افتتاحيات

نجـاح ساحـق

إنّ فَقْد المركبة الفضائية "إكسو مارس" ExoMars ليس كارثة، بل هو فرصة للتعلم.

  • Published online:

لا يمكن وصف هبوط مسبار فضائي على كوكب آخر بأنه عمل روتيني، إلا أن المسؤولين في وكالة الفضاء الأوروبية "ESA" بدت عليهم حالة من الهدوء غير المعتاد، قبل محاولة الهبوط على كوكب المريخ في نهاية الأسبوع الثالث من أكتوبر الماضي. ورغم وصف المهمة صراحةً بأنها اختبار لقدرة أوروبا على إتقان بعض التقنيات المعقدة (أو ربما لأنها كانت مجرد اختبار عادي)، لم يتسرب إلى المسؤولين سوى قدر قليل من القلق الذي عادةً ما يصاحب لحظات الهبوط على سطح المريخ. وربما انتقلت هذه الثقة إلى المركبة الفضائية، التي يبدو أنها بعد التخلص من المظلة الخاصة بها اعتقدت خطأً أنها قد هبطت بأمان؛ فأوقفت دافعات المكابح قبل الوصول إلى السطح بكيلومترين على الأقل.

ومع مثول هذا المقال للطبع؛ لنشره في دورية Nature في آخر شهر أكتوبر الماضي، كان المسؤولون في الوكالة لازالوا مترددين بشأن إعلانهم تحطُّم المسبار، لكن يبدو أننا نستطيع القول إنّ خللًا أصاب أحد أجهزة الاستشعار، أو الحواسيب، يشير إلى أن المسبار "شياباريلي" Schiaparelli قَطَعَ المسافة المتبقية بسرعة فاقت التوقعات نوعًا ما، ووصل إلى محطته الأخيرة بسرعة تقترب من سرعة "القطار الطَّلْقَة". في الواقع، رصدت مركبة الفضاء الاستطلاعية التابعة لوكالة "ناسا"، التي تدور في فلك المريخ ما بدا أنه منطقة ارتطام، تبلغ مساحتها 15 × 40 مترًا.

على أية حال، ليس أمام وكالة الفضاء الأوروبية وقت للنحيب. فكما أشارت دورية Nature الطبعة الدولية في أحد صفحات العدد 538، كانت هذه المهمة جزءًا من مهمة "إكسو مارس".. وهو برنامج أوسع نطاقًا، ويتكون من شِقَّين، ويجري تنفيذه بالاشتراك مع وكالة الفضاء الروسية "روس كوزموس" Roscosmos. كان من المفترض أن تستعرض المهمة القدرة على الهبوط على سطح المريخ، قبل انطلاق رحلة ثانية متمثلة في مهمة استكشاف طموحة، مخطَّط إطلاقها في عام 2020. ومن المتوقع أن تشهد الشهور التالية لذلك نشاطًا مضطربًا؛ لتحديد الخطأ الذي اعترى عملية الهبوط، وكيفية إصلاحه. وهنا، عاد القلق يساور العلماء من جديد، وذلك ليس بالأمر السيئ.

في الأيام التي أعقبت الحادث، اتسمت الرسالة العامة الصادرة عن وكالة الفضاء الأوروبية بالإيجابية الشديدة. فقد سعى المدير العام للوكالة يوهان ديتريش فورنر، وكذلك سلسلة من البيانات الصحفية نحو تركيز انتباه الرأي العام على أمرين أساسيين، هما: نجاح مهمة المركبة "تريس جاز أوربيتر" Trace Gas Orbiter، وهي السفينة الأم للمسبار "شياباريلي"، التي دخلت مدارًا حول المريخ في اليوم نفسه للتحطم. وفي الحقيقة لقد أرسلت المركبة بيانات كافية؛ لدراسة ما تم بشكل صحيح، والتعرف على الخطأ الذي حدث (وهو ما يناقض ـ على سبيل المثال ـ ما حدث مع مركبة "بيجل 2" Beagle 2، التي كانت تديرها وكالة الفضاء الأوروبية، وتقودها بريطانيا، والتي اختفت في يوم عيد الكريسماس من عام 2003؛ ولم يُحسم مصيرها، حتى تم رصدها على سطح الكوكب بعد حوالي 11 عامًا).

