NATURE | تحقيقات

الوقوع في الفخ

قد يكون للضغوط الوظيفية التي يتعرض لها المشتغلون في المجال العلمي تأثير سيئ على قدرتهم على التكيف.

إيميلي سون

Nature (2016) doi:10.1038/nj7628-319a | Published online | English article

كانت عالمة النفس ريتشيل تعمل جاهدة للحصول على درجة الدكتوراة في عام 2008، عندما هددها الاكتئاب - لأول مرة - بعرقلة مسيرتها الوظيفية. كانت تعمل في بعض الأيام لمدد تتراوح بين 14، و16 ساعة؛ لإصدار دراسة خاصة بها، إلى جانب إشرافها على 12 باحثًا مساعدًا. وفي وقت فراغها، كانت ترتب لحفل زفافها.

Andy Baker/Getty


ظلت ريتشيل طوال ثلاثة أسابيع لا تنال إلا قسطًا ضئيلًا من النوم، ولا تقتات على شيء سوى الحلوى، وما يُسمى بألواح الطاقة، ثم أصابتها نوبة من البكاء المفاجئ، بدأت في أثناء مشاهدتها لعرض مسرحي حزين، وتطور الأمر إلى بكاء خارج عن السيطرة، استمر لمدة ثلاثة أيام. تقول ريتشيل، التي طلبت تغيير اسمها في هذا المقال لغرض النشر: "كنت أجلس على أريكتي، محدقةً في الجدار أمامي، وأبكي".

تعود جذور الاكتئاب الذي أصاب ريتشيل إلى ما قبل مرحلة الدكتوراة. تقول: "تنهال عليك المؤشرات، حتى قبل أن تتقدم للتسجيل في برنامج الدكتوراة، لتُخْطِرك أنه من الصعب عليك الالتحاق بأيّ من هذه البرامج، وأنّ نصف المتقدمين لا يتمكنون من إتمام رسائلهم، وأنه من الصعب الالتحاق ببرامج لاحقًا في مرحلة ما بعد الدكتوراة، بل إنه من المستحيل الحصول على مِنَح للتمويل. وفي الوقت ذاته، تجد نفسك محاطًا بأشخاص قد حصلوا بالفعل على شهادة الدكتوراة، فإذا كنتَ ممن يميلون إلى توخي الكمال، أو ممن تنقصهم الثقة بالنفس، فإن تلك الأمور تغذي ذلك بشكل كبير فعلًا".

عادت ريتشيل إلى عملها بعد فترة راحة امتدت إلى أسبوعين، خضعت خلالها للعلاج، ووصف لها الطبيب مضادات للاكتئاب. وبعد إتمام رسالة الدكتوراة، حصلت على وظيفة أستاذ مساعد بإحدى جامعات نيويورك.

وعن فترة الراحة تلك، تقول ريتشيل: "لو كنت قد سألتني في ذلك الوقت؛ لقلت لك "لا، لا.. لن أنتهي أبدًا. سأترك المجال الأكاديمي""، لكنها حين صرحت بتلك المشاعر لأبيها، الذي يحمل هو الآخر درجة الدكتوراة، رد قائلًا: "مرحبًا بكِ في دنيا العلوم".

لا شك أن الاكتئاب والقلق ينتشران على نطاق واسع، بما في ذلك بين العلماء، الذين عادةً ما يتعرضون لضغوط مكثفة للعمل لساعات طويلة، والنشر في دوريات علمية رفيعة المستوى، والفوز بمِنَح للإنفاق على أنفسهم وعلى غيرهم، وإعادة المحاولة مرة بعد مرة عندما يتكرر رفضهم. يصيب الاكتئاب 350 مليون شخص حول العالم، ويُعَدّ هو السبب الرئيس للإصابة بالعجز على مستوى العالم، وفقًا لما أعلنته منظمة الصحة العالمية "WHO".

