NATURE | أنباء وآراء

علم كيمياء الأرض الحيوية: توقعات عجز مخزون الكربون في التربة

ربما تكون تغيرات كمية الكربون المخزَّنة في التربة مؤشرًا مهمًّا لتغيرات المناخ. وتشير الدراسات الميدانية التجريبية إلى أن معدل فقْد الكربون من التربة نتيجة للاحترار يبلغ ذروته في الأماكن التي تحوي أكبر مخزون من الكربون.

إيريك إيه. ديفيدسون

Nature (2017) doi:10.1038/540047a | Published online | English article

إن محتوى التربة من الكربون وتغيراته على مستوى العالم يشبه قليلًا عجز الميزانية الفيدرالية الأمريكية، حيث إن كمية الكربون هائلة، وتغيُّرها السنوي هو الفرق بين المدخلات والمخرجات الضخمة (ما يماثل الإيرادات والنفقات)، وتتراكم تغيراته على مدى عقود؛ لتأتي بتبعات ضخمة على المجتمع. إنّ التغير الذي يحدث في مخزون تربة الكوكب من الكربون يسببه في الغالب وجود فرق بسيط بين المدخل الرئيس - وهو كمية الكربون النباتي الناتجة عن عملية التمثيل الضوئي - والمخرج الرئيس، وهو ثاني أكسيد الكربون المفقود عن طريق التنفس، نتيجة للتحلل الميكروبي للمواد العضوية في التربة. ستستجيب عمليات التمثيل الضوئي والتنفس للتغير المناخي، لكن التكهن بكيفية تأثير هذه الاستجابات على الفرق البسيط في المدخلات (التمثيل الضوئي) والمخرجات (التنفس)، وبالتالي التأثير على تخزين الكربون في التربة، أمر صعب. فقد قام كراوثر وزملاؤه1 باستنباط نتائج 49 تجربة، تتم فيها تدفئة التربة، وبَيَّنوا في بحثهم المنشور أن مفقودات تربة منطقة القطب الشمالي الغنية بالكربون ربما ترجح كفة الاتزان العالمي لمخزون التربة من الكربون نحو رد فعل إيجابي لتغيُّر المناخ.

ولسوء الحظ.. ليس لدينا إلا القليل من المشاهدات المباشرة لتأثيرات الاحترار على مخزون كربون التربة، ولا تتوافق توقعات نماذج النظام الأرضي (ESMs) مع بعضها البعض، سواء في نوع التغير الذي حدث، أم مقداره2. وتحاكي غالبية تلك النماذج معدل تحلُّل محتوى التربة من الكربون باستخدام دالات بسيطة لدرجة الحرارة (عادةً إمّا دالة 10 ، أو "أرنيوس")، مستمدة من ملاحظات مختبرية وميدانية خلال فترة قصيرة (من أيام إلى سنوات). ومع ذلك.. فإن الجزء الكبير من الكربون الموجود في التربة بشكل طبيعي على مدى عقود يرتبط بالأصداء المناخية بشكل أكبر بكثير، وربما يستجيب تحلل الكربون بشكل مختلف للمناخ المتغير عن التحلل المشهود في أثناء الدراسات قصيرة المدى3.

حلَّل كراوثر وزملاؤه نتائج 49 تجربة، تمت فيها تدفئة التربة، وأُجريت في مواقع مختلفة في جميع أنحاء أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا (الشكل 1). أصدر عددٌ قليل من هذه الدراسات نتائج بعد مرور أقل من عام من التدفئة التجريبية، لكن معظمها استمر لعدة سنوات، والعديد منها استمر لعشر سنوات، أو أكثر. ولتطبيع النتائج التي تم الحصول عليها باستخدام منهجيات مختلفة، قام الباحثون بتقسيم تغيُّرات كربون التربة المذكورة التي حفزتها التدفئة على ناتج اختلاف درجة الحرارة على مدى السنين، وهو مقياس يتم الحصول عليه، عن طريق ضرب كثافة المعالجة التجريبية (عدد درجات الحرارة التي رُفعت) في مدة التجربة (عدد السنوات).

