NATURE | تحقيق إخباري

هل توفِّر الرياح والشمس احتياجات أفريقيا المستقبلية من الطاقة؟

في ظل تَراجُع أسعار الطاقة المتجددة، قد تهجر دولٌ أفريقية كثيرة أنواع الطاقة الملوِّثة للبيئة، وتقفز إلى مستقبل نظيف.

إيريكا جيس

Nature (2016) doi:10.1038/539020a | Published online | English article

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:
embed"><font face="Simplified Arabic, serif"><span style="font-size: 18.6667px;">مزرعة رياح "جيفريز باي" في جنوب أفريقيا تولِّد ما يكفي من الطاقة لتزويد 100 ألف منزل بها.</span></font><br></p>

مزرعة رياح "جيفريز باي" في جنوب أفريقيا تولِّد ما يكفي من الطاقة لتزويد 100 ألف منزل بها.

Mainstream Renewable Power

على أعتاب الصحراء الكبرى، بالقرب من مدينة ورزازات بالمغرب، ثمة ما يقرب من 500 ألف مرآة قطع مكافئ تعمل في صفوف منتظمة بطول أحد الوديان، وتتحرك ببطء في انسجام، بينما تغمر الشمس السماء فوقها بضوئها. افتُتِحَت محطة الطاقة الشمسية هذه - التي بلغت تكلفتها 660 مليون دولار أمريكي - في شهر فبراير 2016، ولكنها لن تظل وحيدة كثيرًا؛ حيث التزمت المغرب بتوليد 42% من احتياجاتها من الكهرباء من المصادر المتجددة بحلول عام 2020.

تتحرك عدة دول في مختلف أنحاء أفريقيا بقوة نحو تطوير إمكانات توليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لديها، حتى إنّ هذا الزخم جعل خبراء يتساءلون عما إذا كانت أجزاء كبيرة من القارة قد تقفز إلى مستقبل نظيف، متجاوِزةً بعض الممارسات المدمرة للبيئة، التي ابتُلِيَت بها الولايات المتحدة، وأوروبا، والصين، ودول أخرى، أَم سيكون من الصعب عليها ذلك.

كان كوفي عنان، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، قد قال في تقرير صدر في عام 2015 (انظر المرجع 1): "ينبغي على الدول الأفريقية ألّا تظل حبيسة تطوير التقنيات القديمة، التي تنبعث منها كميات كبيرة من الكربون، حيث يمكننا التوسع في توليد الطاقة، وتوفيرها للجميع، عن طريق القفز إلى التقنيات الجديدة التي تعمل على تحويل نظم الطاقة في العالم".

هذه الرسالة التحفيزية ليست موجَّهة إلى الدول الأفريقية وحدها، بل إلى العالَم بأسره، نظرًا إلى الزيادة الهائلة في الطلب على الكهرباء في القارة السمراء، التي يزيد عدد سكانها بمعدل أكبر من أي منطقة أخرى في العالم؛ إذ من المتوقع أن يصل تعداد سكانها إلى أربعة أضعاف ما هو عليه الآن تقريبًا بحلول عام 2100. ولا يزال أكثر من نصف سكان القارة - الذين يبلغ تعدادهم حاليًا 1.2 مليار نسمة - محرومين من الكهرباء، بيد أنهم قد يحصلون عليها قريبًا. وإذا تم الحصول على قدر كبير من هذه الطاقة من الفحم، والنفط، والغاز الطبيعي؛ فهذا من شأنه أن يقضي على الجهود الدولية الرامية إلى إبطاء وتيرة الاحتباس الحراري. ولا تزال الآمال منعقدة على اتباع مسار أكثر مراعاةً للبيئة، نظرًا إلى أن دولًا أفريقية عديدة بدأت للتوّ في إنشاء جزء كبير من البنية التحتية للطاقة، ولم تلجأ بعد إلى التقنيات الأكثر تلويثاً للبيئة.