في الولايات المتحدة، يصاب ما يقرب من 7% من البالغين، أو ما يُقَدَّر بحوالي 16 مليون شخص سنويًّا بنوبة اكتئاب كبرى واحدة على الأقل. وليتم تشخيص الحالة على أنها اكتئاب، يجب أن يظهر على الشخص ما لا يقل عن خمسة أعراض محددة؛ تؤدي إلى خلل في الأداء، أو تسبِّب شعورًا بالغًا بالضيق بصفة شبه يومية، وذلك لمدة لا تقل عن أسبوعين. ومِن بين تلك الأعراض الأساسية أنْ يمر الشخص بحالة مزاجية سيئة مستمرة (ربما تظهر في صورة شعور بالخواء، أو فقدان الأمل)، أو يفقد الرغبة أو الحماس تجاه كل الأنشطة تقريبًا. وقد تشمل أيضًا تَوارُد أفكار متكررة حول الموت، أو فقدان الوزن بشكل ملحوظ.

يختلف احتمال إصابة المرء بالاكتئاب على مدار حياته باختلاف البلد المنتمي إليها. ففي الولايات المتحدة، تبلغ النسبة 17%. وإذ يقترن الاكتئاب بمشاعر القلق أو التوتر الزائدة عن الحد، لدرجة التأثير على سير الحياة، تصيب مشاعر القلق تلك ما يقرب من 18% من البالغين في الولايات المتحدة، أي حوالي 40 مليون شخص. كما يعاني أكثر من 25% من الأوروبيين من أحد أشكال القلق، أو الاكتئاب، وفقًا لما أعلنته أيضًا منظمة الصحة العالمية.

إن الأبحاث المُجْراة بشأن مدى انتشار القلق والاكتئاب تحديدًا بين العلماء قليلة ونادرة، لكن المخاطر ربما تكون مشابهة لتلك التي يتعرض لها بقية أفراد المجتمع، حسب قول جيرالد كاي، أخصائي الطب النفسي بجامعة رايت ستيت في دايتون بولاية أوهايو، والمحرر المشارِك لكتاب "الرعاية الصحية النفسية في المجتمع الجامعي" Mental Health Care in the College Community (وايلي، 2010)، الذي تركِّز ممارساته التطبيقية على الأطباء، وطلاب الجامعة، وأعضاء هيئة التدريس، والباحثين.

هناك بعض المواقف التي يمكن أن تؤدي إلى الإصابة بالقلق والاكتئاب بشكل كبير. فقد تكون مرحلة الدراسات العليا تحديدًا بمثابة فترة عصيبة، لأن الطلاب يجدون أنفسهم فجأة أمام مستوى مرتفع من التوقعات، مع حصولهم على رواتب ضعيفة، كما يجدون أن مصائرهم تقع في أيدي مشرفيهم، الذين من الممكن حتى أن يكونوا قاطنين في بلد آخر.

وفي دراسة استطلاعية أُجريت في عام 2014 على 790 طالبًا من طلاب الدراسات العليا بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، كان ما يقرب من نصف عدد طلاب الدكتوراة تتحقق لديهم معايير الإصابة بالاكتئاب، بما في ذلك ما يصل إلى 46% ممن ينتمون إلى فئة تضمّ العلوم البيولوجية والفيزيائية. قد يجعل الشعور بالخزي المرتبط بالمرض النفسي كثيرًا من الباحثين يتوخون الحذر بشأن الكشف عن معاناتهم لأي شخص، فما بالك برؤسائهم؟ ومع ذلك.. يقول الخبراء إنه من المهم طلب المساعدة على الأقل من المتخصصين. ومن جانبه، يقول جويري تِجْدِنْك، أخصائي الطب النفسي بالمركز الطبي لجامعة VU في أمستردام: "إذا كنتَ تعتقد أنك الشخص الوحيد الذي يعاني من مشكلة ما، فستفكر في نفسك قائلًا "هذه مشكلتي الخاصة، بل إنه خطئي".. وليس خطأ النظام"".

توفِّر أغلب الجامعات خدمات خاصة بالصحة النفسية تقدِّم المساعدة بشكل سري وخاص، رغم أن كثيرًا من الباحثين الذين تمكنوا من تخطِّي عاصفة الاكتئاب يعتبرون رؤساءهم وزملاءهم مصادر دعم. ففي وظيفة تتضمن ضغوطًا عالية، وتضع قيمة كبيرة للمكانة الاجتماعية، وإنْ كانت حافلة بالانتقادات، قد يكون من مصادر العون أنْ تَعْلَم أنك لست وحدك (انظر: "التعامل مع الاكتئاب").


