صندوق الأدوات

سَبْر أسرار المناهج الجامعية

يأمل مؤسسو مشروع المنهج الدراسي المفتوح في أن تسهم مشاركة البيانات في تحسين وتشجيع عملية التدريس.

آنا ناوُجرودزكي
  • Published online:

Illustration by The Project Twins

رغم وجود حركة متصاعدة تهدف إلى استخلاص بعض الأفكار ووجهات النظر من المواد العلمية المتاحة على شبكة الانترنت، بدايةً من المقالات ومجموعات البيانات، وانتهاءً بالعروض التقديمية والمحاضرات التي تُلقى في المؤتمرات، فإنّ هناك نوعًا من الوثائق الأكاديمية لا يزال يتلقى قدرًا قليلًا من الاهتمام، ألا وهو المنهج الدراسي، وهو بمثابة وثيقة تطرح مواد القراءة، والموضوعات، والتوقعات الخاصة بالمقررات الجامعية.

ظل هذا على الأقل هو الحال حتى يناير من هذا العام، عندما دشَّن علماء البيانات، وعلماء الاجتماع، والباحثون في الإنسانيات الرقمية بجامعة كولومبيا في نيويورك أداة تُدعى "مستكشف المنهج المفتوح" Open Syllabus explorer. تضمّ تلك الأداة أكثر من مليون منهج دراسي متاح للجمهور، كما أنها تقدِّم بيانات تلك المناهج في صيغة مناسبة قابلة للبحث. ومِن المقرر إطلاق نسخة من هذا المستكشف، تحتوي على ثلاثة أضعاف ذلك العدد من المناهج في شهر يناير من عام 2017.

يأمل أعضاء الفريق الذي يقف وراء تلك الأداة المعروفة بمشروع المنهج المفتوح (OSP) في دفْع الجامعات نحو إتاحة المزيد من المناهج بصورة علنية. ويرى أعضاء الفريق أنّ ذلك من الممكن أنْ يقدم المساعدة لمؤلفي الكتب المدرسية، والمعلمين، ومطوِّري المناهج الدراسية، كما سيقدم حوافز كثيرة لتصميم مواد تدريسية فعالة، وهو الأمر الذي تغفل عنه المقاييس التقليدية للجهود الأكاديمية بدرجة كبيرة.

يقول بيتر سوبر، مدير مشروع الوصول المفتوح بجامعة هارفارد ومكتب الاتصال العلمي بالجامعة في كامبريدج بولاية ماساتشوستس، وهو في الوقت ذاته عضو بالمجلس الاستشاري لمشروع المنهج المفتوح: "إنّ المناهج الدراسية مِن بين الوثائق الأكثر أهمية التي يخطّها الباحثون، والتي ما زالت المشاركة فيها لا تتم على نطاق واسع حتى الآن، مع أنه لا بد من تفعيل تلك المشاركة. فهذه المناهج تعكس أحكامًا علمية لها أهمية كبيرة بشأن الموضوعات الجديرة بالتدريس".

هذه الأحكام يمكن أن تكون بمثابة أنباء سارة لمؤلفي الكتب الدراسية. ولم يكن ستيوارت راسل ـ عالِم الحاسبات بجامعة كاليفورنيا في بيركلي ـ قبل المقابلة التي أجرتها معه دورية Nature لأجْل هذه المقالة يدرك أن كتابه المنشور في عام 1995 "الذكاء الاصطناعي" Artificial Intelligence (دار نشر برنتيس هول) ـ الذي شاركه في تأليفه بيتر نورفيج ـ كان أكثر النصوص اختيارًا للتدريس في مجال علم الحاسبات. يقول راسل: "كنت مُفاجَأً تمامًا".

وبعيدًا عن إذكاء نيران الكبرياء المهني، فإنّ مثل هذه المعلومات يمكن أن تدعم رغبات التثبيت والترقية. فتأليف كتاب دراسي، بغضّ النظر عن مدى فائدته، والمعلومات التي يقدمها، يثمر بشكل عام عن عدد قليل من الاستشهادات في الأبحاث العلمية؛ وبالتالي يكون تأثيره الأكاديمي منخفضًا على الأرجح. لذا من الممكن أن يسهم مشروع المنهج المفتوح في قلب تلك الموازين. تقول إيمي براند، مديرة مطبعة معهد ماساتشوستس للتقنية: "لقد وصلنا إلى نقطة زمنية، أعتقد أنه ينبغي فيها على أعضاء هيئة التدريس أن يجنوا فوائد أكبر من سجل إنجازاتهم في مجالات البحث العلمي، والتأثير، والمكانة". وتضيف براند قائلة إنّ البيانات الرقمية بشأن استخدام المناهج يمكنها تمكين أعضاء هيئة التدريس من "أن يُعَبِّروا عن آرائهم بشأن الدور الذي تلعبه أعمالهم في هذا العالم".

