أنباء وآراء

علم الأحياء الخلوي: تأثير كبح الميتوكوندريا على إصلاح الأوعية الدموية

يتم إصلاح الأوعية الدموية المتضررة بواسطة الخلايا العضلية الملساء الوعائية، التي يبدو أن بروتين Fat1 ينظم تكاثرها عن طريق تثبيط عمل الميتوكوندريا.

  • تشارلز إي. دي بوك
  • ريك إف. ثورن
  • Published online:

إثر إصابة الخلايا المبطِّنة لجدران الأوعية الدموية، تنتقل الخلايا العضلية الملساء الوعائية (VSMCs) إلى المنطقة المتضررة، وتتكاثر هناك؛ لتغطية موقع الضرر، إلا أن تكاثر الخلايا المفرط قد يؤدي إلى زيادة سُمْك جدار الوعاء؛ ما يقلل تدفق الدم في الأوعية الدموية. وإلى جانب الأضرار التي تحدث بشكل طبيعي، قد تأتي إصابة الأوعية الدموية نتيجة لتدخلات جراحية، مثل زراعة الأعضاء، أو عمليات توسيع الأوعية الدموية الضيقة. وبفَهْم الإشارات التي تنظم تكاثر الخلايا العضلية الملساء الوعائية، يمكن تطوير أساليب إكلينيكية؛ للحدّ من هذه العملية، ومنع تضييق الأوعية الدموية بهذا الشكل.

أظهر كاو وزملاؤه1 - في بحث لهما، نُشر مؤخرًا بدورية Nature - أن البروتين المستقبِل Fat1 - وهو منظم سلبي، يقلل من تكاثر الخلايا العضلية الملساء الوعائية - له دور مباشر وغير متوقع في تنظيم إنتاج الطاقة في الميتوكوندريا، وهي عضيات تعمل كمحطات توليد للكهرباء في الخلية.

ينتمي بروتين Fat1 إلى عائلة بروتينات "فات كادهيرين" Fat cadherins الصغيرة الخاصة بالفقاريات، وهي بروتينات لا تزال وظيفتها الأساسية غير واضحة2، إلا أن بحثًا سابقًا3 كان قد كشف عن أن بروتين Fat1 يعزز هجرة الخلايا العضلية الملساء الوعائية، ويحدّ من تكاثرها، ما يقدم أدلة على أنه قد يكون له دور في إعادة تشكيل خلايا الأوعية الدموية.

يوجد البروتين المستقبِل Fat1 بشكل طبيعي على أسطح الخلايا، وتتكون بنيته من جزء خارج خلوي، ومقطع مارّ عبر الغشاء، وجزء داخل خلوي2. استخدم كاو وزملاؤه مطياف الكتلة؛ لتحديد البروتينات التي تتفاعل مع الجزء داخل الخلوي لبروتين Fat1 في الفئران، واكتشفوا أن 22 من متفاعلات Fat1 هي بروتينات موجودة في غشاء الميتوكوندريا الداخلي.

قد يتعامل كثير من علماء الكيمياء الحيوية بحذر مع فكرة التعمق في البحث في أيّ من أمثال هذه التفاعلات مع بروتينات الميتوكوندريا، نظرًا إلى شيوع كونها تفاعلات غير محددة، بيد أن كاو وزملاءه عملوا على اختبار نتائجهم، والتحقق من صحتها باستخدام مجموعة من التقنيات المختلفة؛ فلاحظوا وجود بروتين Fat1 داخل ميتوكوندريا الخلايا العضلية الملساء الوعائية، ووجدوا أيضًا أنه يتم إثراء أجزاء غير كاملة الطول من البروتين في الميتوكوندريا، وأن هذه الأجزاء تتفاعل بشكل مباشر مع بروتينات آليات التنفس الخلوي في الميتوكوندريا التي تولد النوكليوتيد الحامل للطاقة - ATP. وقد كشفت التحاليل اللاحقة أن الخلايا العضلية الملساء الوعائية للفئران - التي تفتقر إلى بروتين Fat1 - كان التنفس الخلوي عن طريق الميتوكوندريا معززًا فيها، في غياب تغييرات أخرى في بنية الميتوكوندريا، أو الكتلة التي قد تكون مسؤولة عن تعزيز مثل هذا الدور. ومن ثم، استنتج كاو وزملاؤه أن بروتين Fat1 يثبط التنفس الخلوي هذا لقمع تكاثر الخلايا العضلية الملساء الوعائية (الشكل 1).