مَصادِر مساعِدة لمَن يعانون منه

من المرجح أن يصادف كثير من العلماء زميلًا لهم يعاني من الاكتئاب. لذا.. ينصح الخبراء بِطَمْأَنة الشخص الذي يعاني من الاكتئاب بأنه ليس بمفرده، وأنه لا بأس من طلب المساعدة.. فالاطمئنان على الشخص عن طريق الاتصال به هاتفيًّا أو مراسلته، والاستماع إلى ما لديه، يمكن أن يساعده على الشعور بأن هناك من يهتم بأمره، ويقلل من إحساسه بالعزلة.

لا تطلب من الشخص أن يخرج من دائرة الحزن فحسب، أو أن يبتهج، ولا تعرض عليه حلولًا تبدو بسيطة، مثل ممارسة اليوجا، أو اتباع نظام غذائي جديد؛ إذ قد يشعر بالإهانة، إذا أحسَّ في طيات كلامك أن وسائل الإلهاء أو الحلول السهلة ستحل مشكلة الاكتئاب. فهذا النوع من الكلمات يمكنه أيضًا أن يُشْعِر الشخص بالفشل، لعدم قدرته على التعافي بمفرده. ولا تسأله إنْ كان يشعر بتحسُّن الآن، أم لا، فالشفاء يستغرق وقتًا طويلًا، وليس بالضرورة أن تكون له نقطة نهاية.

لمن يعانون من الاكتئاب أو يرغبون في نقل معلومات عن مصادر المساعدة، نورد فيما يلي بعضًا منها:

الجمعية الأمريكية للقلق والاكتئاب:  go.nature.com/2fibvlr

المعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية:  go.nature.com/2f0vxcw

الذهن، لأجل صحة نفسية أفضل:  go.nature.com/2eg6ffs

الصحة النفسية، أوروبا: go.nature. com/2fijxxv

منظمة الصحة العالمية، معلومات عن الاكتئاب: go.nature.com/2f0ntsq

منظمة الصحة العالمية، معلومات عن الصحة النفسية: go.nature.com/2f7fmb2

دليل الأصدقاء، الصادر عن الجمعية الخيرية للصحة النفسية للطلاب في المملكة المتحدة: go.nature. com/2euxzzd


يد المساعدة

عانت شويتا رامداس من الاكتئاب في صمت لعدة سنوات. تعود جذور رامداس في الأصل إلى الهند، وقد تخرجت في جامعة سنغافورة الوطنية؛ ولذا.. حين انتقلت إلى جامعة متشيجان في آن أربور؛ للحصول على درجة الدكتوراة في المعلوماتية الحيوية، لم تكن تطيق أشهر الشتاء هناك، وزادت المشكلة مع الوقت.

في بعض الأيام، كانت تجلس محدقةً في شاشة الحاسوب وفقط، مستغرقةً أسابيع للانتهاء من المهام التي لا تحتاج سوى يوم واحد فقط. ومع تراجُع اهتمامها بالطعام والإنهاك الذي تسببت فيه مشاعر الحزن، فكرت في ترك الدراسة.

وأخيرًا، أخبرت رامداس رئيس قسمها بالأمر، فأخبرها بأن آخرين كانوا قد واجهوا مشكلات مشابهة. وسرعان ما بدأ زملاؤها يخبرونها عن قِصَصهم الخاصة. تقول رامداس: "كانوا أناسًا رائعين.. وأنا حقًّا منبهرة بهم.. لم يَبْدُ عليهم ظاهريًّا أي علامات للاكتئاب".

أمضت رامداس ثمانية أشهر مع أسرتها في الهند، حيث ذهبت لزيارة أحد المعالِجين النفسيين. وقد أوصاها أساتذتها في متشيجان ألّا تتعجَّل، وأن تأخذ كل ما تحتاجه من وقت، ثم عادت في فصل الخريف الماضي وهي عازمة على وضع حدود لمساحة عملها.