وثمة عدة عوامل تدفع التوجه نحو مصادر الطاقة المتجددة في أفريقيا. فأكثر من ثلث دول القارة السمراء تحصل على الجزء الأكبر من طاقتها من محطات الطاقة الكهرومائية، إلا أن حالات الجفاف التي حدثت في السنوات القليلة الماضية بَيَّنَت أنّ هذا المصدر لا يمكن الاعتماد عليه. أما البلدان التي تعتمد أساسًا على الوقود الأحفوري، فقد واجهت مشكلات فيما يتعلق بتقلُّب الأسعار، واللوائح المتزايدة. وفي الوقت نفسه، تراجعت تكاليف تقنية مصادر الطاقة المتجددة تراجعًا كبيرًا. ويرى الباحثون أن إمكانيات توليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في القارة السمراء أعلى مما كان يُعتقد سابقًا، حيث تبلغ تقريبًا 3700 ضعف إجمالي الاستهلاك الحالي للكهرباء.

تضافرت كل هذه العوامل؛ لتؤدي إلى اهتمام متزايد بالطاقة الخضراء، وعمل الباحثون على تحديد الأماكن المثلى لإقامة مشروعات الطاقة المتجددة. واتجهت الشركات التي تتبنى تفكيرًا استشرافيًّا إلى الاستثمار في مزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتعاونت الحكومات مع وكالات التنمية الدولية؛ لجعل المنطقة أكثر جاذبية للشركات الخاصة، بيد أن هذا قد لا يكفي لدفع أفريقيا إلى مستقبل نظيف، تتوافر فيه الكهرباء لسكانها. فالمخطِّطون يحتاجون إلى مزيد من البيانات؛ لإيجاد أفضل المواقع لاحتضان مشروعات الطاقة المتجددة، بينما يتخوَّف المطوِّرون من ضخ الأموال في عدد كبير من البلدان، لا سيما تلك التي لديها تاريخ من الفساد والمشكلات الحكومية. كما ستحتاج الدول إلى عشرات المليارات من الدولارات؛ لتعزيز البنية التحتية للطاقة لديها.

ورغم ذلك.. ما زال طموح الطاقة الخضراء في أفريقيا اليوم أكبر منه في أي وقت مضى، حيث يرى إدي أوكونور - الرئيس التنفيذي لشركة التطوير "مينستريم رينيوابل باور" Mainstrean Renewable Power، ومقرها دبلن - أن هناك إمكانات هائلة لتوليد الطاقة المتجددة في أفريقيا، حيث تقوم شركته ببناء منشآت للطاقة الشمسية وطاقة الرياح هناك، ويصفها بأنها "فرصة تجارية لا نظير لها لرواد الأعمال".

مشكلات الطاقة

يُعَدّ انقطاع التيار الكهربائي إحدى المشكلات الشائعة في عديد من الدول الأفريقية، غير أن زامبيا عانت من هذه المشكلة أكثر من أغلب الدول الأفريقية في عام 2015؛ إذ تعرضت لسلسلة من حالات الانقطاع المتكررة للتيار الكهربائي، التي استمرت لفترات طويلة؛ مما أصاب الاقتصاد بالشلل. وعجزت المضخات عن إمداد العاصمة لوساكا بمياه نظيفة؛ مما اضطر الصناعات لخفض الإنتاج، الأمر الذي أدَّى إلى تسريح العمال بأعداد هائلة.

ويعود السبب الأساسي لمشكلات الطاقة في زامبيا إلى أسوأ موجة جفاف تَعَرَّض لها جنوب القارة الأفريقية منذ 35 عامًا، حيث تحصل زامبيا على ما يقرب من 100% من احتياجاتها من الكهرباء من الطاقة الكهرومائية، وأغلبها من ثلاثة سدود كبيرة تعرضت لانخفاض كبير في مستويات المياه. كما اضطرت الدول المجاوِرة - مثل زيمبابوي، وجنوب أفريقيا، وبوتسوانا - إلى تقليص إنتاج الكهرباء. وقد يزداد نقص المياه حدةً، إذ تشير التوقعات إلى أن ارتفاع درجة حرارة المناخ قد يقلِّل من هطْل الأمطار في جنوب القارة الأفريقية بصورة أكبر في النصف الثاني من القرن الواحد والعشرين.

