NATURE | أخبار

القلـب الجليـدي.. ولغـز جيـولوجيـا بلوتـو الغـريبة

بعثة «نيو هورايزونز» التابعة لوكالة «ناسا» تميط اللثام عن تفاعلات معقدة بين سطح وسماء كوكب بلوتو.

ألكسندرا ويتز

Nature (2016) doi:10.1038/nature.2016.20856 | Published online | English article

«سبوتْنِك بلانيتيا»، الفص الأيسر من «قلب» بلوتو شاحب اللون، مغطى بأنهار جليدية من النيتروجين.

«سبوتْنِك بلانيتيا»، الفص الأيسر من «قلب» بلوتو شاحب اللون، مغطى بأنهار جليدية من النيتروجين.

NASA/JPL/SRI


ينبض قلب بلوتو الجليدي بإيقاع كوكبي؛ فعندما حلَّقت مركبة «ناسا» الفضائية «نيو هورايزونز» بالقرب من الكوكب القزم في يوليو 2015، رصدت معلَمًا على شكل قلب في اتجاه الشمال مباشرة من خط الاستواء. والآن، يكتشف الباحثون كيف يتحكم هذا الغطاء الجليدي الضخم في الكثير من أنشطة بلوتو، بدءًا من سطحه المتجمد، حتى غلافه الجوي الضبابي.

وقد كشف علماء الكواكب عن أحدث أفكارهم ورؤاهم في أكتوبر الماضي في اجتماع مشترك بين قسم علم الكواكب بالجمعية الفلكية الأمريكية، والمؤتمر الأوروبي لعلوم الكواكب في باسادينا بكاليفورنيا، حيث تدور اكتشافات عديدة حول «سبوتْنِك بلانيتيا»، الفص الشمالي الجليدي من «قلب» بلوتو. يقول ويليام مكينون، عالِم الكواكب في جامعة واشنطن في سانت لويس بولاية ميزوري: "كل الطرق تؤدي إلى «سبوتْنِك»".

يَعرِف الباحثون بالفعل أن «سبوتْنِك بلانيتيا» ـ الذي كان يُعرف من قبل باسم «سبوتْنِك بلانوم» ـ يتكون في معظمه من جليد النيتروجين، ويتحرك ويتدفق في أنهار جليدية ضخمة (W. B. McKinnon et al. Nature 534, 82–85; 2016)، غير أن حجمه الهائل ـ بعرض 1000 كيلومتر، وعمق عدة كيلومترات ـ يعني أن له تأثيرًا غير عادي على سلوك الكوكب القزم.

وربما استطاع ذلك القلب أن يقلب بلوتو على جانبه؛ حيث أوضح جيمس تاتل كين ـ من جامعة أريزونا في توسان ـ في ذلك الاجتماع كيف أن تكوين هذا المَعلم كان من الممكن أن يغيِّر ميل كوكب بلوتو. وقد يكون «سبوتْنِك بلانيتيا» فوهة تكوَّنَت نتيجة اصطدام نيزك عملاق، ثم امتلأت بعد ذلك بالجليد. ويقول كين إنّ كتلة الجليد الهائلة تسببت في دوران الكوكب القزم حول محور دورانه، بحيث انتهى الأمر بـ«سبوتْنِك بلانيتيا» ليكون مكانه الدائم في الجانب الآخر، بعيدًا عن أكبر أقمار كوكب بلوتو (شارون). ويضيف كين: "لقد تحرَّك بلوتو وفقًا لتوجيهات قلبه".

وأشار علماء آخرون ـ مثل دوجلاس هاميلتون من جامعة ميريلاند في كوليدج بارك ـ إلى أن «سبوتْنِك بلانيتيا» ربما يكون قد راكم الجليد، بدون حدوث اصطدام نيزكى، وأن الحفرة نتجت بفعل وزن الجليد الهائل على الأرض أسفله.

وإضافة إلى ذلك، فإن المخزون الهائل في «سبوتْنِك بلانيتيا» يغذِّي الغلاف الجوي المعقد لكوكب بلوتو؛ فتبدأ المواد الكيميائية المتطايرة ـ مثل النيتروجين، والميثان، وأول أكسيد الكربون ـ كثلوج على السطح، غالبًا داخل «سبوتْنِك بلانيتيا»، ثم تتصاعد في الهواء عندما ترتفع درجات الحرارة. وعندما يبرد الغلاف الجوي، تتكثف الغازات المتطايرة، وتتساقط مرة أخرى على السطح؛ مغطِّية إياه بطبقة جديدة من الجليد. ويتحرك بلوتو حاليًّا بعيدًا عن الشمس، ومن ثم فإن درجة حرارته تنخفض، (T. Bertrand and F. Forget Nature http:// doi.org/br6x; 2016).