<p>حَلَّل كراوثر وزملاؤه<sup><a href="#ref1">1</a></sup> نتائج 49 دراسة ميدانية، تمت فيها تدفئة التربة في مواقع مختلفة حول العالم (يُشار إلى المواقع هنا بنقاط، بعضها يشير إلى مواقع عامة لأكثر من دراسة)؛ لتقييم كيف يغير الاحترار كثافة كربون التربة. وقاموا بعد ذلك باستقراء ما توصلوا إليه باستخدام نموذج إحصائي؛ للكشف عن الحد الأقصى المحتمَل لتغيرات كربون التربة بحلول عام 2050 (كما هو موضح بكيلوجرامات الكربون في كل متر مربع، للـ15 سنتيمترًا العليا من التربة)، بافتراض سيناريو للتغير المناخي - موزَّع مكانيًّا - يزيد فيه متوسط درجة الحرارة العالمية درجة مئوية واحدة، إضافة إلى وضع افتراضات معينة حول المدة التي تستغرقها العمليات الميكروبية بالتربة للتكيف مع هذه الزيادة. ويوضح هذا التحليل أن تربة مناطق خطوط العرض العليا معرَّضة بشكل خاص لصافي خسارة في الكربون، ما مِن شأنه أن يكون بمثابة رد فعل إيجابي لتغيُّر المناخ. أما استقراءات المناطق الاستوائية والصحراوية، فهي غير محددة بشكل جيد، نظرًا إلى عدم ورود بيانات من هذه المناطق. (مقتبَس من المرجع <sup><a href="#ref1">1</a></sup>.)</p>

حَلَّل كراوثر وزملاؤه1 نتائج 49 دراسة ميدانية، تمت فيها تدفئة التربة في مواقع مختلفة حول العالم (يُشار إلى المواقع هنا بنقاط، بعضها يشير إلى مواقع عامة لأكثر من دراسة)؛ لتقييم كيف يغير الاحترار كثافة كربون التربة. وقاموا بعد ذلك باستقراء ما توصلوا إليه باستخدام نموذج إحصائي؛ للكشف عن الحد الأقصى المحتمَل لتغيرات كربون التربة بحلول عام 2050 (كما هو موضح بكيلوجرامات الكربون في كل متر مربع، للـ15 سنتيمترًا العليا من التربة)، بافتراض سيناريو للتغير المناخي - موزَّع مكانيًّا - يزيد فيه متوسط درجة الحرارة العالمية درجة مئوية واحدة، إضافة إلى وضع افتراضات معينة حول المدة التي تستغرقها العمليات الميكروبية بالتربة للتكيف مع هذه الزيادة. ويوضح هذا التحليل أن تربة مناطق خطوط العرض العليا معرَّضة بشكل خاص لصافي خسارة في الكربون، ما مِن شأنه أن يكون بمثابة رد فعل إيجابي لتغيُّر المناخ. أما استقراءات المناطق الاستوائية والصحراوية، فهي غير محددة بشكل جيد، نظرًا إلى عدم ورود بيانات من هذه المناطق. (مقتبَس من المرجع 1.)

وقد وجد الباحثون أن الكربون المفقود - نسبة إلى اختلاف درجة الحرارة على مدى السنين كان الأضخم عندما كان مخزون التربة من الكربون كبيرًا في المناطق قيد الدراسة - ما يحدث عادة في مناطق خطوط العرض العليا. ويمكن للاحترار أن يزيد معدل عملية التمثيل الضوئي، وكذلك مدخلات كربون النبات إلى التربة، لكن ما يبدو أن هذا لا يواكب خسائر الكربون في النظم البيئية في مناطق خطوط العرض العليا. وعندما يكون مخزون التربة من الكربون أقل، كما هو الحال عادة في مناطق خطوط العرض الأدنى، يتساوى تقريبًا تأثير المدخلات النباتية والانحلال الميكروبي، ما يؤدى إلى تغيرات أقل في كربون التربة (مكاسب وخسائر معتدلة).

ومن ثم، قام كراوثر وزملاؤه باستكشاف أهمية النتائج التي توصلوا إليها حول العالم، عن طريق تطبيق سيناريو للتغير المناخي - موزع مكانيًّا - على قاعدة بيانات عالمية خاصة بالتربة؛ وذلك باستخدام نموذج إحصائي يحسب نسبة فقدان الكربون أمام كل درجة في كل عام، في شكل دالة تتضمن مخزون الكربون الأوَّلِي. في المتوسط، يوجد في تربة مناطق خطوط العرض العليا مخزون كبير من الكربون، وتتعرض التربة هناك لأكبر قدر من الاحترار. لذا.. تُعَدّ هذه المناطق مصدرًا متعاظِمًا لثاني أكسيد الكربون الموجود في الغلاف الجوي (الشكل 1).