تتحدث رامداس الآن إلى مشرفيها بشأن مساعدة آخرين ممن يعانون من الاكتئاب، وتقول: "أشعرُ أن كليات الدراسات العليا يجدر بها أن تعلن عن الأمر بدرجة أكبر. كان بإمكاني التعامل مع الاكتئاب بصورة أفضل، لو كنت أعلم أن المشكلة لا تخصني وحدي".

أما إليزابيث دروج يانج، فقد تعرضت لأول نوبة اكتئاب لها في أوائل عام 2012 في أثناء دراستها نظم التزاوج لدى الخنافس متعددة العلاقات في مرحلة الدكتوراة بجامعة سيراكيوز في نيويورك. في البداية، اعتادت الجلوس لفترات على أريكتها بملابس مريحة، تلعب ألعاب الفيديو، أو تشاهد الأفلام، أو تستمع إلى موسيقى حزينة، وتتساءل عن معنى الحياة، لكن بمرور الوقت أصبحت غير قادرة على الذهاب إلى المختبر، أو حتى الاستحمام.

في عام 2014، أمضت عشرة أيام في مستشفى يقع على مرمى البصر من المختبر. تقول دروج يانج، التي حصلت على درجتها العلمية في عام 2016، وتعمل الآن ككاتبة علمية: "أخذت حياتي تتهاوى، وفي هذه الأثناء كانت العلوم - في الحقيقة - هي آخِر ما تشبَّثتُ به.. فقد ساعدتني على الاستمرار لبعض الوقت، حتى تطوَّر الاكتئاب لديَّ؛ وتحوَّل إلى مشكلة كبيرة".

ومن جانبه يقول ماثيو ويلكنز - عالِم الأحياء التطورية بجامعة نبراسكا لينكولن - إن الانتقال إلى مرحلة الدراسات العليا يمكن أن يكون مزعجًا. فعندما بدأ العمل ضمن برنامج الدكتوراة الخاص به بجامعة كولورادو بولدر في عام 2008، وَقَعَ - دون أن يدري - في فخ التوقعات المنتظرَة منه، كأنْ يكون هو القوة الدافعة لنفسه، كما واجهَتْه أيضًا قسوة العمل في المجال العلمي، الذي عادةً ما تتخلل نجاحاته مرات رفض متكررة، سواء فيما يخص المِنَح، أم إجراءات النشر، أم الحصول على وظيفة.

ويتابع ويلكنز، الذي كان قد حصل ذات مرة على نتيجة محبِطة في اختبار عالي المخاطر قبل أسبوع واحد من نَيْلِه منحة زمالة مرموقة، بقوله إن ذلك الاحتياج - الذي لا نهاية له - إلى مصدر خارجي؛ لإثبات قيمة ما يقوم به المرء، قد يغذي الشعور بالقلق. ويضيف قائلًا: "إنّ النجاح في المجال الأكاديمي ليس مضمونًا. ستُدْرِك بنفسك أن الأمر سيكون صعبًا، لكنني لا أعتقد أنك تدرك أن الأمر ستكون له تبعات نفسية عليك".

اختار تِجْدِنْك أن يدرس الآثار النفسية للضغوط المتعلقة بعملية النشر. ويعود السبب في ذلك جزئيًّا إلى الحوارات التي أجراها مع معالِجين نفسيين يعملون على علاج العلماء. فقد قالوا له: "يتعرض العلماء لضغوط كبيرة، فيُنهَكون.. وتتنامى لديهم شكوك حول كون الآخرين يريدون سرقة أفكارهم، أو يساورهم شعور بأن زملاءهم يريدون أَخْذ مناصبهم".

أراد تِجْدِنْك أن يجعل المشكلة أكثر وضوحًا.. ففي استطلاع جرى على أكثر من 400 من الأكاديميين في المجال الطبي في هولندا، وتم نشره في عام 2013، أشار تِجْدِنْك في تقريره إلى أن ما يقرب من 25% من المشاركين تحققت لديهم معايير "الاستنفاد"، الذي يُمكِن تعريفه بأنه حالة من الإرهاق العاطفي (J. K. Tijdink et al. PLoS ONE 8, e73381; 2013).

