانشطار"3.

ويمكن لبعض بروتينات الداينامين2 أن تقلص الحويصلات بقطر 100 نانومتر، حتى تصل إلى قطر 10 نانومترات تقريبًا، وهو الحجم المطلوب لانشطار الغشاء. وعلى أية حال، يتراوح قطر الميتوكوندريا بين 500، و1000 نانومتر (المرجع 2)، كما أنها تتكون من اثنين من الأغشية الدهنية. وهذا المقياس الميتوكوندري يعني أن ثمة حاجة إلى عملية إعادة تشكيل أكبر بكثير من أجل الانشطار الميتوكوندري، مقارنة بانشطار أغشية الحويصلات.

وتتميز الأماكن على سطح الغشاء الميتوكوندري مبدئيًّا - التي سيحدث فيها انقسام الميتوكوندريا لاحقًا - باتصالها بالشبكة الإندوبلازمية، وهي عُضَيَّة خلوية أخرى2. ويُعتقد أن مناطق الاتصال هذه هي التي تبدأ عملية تقلص الغشاء الميتوكوندري، من خلال بلمرة خيوط بروتين الأكتين، التي توفر القوة المطلوبة لعملية إعادة تشكيل الأنابيب الميتوكوندرية المصغرة2. ويتم استقطاب البروتين Drp1 - وهو أحد البروتينات الميتوكوندرية المرتبطة بالداينامين - إلى مواقع الاتصال قبل عملية التقلص، ويتجمع في بِنَى حلزونية ودائرية على سطح الغشاء2، غير أنه لم يكن معروفًا ما إذا كان تجمُّع بروتين Drp1 والنشاط الإنزيمي يساعدان على تقليص الأنابيب الميتوكوندرية المصغرة حتى نقطة الانشطار، أم لا.

وقد لاحظ لي وزملاؤه أن الخلايا التي تفتقد إلى بروتين الداينامين 2 كانت لديها زيادة في الميتوكوندريات الملتحمة، وهو ما يشير إلى أن الداينامين 2 قد يكون له دور في الانقسام الميتوكوندري. وباستخدام المجهر الضوئي عالي الوضوح، راقب الباحثون الداينامين 2 في المواقع التي يحدث عندها انقسام ميتوكوندري. وقد أثمرت ملاحظة كل من بروتين الداينامين 2، وبروتين Drp1 بشكل متزامن عن اكتشاف كيف يعمل هذان البروتينان على إتمام عملية تقلُّص الأنابيب الميتوكوندرية المصغرة تقلصًا تامًّا. وباستخدام المجهر الإلكتروني، تَمَكَّن لي وزملاؤه من قياس حجم التقلصات الميتوكوندرية التي تراكمت في غياب الداينامين 2. وقد كشف هذا عن أن البروتينDrp1  يعمل على تقليص الغشاء الميتوكوندري إلى قطر يصل إلى 100 نانومتر تقريبًا، ثم يكمل الداينامين 2 عملية تقليص أنبوب الغشاء المصغر، حتى الوصول إلى نقطة الانشطار (الشكل 1).

الشكل 1: أدوار مختلفة لبروتينات الداينامين في انقسام الميتوكوندريا. عندما تنقسم الميتوكوندريا إلى اثنتين، يتقلص غشاؤها الدهني في المنتصف، حتى تلتحم الطبقات الدهنية وتنفصل. ويرتبط إنزيم الداينامين، المسمىDrp1  بغشاء الميتوكوندريا، ويعمل على تقليصه جزئيًّا. وقد وجد لي وزملاؤه1 أن هناك بروتينًا آخر من عائلة الدينامين، يُعرف باسم داينامين 2، يرتبط بغشاء الميتوكوندريا، ويعمل على تقليص الغشاء أكثر؛ ليتيح بذلك الخطوة النهائية من التحام الدهون، ومن ثم انقسام العضية.

كبر الصورة

وقد مَثَّلَ هذا الاكتشاف مفاجأة، نظرًا إلى أن الداينامين 2 كان يرتبط أساسًا في السابق بانشطار الحويصلات التي تمهِّد لعملية الالتقام الخلوي، وهي العملية التي يتم من خلالها امتصاص المواد من خارج الخلية3. كما انطوى الأمر على مفاجأة أخرى، ألا وهي الاستخدام المتتابع لاثنين من بروتينات الداينامين المختلفة في مرحلتين منفصلتين من مراحل تقلص العضيات الغشائية، وهو ما لم يُلْحَظ من قبل.

ويشترك كل من بروتينDrp1 ، وبروتين الداينامين في بعض السمات التطورية مع باقي عائلة الداينامين، لا سيما في النطاقات البنيوية، التي تدفع تلك البروتينات إلى التجمع حول منطقة التقلص. ويربط كل داينامين بروتينات ودهون محددة، وهو ما يحدد أين سيعمل داخل الخلية. ويحدث استقطاب بروتينDrp1  إلى الميتوكوندريا من خلال الارتباط ببروتينات المُستقبِلات الميتوكوندرية4، التي تتضمن بروتينات Mff، وMiD49، وMiD51. ويتم التحكم في هذا الاستقطاب عن كثب، من خلال التعديلات التي تقع على بروتينDrp1 ، والتي تغيِّر من هيئته ونشاطه، مما يتيح رابطًا من التأشير الخلوي والأيض من ناحية، وديناميكيات الميتوكوندريا من ناحية أخرى2.