في الوقت الراهن، يتيح مستكشِف المنهج المفتوح إمكانية البحث في أكثر من مليون منهج دراسي، يعود تاريخ أقدمها إلى عام 2000، مع احتوائها على إشارات مرجعية إلى 20 مليون نَصّ؛ وذلك لإنتاج بيانات بخصوص مدى تكرار تدريس نَصّ معين. يمكن للمستخدِمين البحث في تلك البيانات باستخدام اسم المؤلف، أو العنوان، أو المؤسسة، أو التخصص الأكاديمي. وتوضِّح الأداة أيضًا أيَّ الكتب الدراسية شائعة الاستخدام معًا، وتقوم بتصنيف كل نَصّ بناءً على مدى تكرار اختياره للتدريس (انظر: "أَشْهَر النصوص").

ستعرض نسخة مُحدثة من الأداة ـ من المقرر أن تكون متاحة في الواحد والعشرين من يناير 2017، الذي يصادف الذكرى السنوية الأولى لإطلاق المستكشِف ـ ثلاثة ملايين منهج، تتضمن إحالات مرجعية إلى ما يقرب من 150 مليون نص. وسوف تتضمن تلك النصوص عناوين واردة من خادم نشر ما قبل الطباعة "أركايف" arXiv، و"كروسْرِف" CrossRef، و"الملف الاستنادي الافتراضي الدولي" VIAF، الذي يربط ما بين السجلات الببليوجرافية المتطابقة من فهارس مكتبات وطنية مختلفة. وسوف يشمل التحديث خيارات بحثية جديدة، مثل القدرة على البحث بالتاريخ، أو بنوع المؤسسة، حسب قول جو كاراجانيس، مدير مشروع المنهج المفتوح. وستتضمن النسخة الجديدة أيضًا بيانات مُحَسَّنة من كندا والمملكة المتحدة، ومعلومات عن أماكن العثور على المواد، ولاحقًا نصوصًا كاملة للمناهج، إذا كان مؤلفوها قد صرَّحوا بإعادة إنتاجها.

يقول كاراجانيس: "لدينا طموحات كبيرة. وعلى الرغم من أن جميع الأساليب بدائية جدًّا في الوقت الحالي، إلا أنها جميعًا قابلة للتطوير، كما أن علوم البيانات في تحسُّن مستمر أيضًا".

اصطياد الاستشهادات

يقع مقر مشروع المنهج المفتوح في الجمعية الأمريكية، وهي بمثابة معهد للسياسات العامة بجامعة كولومبيا، تقوم بتمويله مؤسسة "سلون"، وصندوق "أركاديا". كانت فكرة إنشاء الأداة قد استُلهمت مِن محرِّك بحث يُدعى "مستكشف المناهج" Syllabus Finder، كان يجوب الإنترنت بحثًا عن المناهج منذ عام 2002 (السنة التي تم إنشاؤه فيها)، حتى عام 2009. قام بإنشاء تلك الأداة دان كوهين، الذي كان يعمل حينذاك مؤرخًا بجامعة جورج ميسون في فيرفاكس بولاية فيرجينيا، ويشغل حاليًّا منصب المدير التنفيذي للمكتبة الرقمية الأمريكية العامة. قام ذلك المحرِّك بتجميع ما أسماه كوهين في تلك الفترة "أكبر مجموعة تم جمْعها على الإطلاق من المناهج الدراسية"، حيث تضمنت ما يقرب من مليون وثيقة. وقد نشر كوهين عناوين تلك المواقع في صورة قاعدة بيانات في عام 2011.

على عكس مشروع المنهج المفتوح، كانت الأداة التي ابتكرها كوهين تتيح روابط إلى النص الكامل لكل منهج دراسي، ولكنها كانت تتضمن مقررات جَرَى تدريسها حتى عام 2009 فحسب؛ أي العام الذي اضطر فيه كوهين إلى إحالة الأداة إلى التقاعد، نتيجة للتغيرات التي طرأت على واجهة البرمجة لشركة "جوجل"، وهو التصرف الذي أثار غضب زملاء كوهين، بمَن فيهم زوجته، التي كانت تعمل معلِّمة برياض الأطفال. يقول كوهين: "ما زلتُ حتى الآن أتلقَّى رسائل بالبريد الإلكتروني، تناشدني أن أعيد تشغيل مستكشِف المناهج".