Andy Baker/Getty

يجد بعض العلماء صعوبة، إذا ما غامروا بالخروج عن المسارات البحثية التقليدية. يقول بول أندروز - عالِم النفس التطوري بجامعة ماكماستر في هاميلتون بكندا - إنه عندما كان باحثًا في مرحلة ما بعد الدكتوراة، كان يعتقد أن فرصه المستقبلية جيدة، لأنه كان قد نشر أوراقًا بحثية حظيت باستشهادات كثيرة في دوريات متميزة، لكنه لم يتمكن من العثور على وظيفة تسمح له بالتخصص في الأسس البيولوجية للاكتئاب. ونتيجة للإحباط الذي شعر به، فَقَدَ الدافع لأنْ يأكل، أو ينام، أو يمارس الرياضة، وكان مترددًا جدًّا بشأن ما إذا كان من الأفضل أن يحاول نشر دراسة واحدة كبيرة في دورية ذات تأثير عال، أم ينشر الكثير من الأوراق البحثية الأصغر.

في النهاية، قرر أندروز أن يمضي في النهج الأول الأكثر مخاطرة، ونجح في نشر ورقة بحثية في دورية "سايكولوجيكال ريفيو" Psychologi¬cal Review في عام 2009 (P. W. Andrews and J. A. Thomson Jr Psychol. Rev. 116, 620–654; 2009). حظيت تلك الدراسة على قدر كبير من الشهرة، كما نُشر تحقيق عن عمله في مجلة "نيويورك تايمز" في أوائل عام 2010. ومع ذلك.. واجه فيما بعد صعوبة في تلقِّي طلبات لإجراء مقابلات شخصية معه، رغم محاولته التقدم لشغل وظائف عديدة. يقول أندروز، الذي كان بحلول ذلك الوقت قد أصابه اليأس والاكتئاب والقلق: "كنت أتساءل: ما الذي يجب عليّ أن أفعله للحصول على وظيفة؟"

ولا يزال يعاني أندروز من تكرار أعراض الاكتئاب، كلما واجه عقبات في أثناء العمل. يثير بحثه - الذي يتحدى الأفكار السائدة بشأن الاكتئاب بوصفه اضطرابًا، ودور مادة السيروتونين فيه - الشكوك أيضًا بشأن فاعلية مضادات الاكتئاب. لذا.. وجد أنه سيكون من الصعب نشر أعماله.

موضوعات محيرة

في بعض الأحيان قد تدفع الموضوعات البحثية بعض الأفكار السلبية للظهور، كما يقول أليخاندرو فريد، الذي بدأ دراسة الغزلان المعرَّضة لخطر الانقراض في شيلي في عام 1990 وما بعده، ثم قام لاحقًا بدراسة آثار المزارع البحرية السمكية على العلاقات بين المفترِس والفريسة في ألاسكا، وبريتيش كولومبيا.

كلما أظهر بحثه التداعيات المدمرة لتغير المناخ؛ زاد غضبه وشعوره بالعدم.. "أقصد بالشعور بالعدم أنه لا يوجد جدوى من الاهتمام بالمستقبل، لأنه في حقيقة الأمر لا يوجد ثمة مستقبل". كانت تلك كلمات فريد، الذي يعمل حاليًّا منسقًا علميًّا بالتحالف الخاص بالموارد المحلية بالساحل الأوسط، الواقع بالقرب من فانكوفر في كندا، والذي قام بتأليف كتاب بعنوان "من أجل عالَم لابنتي: عالِم بيئي ورحلة بحثه عن التفاؤل" A World For My Daughter: An Ecologist’s Search for Optimism (كايتلين، 2015). ويضيف قائلًا: "كله فانٍ.. فالبشر مخرِّبون، ولا نعرف غير ذلك. لا توجد رؤية حقيقية تستحق العيش من أجلها".