الشكل 1 | بروتين Fat1 يسبح مع التيار.
يمكن أن تحدث إصابة لجدران الأوعية الدموية لأسباب طبيعية، أو بسبب تدخلات جراحية. ومن ثم، تهاجر الخلايا العضلية الملساء الوعائية (VSMCs) إلى موقع الضرر، وتتكاثر فيه، كجزء من عملية الالتئام، إلا أن ذلك قد يؤدي إلى تكاثر خلوي مفرط، يسبب زيادة في سُمْك جدار الوعاء، وتضييق الأوعية الدموية. يحدّ البروتين المستقبِل Fat1 (باللون الأزرق) من تكاثر الخلايا العضلية الملساء الوعائية3. وفي دراسات على الفئران وخلايا بشرية، أورد كاو وزملاؤه1 أن جزءًا من بروتين Fat1 يتفاعل مع بروتينات الميتوكوندريا؛ ويثبط نشاط الميتوكوندريا في الخلايا العضلية الملساء الوعائية.

كبر الصورة

كان الدور المهم الذي تلعبه وظيفة الميتوكوندريا في قدرة الخلايا العضلية الملساء الوعائية على التكاثر معروفًا من قبل4، لكن ما هي أهمية تأشير بروتين Fat1 لتنظيم عمل الميتوكوندريا اللازم لإصلاح تلف الأوعية الدموية، عن طريق الخلايا العضلية الملساء الوعائية؟ هنا، أثبت كاو وزملاؤه أهمية هذا المسار في الأنسجة البشرية، من خلال دراسات مختبرية تبيِّن أن بروتين Fat1 البشري يمكنه تنظيم عملية التنفس الخلوي بالميتوكوندريا، وكذلك تكاثر الخلايا العضلية الملساء الوعائية البشرية الآتية من الأوعية الدموية الشريانية. ولاحظ الباحثون أيضًا تعبير FAT1 في الخلايا العضلية الملساء الوعائية البشرية في أثناء عملية إصلاح شرياني، إثر اختبارهم عيِّنات من شرايين من متوفين، كانوا قد خضعوا لجراحة لإدراج دعامة لعلاج تصلب الشرايين (وهو أحد أشكال ضيق الشرايين).

قام كاو وزملاؤه بفحص نموذج لإصابة شريانية باستخدام فئران تفتقر الخلايا العضلية الملساء فيها إلى جين Fat1. وقد ضاقت الشرايين المصابة في هذه الفئران بشكل أزيد بكثير عن تلك الخاصة بمجموعة الفئران الشاهدة، ما يثبت أن وجود بروتين Fat1 عادةً ما يحدّ من احتمال أن تسهم الخلايا العضلية الملساء الوعائية في انسداد الأوعية الدموية. ومع ذلك.. رغم أن هذا النظام النموذجي قد يكون مناسبًا لجوانب عديدة من عمليات تكاثر خلايا الأوعية الدموية، وإعادة تشكيلها، فإنه لا يعكس كل العمليات المتضمَّنة في أمراض الأوعية الدموي، إلا أن هذا العمل البحثي يرسِّي إطار عمل مناسبًا لمواصلة البحث حول بروتين Fat1، ومسار تأشير الميتوكوندريا - على سبيل المثال - عن طريق اختبار ما إذا كان مسار التحكم بالميتوكوندريا هذا قد تم حفظه تطوريًّا في بروتينات أخرى من عائلة بروتينات Fat، أم لا.

إن مجال بيولوجيا الأوعية الدموية ليس هو المجال الوحيد الملائم للبحوث المتعلقة ببروتين Fat1. فقد رُؤي أن هذا البروتين يلعب دورًا كذلك في مجموعة متنوعة بشكل مثير للدهشة من الحالات المرضية2,1. ولمرض السرطان أهمية خاصة هنا، إذ إن الدراسات5 التي تمت على ذبابة الفاكهة Drosophila melanogaster تشير إلى أن جين  Ft - وهو نسخة جين Fat1 الموجودة في الذباب - هو جين مثبط للورم. وتتسق وظيفة تثبيط الورم تلك مع تقارير حول قَمْع أو تعطيل عمل FAT1 في بعض السرطانات البشرية6,2 - على سبيل المثال - قد يؤدي فقدان FAT1 إلى تأشير بروتين Wnt المحفز للورم6.