وقد تسهم مصادر الطاقة المتجددة في سد هذه الفجوة، نظرًا إلى أن مشروعات طاقة الرياح والطاقة الشمسية يمكن أن تُبنَى بصورة أسرع بكثير من منشآت الطاقة الكهرومائية، أو محطات الطاقة النووية، أو الوقود الأحفوري. كما يمكن التوسع في منشآت الطاقة الخضراء تدريجيًّا مع تزايُد الطلب.

وتأتي مصر، وإثيوبيا، وكينيا، والمغرب، وجنوب أفريقيا في مقدمة البلاد الرائدة في بناء محطات الطاقة المتجددة، بيد أن أكبر المعوقات أمامها يتمثل في عدم توفر بيانات كافية. وفي هذا الصدد تقول جريس وو - الباحثة في مجال الطاقة في جامعة كاليفورنيا ببيركلي - إن غالبية الخرائط الحالية لمصادر طاقة الرياح والطاقة الشمسية في أفريقيا لا تحتوي على معلومات تفصيلية كافية تتيح للشركات اختيار مواقع مشروعاتها. وكانت جريس وو قد شاركت في كتابة تقرير2 حول تخطيط مناطق الطاقة المتجددة في 21 بلدًا أفريقيًّا، وذلك في سياق مشروع مشترك بين مختبر لورنس بيركلي الوطني في كاليفورنيا، والوكالة الدولية للطاقة المتجددة في أبوظبي. وتقول وو إن هذه الدراسة هي أشمل مجهودات التخطيط التي بُذلت حتى اليوم لمعظم تلك الدول. وتعمل الدراسة على قياس كمية الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في هذه البلاد، إلى جانب عوامل أخرى، مثل قرب مشروعات الطاقة من البنية التحتية ومن المستهلكين، ومدى تَسَبُّبها في أضرار اجتماعية أو بيئية. وأضافت وو: "إن الدراسة المشتركة بين مختبر لورنس بيركلي الوطني، والوكالة الدولية للطاقة المتجددة هي الدراسة الوحيدة من نوعها التي طبَّقت منهجية متسقة عبر منطقة واسعة من القارة الأفريقية". وقد اعتادت الجهات البحثية الحكومية أو الشركات إجراء قياسات عالية الدقة لمصادر طاقة الرياح والطاقة الشمسية، فارِضَةً رقابة مشددة على البيانات التي جمعتها. أما فريق بيركلي، فقد استخدم مزيجًا من قياسات الأقمار الصناعية، والقياسات الأرضية، التي اشتراها الفريق من شركة "فايسالا" Vaisala - المتخصصة في الرصد البيئي، ومقرها فنلندا - والتي أتاحت تلك البيانات منذ ذلك الوقت للجمهور في الأطلس العالمي للطاقة المتجددة، الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة المتجددة. كما أدرج الفريق البيانات الجغرافية المكانية - مواقع الطرق، والمدن، وخطوط الكهرباء القائمة، والعوامل الأخرى - التي قد تؤثر على عملية اتخاذ القرار بخصوص تحديد مواقع مشروعات الطاقة. يقول رانجيت ديشموك، باحث الطاقة في بيركلي، الذي شارك في إعداد التقرير: "إذا كانت هناك غابة، فلن نسعى إلى قطع أشجارها، من أجل إقامة محطة للطاقة الشمسية على أنقاضها".