ومع ذلك هناك صعوبة إضافية في التنبؤ بكمية الكربون المفقود، تتمثل في أن العمليات الميكروبية في التربة يبدو أنها تتكيف مع تغيرات درجات الحرارة، ما قد ينتج عن تغيُّر في المجتمعات الميكروبية، أو تحوُّل في درجة الحرارة المثلى لوظائف الإنزيمات الخاصة بها، أو استنفاد لركائز الكربون العضوية القابلة للتحلل بسهولة3. وبافتراض أن التكيف الحراري للتربة مع أي زيادة في الاحترار سيحدث في غضون سنة (وهو الافتراض الأكثر تحفظًا فيما يتعلق بفقدان الكربون)، يقدِّر الباحثون صافي الخسارة بـ55 بيتاجرامًا من الكربون (البيتاجرام الواحد يساوي 1015 جرام) بين عامي 2015، و2050، وذلك ضمن سيناريو يبلغ فيه متوسط الاحترار العالمي درجتين مئويتين. وتعادِل هذه الكمية المفقودة الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة البشرية لمدة 5 سنوات. وقد أوضح الباحثون أيضًا أن كمية الكربون المفقود قد تكون أكبر من ذلك بكثير في حالة بطء وتيرة التكيف الحراري.

أعتقد أن تجميع كراوثر وزملائه لنتائج تجارب تدفئة التربة عمل مهم، إذ يطرح قيودًا مستقلة لعمليات محاكاة عِقدية لمحتوى التربة من الكربون، بناءً على ملاحظات تجريبية لدرجات الاحترار وسنوات حدوثه، والمحتوى الأوَّلِي للكربون، ومجموعة من عوامل أخرى، يمكنها أن تؤثر على استقرار الكربون المخزن في التربة. وربما يصبح اكتشافهم الجديد باعتماد التحلل إحصائيًّا على محتوى التربة الأولي من الكربون معيارًا مفيدًا لعمليات محاكاة نموذج النظام الأرضي.

ومع ذلك.. هناك بعض القيود التي تحدّ من قدرات تجارب تدفئة التربة، تشمل الأعمال التقنية المحتملة، والتكاليف التي تحدّ من حجم التجارب، وكذلك مُدَدها، وعددها. ولا تزال الدراسات التي قام بتحليلها كراوثر وزملاؤه قليلة وغير موزعة بشكل جيد، فعلى سبيل المثال.. لم يتم إجراء أيّ منها في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية. وبغضّ النظر عن ذلك، فإن النتائج الجديدة غنية بالمعلومات، إذ إنها تأخذ في الاعتبار التجارب التي أُجريت في مناطق خطوط عرض مختلفة، كما تدعم الشكوك القديمة بأنّ مخزون التربة الكبير من الكربون في القطب الشمالي مُعَرَّض للتحلل وسط عالم أكثر دفئًا5,4.

إنّ هذا التحليل لا يفسر لماذا تتعرض المواقع ذات المخزون الكبير من الكربون للخسائر الأكبر. ويبرز أحد التفسيرات من دالة "أرنيوس"، متوقِّعًا أن ارتفاع درجات الحرارة درجة مئوية واحدة من شأنه أن يكون له تأثير نسبي أكبر على النشاط الإنزيمي في درجات الحرارة المنخفضة التي تميز مناطق خطوط العرض العليا، عنه في المناطق الأكثر دفئًا عند خطوط العرض الدنيا. وتشير النظرية الحركية أيضًا إلى أن طاقات تفعيل تفاعلات التحلل الإنزيمي (أي الحد الأدنى من الطاقة، اللازم لحدوث مثل هذه التفاعلات) - وبالتالي الحساسية الحرارية لهذه التفاعلات - يجب أن تكون مرتفعة للركائز المعقدة الشائعة في التربة الرطبة الغنية بمادة الدبال عند خطوط العرض العليا3.

وإنني أعتقد أيضًا أن هناك عاملًا آخر مساويًا في الحجم لذلك، أو يفوقه، وهو تعرُّض كميات متزايدة من كربون التربة إلى الاضمحلال الميكروبي عندما يذوب الجليد، وعندما تجف التربة المغمورة بالمياه. بدأت النماذج لتوِّها، لتشمل تأثيرات تغيُّر المناخ على تعرُّض كربون التربة للتحلل الميكروبي6، وقد قدَّم كراوثر وزملاؤه نقطة انطلاق تجريبية مرجعية لعمليات المحاكاة في المستقبل. أمّا ما يثير القلق، فهو أن النتائج تشير بشكل معقول إلى أن كربون التربة سوف يكون مصدرًا لردود أفعال حيوية كبيرة، ستؤدي إلى تعجيل حدوث تغيُّر المناخ.

  1. Crowther, T. W. et al. Nature 540, 104–108 (2016).
  2. Todd-Brown, K. E. O. et al. Biogeosciences 11, 2341–2356 (2014).
  3. Davidson, E. A. & Janssens, I. A. Nature 440, 165–173 (2006).
  4. Billings, W. D. Quat. Sci. Rev. 6, 165–177 (1987).
  5. Abbott, B. W. et al. Environ. Res. Lett. 11, 034014 (2016).
  6. Wieder, W. R. et al. Global Biogeochem. Cycles 29, 1782–1800 (2015).