ومِثل هذه الالتفاتات الإيجابية لا يمكن أن تصرف الأنظار عن حقيقة وقوع حادث تحطم مركبة فضائية، حتى لو كانت مجرد اختبار. ورغم ذلك يظل علماء وكالة الفضاء الأوروبية مُحِقِّين حول كون المهمة ناجحة إلى حد كبير. وكبداية تمثِّل المركبة المدارية الجزء الأهم من الناحية العلمية، إذ صُممت لتتبع الأصول المثيرة لغاز الميثان على كوكب المريخ، ولتعمل كمرحِّل اتصالات للمركبة المزمع إرسالها في عام 2020. أما في حالة المسبار "شياباريلي"، فلا يوجد شك أنه من الأفضل لجهاز الاختبار أن يتحطم، ويقدِّم دروسًا مفيدة، بدلًا من أن يُظهِر خللًا قاتلًا فقط أثناء هبوط المسبار الأعلى تكلفةً، أو أثناء أي مهمة مستقبلية أخرى.

«في الفضاء، دائمًا ما تشهد برامج الاستكشاف تلازمًا لافتًا بين الفشل والتقدم».

ومع ذلك كان لزامًا على مديري وكالة الفضاء الأوروبية ـ في غضون شهرين مما حدث ـ تفسير حالة الفشل العام لعملية الهبوط، وذلك في ثنايا مناقشتهم مستقبل مهمة عام 2020 في اجتماع المجلس الوزاري لهذا العام. وعلى المستوى التقني، من المفترض ألا تكون هناك مشكلة؛ فرغم أن التحقيقات لم تنته بعد، تشير جميع الدلائل حتى الآن إلى أن الفشل سيكون أمرًا يمكن إصلاحه بسرعة وسهولة. أما على المستوى السياسي، فثمة خطر محدق؛ إذ لا تزال المهمة الاستكشافية بحاجة إلى حوالي 300 مليون يورو إضافية (ما يعادل 326 مليون دولار أمريكي) من الخزانة العامة.

ويبدي فورنر – على الأقل أمام الرأي العام - تفاؤلًا مشوبًا بالعناد حول التأثير الضعيف الذي يمكن أن يتركه الحادث على رغبة الوزراء في تقديم الأموال اللازمة. وحين سُئل عن الأمر في أحد المؤتمرات الصحفية؛ رد فورنر قائلًا إنه لا يرى سببًا يمكن أن يدفع الوزراء لاعتبار مهمة عام 2016 أقل نجاحًا مما يعتبرها هو شخصيًّا. أما في الكواليس، فالعلماء أكثر توترًا. فمع استمرار تفشِّي إجراءات التقشف في جميع أنحاء أوروبا، قد يميل السياسيون إلى تفادي صرف ملايين أخرى على مشروعٍ تبدو نسبة المخاطر فيه مرتفعة بشدة.

ورغم ذلك من الخطأ أن ينساق الوزراء وراء هذا التردد؛ ليس فقط لأن الخبرة المكتسبة من حادث تحطم المسبار "شياباريلي" سوف تساعد عملية هبوط "إكسو مارس"، المزمع إجراؤها في عام 2020، وإنما أيضًا لأن المهام شديدة الصعوبة ـ كاستكشاف الفضاء ـ دائمًا ما تشهد تلازمًا لافتًا بين الفشل والتقدم. وربما أسهمت سلسلة النجاحات التي حققتها وكالة الفضاء الأوروبية في الآونة الأخيرة – بما في ذلك مهمة "روزيتا" Rosetta الرائدة، ومستكشف "ليزا" LISA (وهو أول نموذج لرصد موجات الجاذبية) – في جعل مثل هذا الإنجاز يبدو سهلًا، إلا أن حوالي نصف محاولات الهبوط على المريخ تبوء بالفشل؛ وقد تكون المسافة الفاصلة بين الفشل والنجاح فيها ضئيلة للغاية.

وحتى الآن، لم تنجح أي وكالة فضائية أخرى غير وكالة "ناسا" في الهبوط والعمل على المريخ (وصل المسبار السوفيتي "مارس 3" Mars 3 إلى سطح الكوكب في عام 1971، لكنه بث صورًا لمدة عشرين ثانية فقط). ورغم أن فشل المسبار "شياباريلي" ينفي عن أوروبا - حتى الآن - حق ادعاء مشاركتها وكالة "ناسا" في سباق الاكتشافات الكبرى، إلا أنه بدون مهام معينة، مثل "إكسو مارس" 2020، ستفقد أوروبا هذا الحق إلى الأبد. وبرغم أن ميزانية وكالة الفضاء الأوروبية لا ترقى إلى ثلث حجم ميزانية "ناسا"، إلا أن طموحاتها تزداد، كما أن الشعوب الأوروبية ليست أقل نهمًا للعلم والاستكشاف من الشعوب الأمريكية. وأخيرًا، لا ينبغي أن يكون الفشل مبررًا للانسحاب، وإنما يجب أن يكون حافزًا للتقدم إلى الأمام.