ومن جهة أخرى.. أفاد تقرير آخر، صادر عن الوكالة الدولية للطاقة المتجددة3 أن الطاقة الخضراء التي يمكن توليدها في أفريقيا هائلة الكَمّ للغاية، وقد جمع هذا التقرير بين 6 دراسات إقليمية، وتوصَّل إلى إمكانية توليد 300 مليون ميجاواط من الطاقة الشمسية الكهروضوئية، وأكثر من 250 مليون ميجاواط من طاقة الرياح (انظر: "وفرة الطاقة"). وفي المقابل، فإن إجمالي الطاقة التي يمكن توليدها حاليًّا – الكهرباء التي تستطيع القارة توليدها في حال عمل جميع محطات الطاقة بالقارة بكامل طاقتها – لم يتجاوز 150 ألف ميجاواط في نهاية عام 2015، ولم تشكِّل الكهرباء المتولدة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح سوى 3.6% فقط منها.

كبر الصورة

SOURCE: REF. 3

وفي هذا الصدد يقول أوليفر نايت - متخصص أول في الطاقة في برنامج المساعدة على إدارة قطاع الطاقة، التابع للبنك الدولي في العاصمة واشنطن - إن تقدير مصادر طاقة الرياح كان مفاجئًا؛ فعلى الرغم من إدراك الناس منذ فترة طويلة لإمكانيات الطاقة الشمسية في أفريقيا، وذلك قبل عشر سنوات تقريبًا، فإنّ قليلًا مِن صناع القرارات المحليين أدركوا قوة الرياح، مضيفًا: "كان الناس يعتقدون أنه لا توجد رياح على الإطلاق في مناطق مثل شرق أفريقيا".

يُجْرِي البنك الدولي دراساته الخاصة، التي ستقيِّم سرعة الرياح والإشعاع الشمسي كل 10 دقائق على الأقل في مواقع مختارة في شتى أنحاء البلدان المستهدفة. ويقول نايت إن البنك الدولي سيطلب من الحكومات إضافة البيانات الجغرافية، المكانية الخاصة بها، ويجمع كل المعلومات في صيغة سهلة الاستخدام، متاحة للجميع، ولا تتطلب معرفة تقنية متقدمة. ويضيف نايت: "ينبغي أن يتاح للموظفين الحكوميين في المستويات المتوسطة في أيّ دولة نامية إمكانية الدخول إلى الإنترنت، والاطلاع على هذه المعلومات".

جنوب أفريقيا في الطليعة

في منطقة كارو شبه القاحلة بجنوب أفريقيا، ثمة مجموعة من توربينات الرياح، ناصعة البياض، يبلغ ارتفاعها 150 مترًا عن الأرض العشبية المتعرجة. كانت شركة "مينستريم رينيوابل باور" قد بدأت في تشغيل هذا المشروع في شهر يوليو الماضي، بعد مضي 17 شهرًا على البدء في إنشائه. وتضيف التوربينات - البالغ عددها 35 توربينًا - 80 ميجاواط إلى إمداد الطاقة الكهربائية في جنوب أفريقيا، وهو ما يكفي لإضاءة ما يقرب من 70 ألف منزل.

ولا تمثِّل مزرعة نوبورت للرياح إلا مشروعًا واحدًا من بين مائة مشروع من مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح التي طوَّرَتها جنوب أفريقيا على مدار الأعوام الأربعة السابقة، حيث انخفضت أسعار هذه الطاقة عن أسعار الفحم، كما تأخر بناء منشأتين جديدتين هائلتين تعملان بالفحم. وتستعد جنوب أفريقيا للتوسع سريعًا في إنتاج الطاقة المتجددة، الأمر الذي يرجع الفضل فيه جزئيًّا إلى استثمارها في مجال البيانات.