وثمة سؤال جوهري، طرحه عمل لي وزملائه، وهو عن كيفية استقطاب بروتين الداينامين 2 إلى الميتوكوندريا. ربما يكون التوصل إلى الإجابة أمرًا سهلًا، لأن الأشكال الميتوكوندرية للبروتينات الرئيسة التي يرتبط بها الداينامين 2 معروفة بالفعل. وتتضمن هذه البروتينات بروتين إندوفيلين ب1، الذي ينتمي إلى عائلة بروتينات BAR (مرجع 5)، وإنزيم الفوسفاتاز المسمى سينابتوجانين 2أ (مرجع 6)، الذي يستهدف الفوسفوإينوزيتايد الدهني. وعلى أية حال، فإن وظيفة هذه البروتينات في الانقسام الميتوكوندري لم تثبت بشكل واضح بعد. وثمة بروتين آخر يستحق الدراسة، يُسمى بروتين SNX9، وهو شريك الداينامين 2 في عملية الربط، وينظم عملية تكوين الحويصلات من الميتوكوندريا7.

وسيركِّز مجالٌ أساسي للعمل البحثي مستقبلًا على تحديد كيفية تقدُّم التقلص التتابعي للميتوكوندريا، من خلال المراحل الثلاث التي أشار إليها لي وزملاؤه: بدايةً من التقلص الذي تستحثه الشبكة الإندوبلازمية، مرورًا بتجميع بروتين Drp1، الذي يعمل على تقليص قطر الميتوكوندريا، وصولًا إلى ذلك الاستقطاب المنظم للداينامين 2 إلى موقع التقلص الذي أَحْدَثَه بروتين Drp1، الذي يُعَدّ ضروريًّا للانقسام الغشائي. وتتسم هذه الأحداث بأنها قابلة للفصل، وهو ما مِن شأنه أن يتيح التشريح الجزيئي لكل خطوة على حدة.

على سبيل المثال.. كشفت الدراسات المجهرية التي قام بها لي وزملاؤه أنه في غياب الداينامين 2، تم استقطاب بروتين Drp1 إلى أنبوب ميتوكوندري مصغر تَعَرَّض للتقلص، وهو ما تمخَّض عن عملية انقسام فاشلة، حيث سُحب أنبوب ميتوكوندري مصغر، مُغطى ببروتين Drp1، وانقبض، ولكنه لم ينقسم. وقد أشارت دراسات سابقة8 إلى أن فقدانDrp1  قد أدَّى إلى تقلصات جزئية، انتقلت عبر الشبكة الإندوبلازمية؛ نتج عنها بِنَى ميتوكوندرية تشبه خرزات ملتئِمة في خيط. وسوف تساعد دراسة هذه الحالات البينية الباحثين على فهْم كيفية استقطاب كل من جزيئي الداينامين، وتجمُّعهما من أجل انقسام الميتوكوندريا.

إنّ الاكتشاف الذي توصَّل إليه لي وزملاؤه يعني أنه لا بد أن تُوضع الميتوكوندريا في الاعتبار عند تفسير الملاحظات المرتبطة بتثبيط الداينامين بوسائل جينية أو عقاقيرية، وعلى سبيل المثال.. فالطفرات في الداينامين 2 مرتبطة بعدة اضطرابات في البشر، منها مرض شاركو-ماري-توث، والاعتلال العضلي مركزي النوى9. وبالرغم من أن الأبحاث قد ركَّزت على الأخطاء في عملية الالتقام الخلوي، ونقل الحويصلات؛ لتفسير هذه الأمراض9، فإن التغيير في الديناميكيات الميتوكوندرية ربما يسهم في إحداث هذه الأمراض. كما أن الطفرات الموروثة في بروتينات الميتوكوندريا - بما في ذلك بروتين Drp1 - تتسبب في الإصابة بأعراض تنكسية عصبية مماثلة (المرجع 10). ومن خلال إيضاح أن لبروتين الداينامين 2 وظائف في انقسام الميتوكوندريا، فقد فتح لي وزملاؤه آفاقًا للبحث في كيفية تأثير ديناميكيات الميتوكوندريا على الإصابة بالأمراض.


  1. Lee, J. E., Westrate, L. M., Wu, H., Page, C. & Voeltz, G. K. Nature 540, 139–143 (2016).
  2. Labbé, K., Murley, A. & Nunnari, J. Annu. Rev. Cell Dev. Biol. 30, 357–391 (2014).
  3. Antonny, B. et al. EMBO J. 35, 2270–2284 (2016).
  4. Osellame, L. D. et al. J. Cell Sci. 129, 2170–2181 (2016).
  5. Karbowski, M., Jeong, S. Y. & Youle, R. J. J. Cell Biol. 166, 1027–1039 (2004).
  6. Nemoto, Y. & De Camilli, P. EMBO J. 18, 2991–3006 (1999).
  7. Matheoud, D. et al. Cell 166, 314–327 (2016).
  8. Friedman, J. R. et al. Science 334, 358–362 (2011).
  9. González-Jamett, A. M. J. Neurochem. 128, 210–223 (2014).
  10. Waterham, H. R. et al. N. Engl. J. Med. 356, 1736–1741 (2007).