تقول ليزلي يونج ـ عالمة الكواكب في «معهد ساوث ويست للأبحاث» في بولدر بكولورادو ـ إنّ «نيو هورايزونز» ـ التي حلَّلت الضوء المارّ من خلال الغلاف الجوي الرقيق لبلوتو ـ أوضحت مدى تعقيد التفاعل بين السطح والغلاف الجوي. فعندما يطلع الفجر على «سبوتْنِك بلانيتيا»؛ يدفئ ضوءُ الشمس السهلَ الجليدي، ويسمح لنبضة من النيتروجين بالتحرك إلى أعلى. وتقول يونج: "أفكر في هذا العمود من الهواء البارد وهو يُدفع إلى الجزء السفلي من الغلاف الجوي كل يوم، ثم يسقط إلى أسفل مرة أخرى".

«كل الطرق تؤدي إلى 'سبوتْنِك'».

تكشِف البيانات الجديدة أيضًا كيف يتصرف الصقيع الموسمي على السطح. وقد عرضت سيلفيا بروتوبابا ـ عالمة الكواكب في جامعة ميريلاند ـ خرائط لكيفية توزيع غاز الميثان والنيتروجين على سطح بلوتو، كما يُرى بواسطة جهاز استشعار الأشعة تحت الحمراء، الموجود على متن «نيو هورايزونز». وتُوجَد الثلوج عادة في مزيج، تسود فيه مادة أو أخرى.

في «سبوتْنِك بلانيتيا»، تخلق درجاتُ الحرارة وضوء الشمس بيئة يسيطر عليها النيتروجين. أما إذا اتجهنا شمالًا، تقريبًا فوق دائرة عرض 55 درجة؛ فسيتضح أن أشعة الشمس الصيفية المستمرة قد تخلصت من معظم النيتروجين، تاركة وراءها سهولًا من ثلج الميثان في القطب الشمالي لبلوتو. وتقول بروتوبابا: "لقد كانت هناك إضاءة مستمرة شمالًا على مدى السنوات العشرين الماضية". وسوف يُنشر هذا البحث في دورية «إيكاروس» Icarus.

يصل تأثير «سبوتْنِك بلانيتيا» إلى أعلى مستويات الغلاف الجوي لبلوتو. وتنجرف غازاته المتطايرة إلى أعلى، وتخلق التفاعلات الكيميائية الضوئية مركبات كربون ونيتروجين جديدة، وتشكِّل هذه المركّبات طبقات ضباب تمتد إلى أكثر من 200 كيلومتر فوق سطح الكوكب. وهذا الارتفاع أعلى مما قد يتنبأ به الباحثون، نظرًا إلى أن درجات الحرارة عند هذا المستوى شديدة الارتفاع على أن تسمح بتكاثف الجسيمات مباشرة. وبدلًا من ذلك، كما يقول أندرو تشنج، عالِم الكواكب في مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز في لوريل بولاية ميريلاند، قد يعمل الغبار الساقط من الفضاء بين الكواكب بمثابة نوى تتشكل حولها جسيمات الضباب.

ويقول تشنج إن جزيئات الضباب تبدأ عندئذٍ في التجمع معًا، ويصبح حجمها أكبر، وتصبح دائرية الشكل أكثر، كلما كانت على ارتفاع أقل من الغلاف الجوي. وفي نهاية المطاف، تستقر على سطح الكوكب، وتغطيه مرة أخرى، حتى يبدأ ارتفاع درجات الحرارة، ومن ثم ترتفع مرة أخرى إلى السماء.

بدأت «نيو هورايزونز» ببطء في إرسال البيانات إلى الأرض منذ تحليقها إلى جوار الكوكب، محقِّقةً بذلك رقمًا قياسيًّا جديدًا، وقد تم استقبال الملاحظات النهائية في ليلة 22-23 أكتوبر. وتُظهِر البيانات صورًا للفضاء الشاسع المظلم المحيط بكوكب بلوتو، الذي صُوِّر تحسبًا لوجود قمر صغير غير معروف، أو اكتشاف كوني آخر لا يزال يحدث، مختبئ في بيانات «نيو هورايزونز».