تعمل عالمة البيئة ليديا كيب لدى مجلس البحوث العلمية والصناعية، وهو معمل قومي في ستيلينبوش، حيث قامت هي وفريقها بوضع خرائط تخطيطية؛ لتطوير مزارع طاقة الرياح والطاقة الشمسية واسعة النطاق، وتوسيع الشبكة. وبدءًا ببيانات حول مصادر الطاقة، قاموا بتقييم مواقع التطوير المحتمَلة من حيث العديد من الآثار الاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية، بما في ذلك القرب من الطلب على الكهرباء، والفوائد الاقتصادية، وتأثير ذلك على التنوع البيولوجي.

وقد قبلت حكومة جنوب أفريقيا بتوصيات الفريق، وخصصت ثماني مناطق لتطوير الطاقة المتجددة على مقربة من المستهلكين والبنية التحتية للنقل، وفي الأماكن التي ستتسبب فيها مشروعات الطاقة بأقل ضرر ممكن على الأشخاص والأنظمة البيئية. وفي معرض حديثها عن المشروع، تقول كيب: "تبلغ المساحة الإجمالية لهذه المناطق حوالي 80 ألف كيلو متر مربع، أي تساوي تقريبًا مساحة أيرلندا، أو اسكتلندا"، وأوضحت أن تلك المناطق حصلت على ترخيص بيئي؛ لإقامة مشروعات طاقة متجددة، وممرات لنقلها.

"قبل عقد من الزمان، كان الناس يعتقدون أنه لا توجد رياح على الإطلاق في مناطق معينة، مثل شرق أفريقيا".

ولكي تتحول الدول الأفريقية إلى الطاقة الخضراء بشكل كبير، ستحتاج إلى تدفق نقدي هائل؛ حيث إن تلبية احتياجات الطاقة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ستتكلف 40.8 مليار دولار أمريكي سنويًّا، أي ما يعادل نسبة 6.35% من إجمالي الناتج المحلي في أفريقيا، وذلك حسب تقارير البنك الدولي. والواقع أن التمويل الحكومي الحالي أقل من ذلك بكثير؛ ومن ثم، فلا غنى عن جذب مستثمرين من القطاع الخاص، غير أن كثيرين من المستثمرين يَعتبِرون الدول الأفريقية دولًا عالية المخاطر، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن عقد الاتفاقيات في هذه الدول يتطلب مفاوضات طويلة ومعقدة، كما أن كلفة رأس المال مرتفعة. يقول دانيال كامن، المبعوث الخاص لشؤون الطاقة في وزارة الخارجية الأمريكية، والباحث في مجال الطاقة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي: "إنه تحدٍّ حقيقي، فهناك دول كثير من هذه الدول الأفريقية لا تتمتع بتصنيفات ائتمانية جيدة".

وتنصح إلهام إبراهيم - مفوض الاتحاد الأفريقي للبنية التحتية والطاقة - هذه البلدان باتخاذ خطوات تبثّ الطمأنينة في المستثمرين من القطاع الخاص، مؤكِّدةً على أن إصدار تشريعات واضحة تدعم الطاقة المتجددة أمر أساسي، إضافة إلى وجود سجل حافل بتطبيق القوانين التجارية.

وقد ضربت جنوب أفريقيا مثالًا جيدًا في هذا الشأن؛ إذ وضعت في عام 2011 إجراءات تتميز بالشفافية للمناقصة على مشروع، تحت مسمى "برنامج شراء الطاقة المتجددة المنتَجة بمنظومة المحطات المستقلة" REIPPP. وقد أسفر البرنامج عن استثمارات من القطاع الخاص تتجاوز 14 مليار دولار أمريكي؛ لإنتاج 6327 "ميجاواط" من طاقة الرياح والطاقة الشمسية.