صار الاكتئاب موضوعًا متكررًا في الحوارات الدائرة بين علماء البيئة، إلا أن فريد نجح في زرع الأمل من خلال التركيز على المرونة البيئية، وقدرة الإنسان على حل المشكلات. كما يسعى حاليًّا إلى التأثير على السياسات وسلوكيات البشر التي تؤثر على البيئة، وقد ساعدت تلك السبل في إعادة تشكيل مساره الوظيفي، وإضفاء بعض التفاؤل على منظوره الحياتي.

قد يتوخى العلماء الحذر من الاعتراف بالإصابة بأعراض الاكتئاب أو القلق، إلا أن الباحثين الذين يبوحون بأسرارهم لزملائهم يقولون إنهم عادةً ما يندهشون من الدعم الذي يتلقونه.

فقد وَجَدَت دروج يانج - كما حدث مع رامداس - أنها عندما تغلَّبت على خوفها من إخبار زملائها في المختبر بأمر مرضها النفسي، حيث بدأ آخرون يقصون حكايات مشابهة. كان أحدهم قد قضى بعض الوقت في المستشفى نفسه، كما قدَّم أعضاء هيئة التدريس إسهامات لحملة تمويلية برعاية مؤسسة "كيك ستارتر" Kickstarter؛ من أجل عرضين فنيين يصوِّران تجربة دروج يانج مع الاكتئاب وإيذاء النفس. وحضر مشرفها العرضين، وكذلك أفراد أسرته. تقول دروج يانج: "الناس - في الحقيقة - يهتمون بك حقًّا، إذا ما فتحت لهم قلبك بكل ما فيه من مَواطن ضعف".

"إذا كنت تشعر أنك تعاني، فإنّ ذلك سببٌ كاف لطلب المساعدة".

لا يشعر الجميع بالارتياح لفكرة التحدث مع رؤسائهم، لكن ينبغي عليهم حقًّا زيارة أخصائي في أسرع وقت ممكن، كما يقول كاي. ويضيف: "إذا كنت تشعر أنك تعاني، فإن ذلك سبب كاف لطلب المساعدة". وتنصح دروج يانج المصابين بأنهم إذا ما وجدوا أن الطبيب المعالج غير مناسب لهم، فعليهم إيجاد معالج آخر.

إنّ تخصيص بعض الوقت للاهتمامات الخارجية يمكنه المساعدة في تخفيف حدة القلق المرتبط بالعمل. وبالنسبة إلى دروج يانج، فذلك يعني الخروج، أو إقامة حفلات لمشاهدة حفل توزيع جوائز الأوسكار. أمّا ويلكنز، فهو يحب تسلق الصخور، وممارسة لعبة كرة القدم، ورياضة الجري. وهو ينصح بإقامة مشروعات قصيرة الأجل بمواعيد تسليم سريعة، لا تكون لها صلة بالعمل. ففي عام 2016، بدأ هو وصديق له المشاركة في مسابقات الأفلام؛ والفوز بها.

إنّ إدراك أنه من الطبيعي - بل ومن المفيد - أن يشعر المرء ببعض الإحباط عندما تواجهه مشكلات معقدة قد يساعد العلماء أيضًا على التكيف مع الأمر، حسب قول أندروز، الذي يرى أن نوبات الاكتئاب التي تصيبه ليست مؤشرًا على امتلاكه عقلًا مصابًا بخلل وظيفي، لكنها مجرد استجابة لمشكلات مهمة، وهي تساعده على التركيز. فعندما تستثيره مشكلات اجتماعية، أو ضغوط في العمل، يقوم جسمه بإعادة توزيع الطاقة إلى المخ، كما يقول. ومن ثم، تبدأ منطقة ما تحت المهاد في العمل، فتقوم بقَمْع الشهوة الجنسية وغيرها من الغرائز الجسدية، وتحفِّز تثبيت الأفكار السلبية.

ورغم اعتبار هذا الاتجاه في التفكير شيئًا سيئًا في أغلب الأحيان، فإن التفكير الزائد في مشكلةٍ ما يمكن - في الواقع - أن يساعد في حلها، إذ يساعد ذلك العقلَ على تفكيك المشكلة إلى مشكلات أصغر؛ مثلما يفعل العلماء تمامًا، حسب قول أندروز.