ومع ذلك، يتم التعبير عن FAT1 بشكل مفرط في بعض أنواع السرطان7، ما يخلق معضلة حول ما إذا كان هذا البروتين يحفز الأورام، أم يثبطها. قد يكون السبب وراء التعبير المفرط له في السرطان هو أن خلايا الأورام تحتاج إلى أن تنجو من الهلاك، عن طريق موت الخلايا، والمستويات العالية منه تحمي الخلايا من الموت8. كما يزيد FAT1 أيضًا في حالات نقص الأكسجين 9hypoxic. في كثير من الأحيان تظهر البيئة الخلوية المجهدة التي تنتج عن نقص الأكسجين في الأورام الصلبة، وقد تسمح زيادة FAT1 لخلايا الورم أن تبقى حية في مثل هذه الظروف. وكما هو الحال عادةً في علم الأحياء، تتطلب مسألة تحديد عمل البروتين أن توضع الملاحظات في السياق الخلوي الصحيح. ويتمثل التحدي في اكتشاف ما إذا كانت وظيفة بروتين Fat1 في السيطرة على التنفس الخلوي بالميتوكوندريا لها صلة بمرض السرطان في البشر، أم لا.

ويبين عمل بحثي سابق10 أن بروتين Ft الخاص بذبابة D. melanogaster يعزز عمل الميتوكوندريا، ما يتناقض مع ملاحظات كاو وزملائه بأن بروتينFat1  يثبط وظيفة الميتوكوندريا في الأنظمة الحيوية لدى الثدييات التي قاموا بدراستها. وما زال غير معروف ما إذا كان هذا الاختلاف ناتجًا عن اختلاف تطوري، أم أنه يعكس اعتمادًا عاليًا على الخلايا.

إن اكتشاف كيفية تنظيم مستويات بروتين Fat1 نطاق مهم للبحث. وقد لاحظ كاو وزملاؤه أن أجزاء صغيرة من البروتين، بدلًا من البروتين كامل الطول، ترتبط بالميتوكوندريا. وتشير هذه الملاحظة إلى أنه يُقطع بواسطة نوع من الإنزيم، كي يدخل إلى الميتوكوندريا. ويُعَدّ هذا البروتين ركيزة لمركّب بروتين جاما-سيكريتيز11، وهو إنزيم من نوع البروتييز الذي يشق أجزاء سيتوبلازمية من البروتينات عبر الغشائية ويُطْلِقها12، رغم أن الباحثين لم يبحثوا انشقاق بروتين Fat1 بهذا الإنزيم، أو بأي إنزيم آخر.

ومِن غير المعروف أيضًا ما إذا كانت هناك ربيطة ترتبط بالجزء خارج الخلوي من Fat1، أم لا. وبما أن الخلايا البِطانية في جدران الأوعية الدموية تستشعر الأضرار الميكانيكية، وتنقل هذه المعلومات إلى الخلايا العضلية الملساء الوعائية المجاورة13، فربما تؤشر الخلايا البِطانية لبروتين Fat1 عن طريق ربيطة مجهولة. وفي الغالب، ستكون هناك حاجة إلى فهم هذه الجوانب من عملية تنظيم FAT1؛ كي يتم استغلال الإمكانات العلاجية لهذا المسار التأشيري في العيادات.

  1.     Cao, L. L. et al. Nature 539, 575–578 (2016).
  2. Sadeqzadeh, E., de Bock, C. E. & Thorne, R. F. Med. Res. Rev. 34, 190–221 (2014).
  3. Hou, R., Liu, L., Anees, S., Hiroyasu, S. & Sibinga, N. E. S. J. Cell Biol. 173, 417–429 (2006).
  4. Chiong, M. et al. Front. Cell Dev. Biol. 2, 72 (2014).
  5. Mahoney, P. A. et al. Cell 67, 853–868 (1991).
  6. Morris, L. G. T. et al. Nature Genet. 45, 253–261 (2013).
  7. de Bock, C. E. et al. Leukemia 26, 918–926 (2012).
  8. Kranz, D. & Boutros, M. EMBO J. 33, 181–197 (2014).
  9. Madan, E. et al. Int. J. Cancer 139, 2570–2582 (2016).
  10. Sing, A. et al. Cell 158, 1293–1308 (2014).
  11. Magg, T., Schreiner, D., Solis, G. P., Bade, E. G. & Hofer, H. W. Exp. Cell Res. 307, 100–108 (2005).
  12. Bray, S. J. Nature Rev. Mol. Cell Biol. 17, 722–735 (2016).
  13. Gao, Y., Chen, T. & Raj, J. U. Am. J. Respir. Cell Mol. Biol. 54, 451–460 (2016).