وقد حصلت شركة "مينستريم رينيوابل باور" على عقود إنشاء ست مَزارع رياح، ومحطتين لإنتاج الطاقة الشمسية الكهروضوئية عبر برنامج REIPPP. ويعلِّق أوكونور قائلًا: "يتمتع هذا البرنامج بدرجة هائلة من النزاهة والشفافية؛ حيث إنهم ينشرون النتائج، ويقدِّمون ضمانات من الدولة، ولا يعطِّلون العمل كثيرًا". وأضاف قائلًا إنه على الرغم من تذبذب المُوَرِّد الرئيس للكهرباء في البلاد في دعمه لمصادر الطاقة المتجددة، فإن الحكومة المركزية لا تزال ملتزِمة بالبرنامج، وتابع بقوله: "أرى أن مخاطر الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة بجنوب أفريقيا أقل منها في إنجلترا".

أمّا بالنسبة إلى البلدان الأقل جاذبية للمستثمرين في الوقت الراهن، فقد أطلقت مجموعة البنك الدولي مشروع التوسع الشمسي في يناير من عام 2015. ويقول ياسر شرفي - مسؤول الاستثمار الأساسي للبنية التحتية في أفريقيا لدى مؤسسة التمويل الدولية (IFC) في داكار، التابعة لمجموعة البنك الدولي - إن هذا يقلل من المخاطر التي يخشاها المستثمرون، عن طريق مَنْحهم مجموعة من الضمانات. وتَعرِض مؤسسة التمويل الدولية قروضًا مخفضة في إطار برنامج التوسع الشمسي؛ كما يضمن البنك الدولي شراء الحكومات للطاقة المولَّدة من تلك المشروعات؛ بينما تقدِّم وكالة ضمان الاستثمار متعدد الأطراف - التابعة للمجموعة - تأمينًا سياسيًّا في حالة اندلاع حروب، أو اضطرابات مدنية.

فازت زامبيا - وهي أول دولة تشارك في برنامج التوسع الشمسي - بمشروعين من مشروعات الطاقة الشمسية، سيوفران 73 "ميجاواط" من الطاقة، ثم جاءت بعدها السنغال، ومدغشقر، حيث وَقَّعَتَا على اتفاقيات لإنتاج 200 "ميجاواط"، و40 "ميجاواط" على التوالي، بينما انضمت أثيوبيا إلى الركب مؤخرًا. وستتيح مؤسسة التمويل الدولية اشتراك بلدين آخرين في البرنامج قريبًا؛ مستهدِفة بذلك توليد 1000 "ميجاواط" في السنوات الخمس الأولى.

تدفُّق الطاقة

لن تكون هذه الطاقة ذات فائدة، إذا لم تصل إلى المستخدِمين. ومِن أكبر العوائق التي تقف في طريق مستقبل الطاقة النظيفة في أفريقيا.. افتقار القارة إلى شبكات كهرباء وخطوط نقل قوية قادرة على نقل كميات هائلة من الطاقة داخل البلدان، وعبر المناطق المختلفة، بيد أن هذه الفجوة توفِّر بعض الفرص، فبدون بِنْية تحتية كبيرة، ومصالح مترسخة، قد تتمكن تلك البلدان من توسيع نطاق مشروعات الطاقة المتجددة وإدارة الكهرباء بطريقة أكثر سرعة وحيوية من الدول المتقدمة. وهذا ما حدث في صناعة الهواتف؛ ففي ظل عدم توفُّر بنية تحتية كبيرة للخطوط الأرضية، سرعان ما انتشرت الهواتف المحمولة في الدول الأفريقية.