عندما بدأ مشروع المنهج المفتوح في عام 2014، قام فريق العمل ببناء أدوات للبحث في شبكة الويب العامة، بما في ذلك الروابط التي استخدمها كوهين، الذي كان قد فقد جزءًا من البيانات نتيجة لخطأ في الترميز. ومثلما كان الحال مع كوهين، فإنّ الفريق مقيَّد بالمناهج المتاحة للجمهور، التي يبلغ عددها نحو ستة ملايين من بين حوالي 80 إلى 120 مليون منهج دراسي في الولايات المتحدة وحدها، وذلك وفقًا لحسابات كاراجانيس. أمّا المناهج الدراسية المحجوبة وراء جدران برمجيات إدارة المقررات الخاصة، مثل نظام "بلاكبورد" Blackboard، فتظل بعيدة المنال. يقول كاراجانيس: "تحتفظ جامعة كولومبيا ـ على سبيل المثال ـ بحوالي 80 ألف منهج دراسي، تعود إلى اثني عشر عامًا، أو ثلاثة عشر عامًا مضت. ويمكن أيضًا أن تمتلك كلية كبيرة بإحدى الولايات ضعفي أو ثلاثة أضعاف ذلك العدد".

اضطر فريق العمل في مشروع المنهج المفتوح بعد ذلك لبناء أدوات؛ لاستخلاص ما تحتويه تلك المناهج. يقول ديفيد ماكلور ـ المدير الفني للمشروع ـ إن الاستشهادات ـ على سبيل المثال ـ كانت تفتقر إلى هيكل تنظيمي متسق. كانت الأداة تبحث في العناوين، من خلال إحالة كل منهج دراسي إلى قاعدة بيانات تتضمن 20 مليون عنوان، منها 11 مليون من مكتبة LibraryCloud بجامعة هارفارد، و9 ملايين من مكتبة JSTOR الرقمية. وكان تَطابُق العنوان واسم المؤلف معًا بمثابة استشهاد. يقول ماكلور: "قمنا بإدماج أساليب مختلفة؛ لتجنب الالتباس، مثل السماح بوضع كلمة ’بواسطة‘ بين اسم المؤلف، وعنوان العمل".

نظام جديد للقياس

يقوم مشروع المنهج المفتوح باستخلاص تلك البيانات، وحصْرها في مقياس واحد، يُسمى "مجموع نقاط التدريس"، وهو مقياس يبين عدد المرات التي يتم فيها اختيار نص معين للتدريس في المناهج. ويمكن لذلك المقياس أن يأخذ أيّ قيمة، بداية من رقم 1 (نادرًا ما يتم تدريسه) إلى رقم 100 (يتم تدريسه بشكل متكرر).

وبحسب سوبر، يُعَدّ مجموع نقاط التدريس بديل للقياسات التقليدية الخاصة بالتأثير العلمي، حيث يعكس روح "القياسات البديلة" المتنامية، التي تهدف إلى تحديد مقدار الناتج البحثي الإجمالي للشخص. يضيف سوبر: "أعتقد أن مجموع نقاط التدريس هذا يمكنه أن يسهم في الحركة الجديدة للقياسات البديلة، وأن يمنحنا قياسات أكثر دقة لتأثير النصوص".

تقوم حفنة من الباحثين والجامعات حاليًا باستخدام البيانات؛ لتنفيذ ذلك الأمر تحديدًا. فقد أصدرت جامعة كنتاكي في لكسينجتون بيانًا صحفيًّا، عندما اكتشفت أن ورقة بحثية من تأليف إدوارد موريس ـ عضو هيئة التدريس بالجامعة ـ جاءت في المرتبة السادسة والأربعين من بين 13,225 نصًّا مرتبطًا بعِلْم الاجتماع، وحاليًّا تحتل هذه الورقة البحثية المرتبة رقم 371 من بين 53,177 بحثًا. ويخطِّط موريس لاستخدام تلك الإحصائية لدعم ترقيته لدرجة الأستاذية.

ليست جامعات الولايات المتحدة فحسب هي الوحيدة التي تُولِي ذلك الأمر اهتمامها. فكما يقول كاراجانيس، يطالع موقع مشروع المنهج المفتوح ما يقرب من ألف زائر يوميًّا، يأتي معظمهم من الولايات المتحدة، ولكن هناك أيضًا زيارات ملحوظة من أوكرانيا، وروسيا، ومصر أيضًا.

استخدم باحثون آخرون البيانات ـ على سبيل المثال ـ لتجميع قوائم بالقصص المصورة والفكاهية التي يتم تدريسها على نطاق واسع، أو لتحديد نسبة الكتب ذات الصلة بعلم الاجتماع، التي يتم تدريسها بشكل متكرر، والتي قامت بتأليفها شخصيات نسائية. واستخدمت ميلاني مارتين ـ باحثة ما بعد الدكتوراة بجامعة ييل في نيو هافن بولاية كونيتيكت ـ مستكشف المناهج؛ للتعرف على أكثر الكتب التي يتم تدريسها في مجال الأنثروبولوجيا التطورية، الذي تتخصص فيه. ونظرًا إلى أنه لا توجد وسيلة للبحث في قاعدة البيانات باستخدام التخصص الفرعي، مثل قَصْر نتائج علم الأحياء على تخصصات فرعية، كعلم الأعصاب، أو الجينوم، كان على مارتين إجراء عملية البحث يدويًّا في جميع العناوين المتعلقة بالأنثروبولوجيا، وعددها 16 ألف عنوان. تقول: "بدون وجود نظام أفضل لفلترة النتائج، أعتقد أن الأداة ستكون محدودة الفائدة".