قد يبدو المستقبَل مختلفًا للغاية عما هو عليه الحال اليوم في صناعة الكهرباء. ويرى الخبراء أن أفريقيا ستحظى - على الأرجح - بمزيج من خيارات توصيل الطاقة، حيث سيحصل بعض المستهلكين على الكهرباء من الشبكة، في حين أن سكان المناطق الريفية والمناطق الحضرية الفقيرة – الذين يسكنون في مناطق بعيدة عن الشبكة، أو تكون تكلفة توصيلهم بها مرتفعة - قد تصلهم الكهرباء من محطات وشبكات صغيرة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وفي هذا الصدد أكَّدَت إلهام إبراهيم أن كهرباء الشبكات لا غِنى عنها للكثيرين من سكان المدن، وكذلك للتنمية الصناعية. وحتى تصبح مصادر الطاقة المتجددة مكوِّنًا أساسيًّا من منظومة الطاقة، لا بد من ترقية وتطوير الشبكات؛ لتتعامل مع تقلبات إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ويمكن للدول الأفريقية أن تنظر إلى دول معينة، مثل ألمانيا، والدنمارك، ممن كان لها الريادة في التعامل مع الطبيعة المتقطعة للطاقة المتجددة. ومن بين الخيارات المطروحة.. توليد الطاقة باستخدام السدود الموجودة عند نقص الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وقطع الطاقة الكهرومائية عند توافرهما. ويتمثَّل أسلوب آخر في توجيه الكهرباء في أنحاء الشبكة، فعلى سبيل المثال.. إذا انخفضت الطاقة الشمسية في مكان ما، تعوِّض الطاقة المولدة من الرياح في أي مكان آخر هذا العجز. أمّا الاستراتيجية الثالثة، ويطلق عليها الاستجابة للطلب، فتعمل على تقليل توصيل الكهرباء للعديد من المستهلكين بكميات ضئيلة في أوقات ذروة الطلب.

تتطلب هذه المنهجيات المتطورة شبكة ذكية، وبِنْية تحتية تربط الشبكات الصغرى في المناطق المختلفة، بحيث يمكنها مشاركة الكهرباء. وتمتلك أفريقيا بعضَ هذه "الوصلات البينية الإقليمية"، بيد أنها غير مكتملة. وأضافت إلهام إبراهيم قائلة إنّ مَدّ أربعة مسارات نقل أساسية - مِن المخطط إنشاؤها - يحتاج على الأقل إلى  16,500كيلومتر من خطوط النقل الجديدة، وهو ما يكلف أكثر من 18 مليار دولار أمريكي. وبالمثل، فإنّ شبكات الطاقة الداخلية في العديد من البلدان تكافح لمواصلة العمل.

وهذا جزء من الأسباب التي تجعل العمل في مجال الطاقة في أفريقيا ينطوي على الكثير من التحديات. وفي هذا الصدد يقول بروسبر أميوكواندو، مفتش لدى لجنة الطاقة في غانا والرئيس التنفيذي لمجموعة "سمارت آند جرين إنيرجي"، وهي شركة تعمل في إدارة الطاقة في أكرا: "في غانا، ثمة كميات كبيرة من الطاقة في طور التوليد".

وقال أميوكواندو إن الدولة تعتزم مبادَلة الكهرباء مع البلاد المجاورة لها في مجمع غرب أفريقيا للطاقة، لكن الشبكة الحالية لا تستطيع تحمُّل هذه الكميات الكبيرة من الطاقة المتقطعة. ورغم التحديات.. يبدو أميوكواندو مفعمًا بالحماس حين يتحدث عن المستقبل قائلًا: "إن الآفاق هائلة أمامنا".

وفي ظل انخفاض أسعار مصادر الطاقة المتجددة، ينتشر هذا التفاؤل في جميع أنحاء أفريقيا، حيث يقول شرفي إن إمداد القارة بالكهرباء أمر شديد الأهمية، وواجب أخلاقي علينا جميعًا، "فلا يمكن أن نقبل في القرن الواحد والعشرين أن يعيش مئات الملايين من الأشخاص بدون كهرباء".


  1. Africa Progress Panel Power, People, Planet: Seizing Africa's Energy and Climate Opportunities (Africa Progress Panel, 2015).

  2. Wu, G. C., Deshmukh, R., Ndhlukula, K., Radojicic, T. & Reilly, J. Renewable Energy Zones for the Africa Clean Energy Corridor (IRENA/LBNL, 2015).
  3. Miketa, A. & Saadi, N. Africa Power Sector: Planning and Prospects for Renewable Energy (IRENA, 2015).