الاستفادة من خبرات الأقران

إنّ تصميم المقررات يُعتبر من بين التطبيقات الأخرى الممكنة لبيانات مشروع المنهج المفتوح، فمن خلال تمكين أعضاء هيئة التدريس ـ وعلى الأخصّ الصغار منهم ـ مِن الاستفادة مِن المعارف التي تَوَصَّل إليها أقرانهم؛ يمكن لمشروع المنهج المفتوح مساعدتهم على التدريس بشكل أكثر إبداعًا. ويتضمن ذلك ـ على سبيل المثال ـ التعرف على طرق جديدة لتقديم المادة الدراسية. يقول راسل: "يمكن لهذا الأمر أن يسهم إسهامًا كبيرًا في تحسين جودة التدريس". كما أنه سوف يحسِّن أيضًا من الكفاءة، ويتيح لأعضاء هيئة التدريس وقتًا أطول للقيام بأنشطة أخرى، مثل البحث والإرشاد.

ورغم ذلك فمِن المهم عدم المبالغة في تفسير البيانات، حسب قول ليزا جانيك هينكليف، المتخصصة في محو الأمية المعلوماتية بجامعة إلينوي في أوربانا شامبين؛ فربما لا تمثِّل مجموعة عينات المشروع جميع المناهج تمثيلًا جيدًا، حتى على مستوى مؤسسة واحدة بعينها. فعلى سبيل المثال، يحتل "خطاب من سجن برمنجهام" Letter from Birmingham Jail لمارتن لوثر كينج الابن المرتبةَ الثانية في قائمة النصوص الأكثر تدريسًا بجامعة هارفارد، وفقًا لبيانات المستكشف. وحسب قول كاراجانيس، فإن ما يقرب من 80% من مناهج هارفارد في مشروع المناهج المفتوحة تأتي من كلية جون إف. كينيدي للدراسات الحكومية، رغم أن مشروع المنهج المفتوح لا يوضح مصادره على الملأ بمثل هذا التفصيل الشديد. ولذا.. ليس ممكنًا استنتاج مدى شهرة هذا النص في جامعة هارفارد عامة.

ترى هينكليف أن قيمة مشروع المنهج المفتوح تكمن في قدرته على كشف مدى سعة الحِيَل التي يستخدمها المعلِّمون، وتقول: "لستُ بحاجة إلى قائمة نهائية تخبرني أنّ "هذه هي الكتب الستة الأكثر تدريسًا"، بل أريد أن أرى التنوع".

ومِن الممكن لتلك البيانات أن تسهم إسهامًا كبيرًا في تبسيط عملية تصميم المقررات، وهي عملية معروف أنها تستغرق وقتًا طويلًا. يمكنكم فقط أن تسألوا "سوبر"، الذي لا يزال يقوم بتدريس الفلسفة منذ 21 عامًا. يقول: "عندما كان يصل إلى مسامعي أن هناك مقررًا جديدًا قادمًا في الطريق، كنت أسعى إلى البدء في إعداده قبلها بعام على الأقل. إنّ كتابة 40 محاضرة بمثابة مهمة ضخمة، بل إنها أصعب من تأليف كتاب".

ويمكن لبيانات مشروع المنهج المفتوح أن تخفِّف من ذلك العبء. وإضافة إلى ذلك، يقول سوبر إنّ استكشاف تلك البيانات أمر ممتع، ويبيِّن أحيانًا متجاورات غير متوقَّعة، فعلى سبيل المثال، نلحظ أنّ كتابه عن فلسفة القانون ـ وهو بعنوان "قضية مستكشفي سبيلونسيان" The Case of the Speluncean Explorers (روتلدج، 1998) ـ ما زال يُدَرَّس إلى جوار قصائد الشعر الغنائي التي نَظَمها سافو. يقول سوبر: "هناك مقاربات، أو مقابلات، لم أكن لأتصوّرها على الإطلاق".

تصحيح:

ذكر موضوع "قواعد بيانات ديمقراطية: علوم على موقع GitHub" ـ المنشور بقسم "صندوق الأدوات" في عدد نوفمبر الماضي (Nature 538, 127–128; 2016)، ـ بشكل خاطئ أن أداة Git تقوم بتسجيل التغيرات التي تحدث في الملفات، بيد أنها في الواقع تقوم بحفظ إصدارات متعددة من الملفات.