تحقيق إخباري

أزمة استطلاعات الرأي: كيف تعرف حقيقة ما يفكر فيه الناس

تُعَدّ انتخابات الرئاسة الأمريكية لهذا العام الاختبار الأصعب حتى الآن لاستطلاعات الرأي السياسية، حيث سعى الخبراء جاهدين إلى مواكبة التغير المستمر في التكنولوجيا والخصائص الديموغرافية.

رامين سكيبا
  • Published online:

Illustration by Sébastien Thibault


هيلاري كلينتون في طريقها نحو تحقيق انتصار كاسح على دونالد ترامب، ولكن مهلًا! ترامب بدأ يتقدم، ومن الممكن أن يصل إلى البيت الأبيض. لا! كلينتون متصدرة بوضوح، وحاليًّا تحرز المزيد والمزيد من المكاسب. كل يوم تقريبًا كان يظهر استطلاع جديد للرأي، يعلن عن نتيجة مختلفة، مما جعل الناخبين في حيرة بشأن ماذا يصدِّقون.

تطرح نتائج الانتخابات الأخيرة دواعي أكثر للشك. ففي عام 2013 خالف الحزب الليبرالي الكندي التوقعات عندما فاز بالانتخابات البلدية في مقاطعة كولومبيا البريطانية. وفي العام التالي، بالغت استطلاعات الرأي في تقدير الدعم المقدم إلى الديمقراطيين في انتخابات الكونجرس الأمريكي. وفي هذا العام، قلل بعض منظمي استطلاعات الرأي من أهمية تأييد الشعب البريطاني للانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وذلك في الاستفتاء الذي جرى بهذا الشأن. دفعت هذه الأخطاء بعض المعلقين السياسيين إلى القول إنّ استطلاعات الرأي في طريقها إلى الاندثار.

يقول ستيفن فيشر، عالِم الاجتماع السياسي بجامعة أكسفورد: "صار من الصعب كثيرًا أن تجد أناسًا راغبين في تحمُّل التكلفة المطلوبة لإجراء استطلاعات الرأي، في ضوء الأداء الضعيف لتلك الاستطلاعات هذا العام، وفي العام الماضي. لقد فقدت هذه الاستطلاعات مصداقيتها بشدة في المملكة المتحدة".

وقد عمل منظمو استطلاعات الرأي في عجلة على تحسين مناهجهم مع  اقتراب  قطار انتخابات الرئاسة الأمريكية من الوصول إلى محطته النهائية؛ لتجنب ارتكاب خطأ آخر يضعهم في موقف حرج. في الحقيقة، تزداد مهمة هؤلاء المنظمين صعوبة. فحتى وقت قريب، لا يزيد على عشر سنوات، كان بإمكان منظمات استطلاع الرأي استشعار نبض الرأي العام ببساطة، من خلال الاتصال بالناس في منازلهم، ولكن قطاعات كبيرة من السكان في الدول المتقدمة تخلَّت عن خطوط الهاتف الأرضية، واستبدلت الهواتف المحمولة بها. نتجت عن ذلك صعوبة كبيرة لمنظمي الاستطلاعات في الوصول إلى هؤلاء الأفراد، لأن الناس في الغالب لا يَرُدُّون على الاتصالات التي تأتيهم من أرقام غير مألوفة لهم.

لذا يسعى منظمو استطلاعات الرأي جاهدين لمجابهة تلك المشكلة، فيحسِّنون من الجهود المبذولة للوصول إلى الهواتف المحمولة، ويستخدمون أدوات إحصائية لتصحيح أوجه الانحياز، ويتحولون إلى إجراء الاستطلاعات عن طريق الإنترنت. وقد دفعت الزيادة الكبيرة في استطلاعات الرأي عن طريق الإنترنت إلى إنشاء مواقع تحليلية لاستطلاعات الرأي، مثل «فايف ثيرتي إيت» FiveThirtyEight، و«ريل كلير بوليتيكس» RealClearPolitics، و«هافينجتون بوست» Huffington Post، التي تقوم بتجميع النتائج، وأخْذ متوسطاتها؛ للخروج بتنبؤات أكثر دقة.

يقول كليف زوكين، المتخصص في العلوم السياسية بجامعة روتجرز في نيو برونزويك بولاية نيو جيرسي: "تمر استطلاعات الرأي بسلسلة من التغيرات الانتقالية، فقد صار إجراؤها حاليًّا أكثر صعوبة من ذي قبل. لقد انهار النموذج الذي ظللنا نستخدمه منذ ستينات القرن الماضي، ونحن الآن بصدد إنشاء نموذج جديد يحل محله، ولكننا لم نصل بعد إلى المحطة النهائية".

يمكن القول إن المكونات المطلوبة لإجراء استطلاع رأي دقيق بسيطةٌ إلى حد ما، ولكن قد يكون من الصعب إيجادها، كما أن كل شخص يستخدم وصفة مختلفة لدمج تلك المكونات معًا. تتمثل نقطة البداية في استقطاب مجموعة كبيرة من الأشخاص، يُفضل أن يزيد عددهم على ألف شخص. كذلك لا بد من تقسيم العينة بشكل متساوٍ بين الرجال والنساء. وإضافة إلى ذلك، لا بد أن تعكس العينة التركيبة السكانية من حيث العرق، ومستوى التعليم، والدخل، والتوزيع الجغرافي؛ وذلك من أجل تمثيل الآراء المختلفة وسلوكيات التصويت المختلفة. وعندما تصبح البيانات متاحة أخيرًا، يقوم منظمو الاستطلاع بتحليل الفجوات في العينة الخاصة بهم، وتحديد الوزن المرجح للنتائج؛ لمعرفة المجموعات ضعيفة التمثيل.

يرى مايكل لينك، الرئيس والمدير التنفيذي لشركة «Abt SRBI» لاستطلاعات الرأي في مدينة نيويورك، والرئيس السابق للجمعية الأمريكية لأبحاث الرأي العام، أن "استطلاع الرأي فن، ولكنه في الحقيقة جهد علمي بالدرجة الأولى".

كذلك تُعتبر استطلاعات الرأي من العمليات الإجرائية التي تجري خلف الأبواب المغلقة. يتولى إدارة استطلاعات الرأي خليط من الشركات والمجموعات الأكاديمية، ولكن بصفة عامة، يطلب إجراء تلك الاستطلاعات مؤسسات إخبارية، وجماعات سياسية. ونتيجة لذلك، نادرًا ما يبوح منظمو الاستطلاعات بتفاصيل الأساليب التي يستخدمونها لأيّ جهة. تقول جيل دارلنج، مديرة الاستطلاعات بمركز الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية في جامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجيليس: "يتكسَّب كثيرٌ من الناس من وراء هذا العمل، كما أن سُمْعتهم تعتمد عليه".


تغيُّر الأزمان

كان من المعتاد أن يكون الجانب الخاص بجمع البيانات في استطلاعات الرأي أمرًا سهلًا نسبيًّا في الدول المتقدمة. فقد اعتاد منظمو استطلاعات الرأي الاتصال بالأشخاص في بيوتهم، في البداية بطريقة يدوية، ثم في وقت لاحق عن طريق أجهزة الاتصال الأوتوماتيكية في الولايات المتحدة، ولكن خطوط الهاتف الأرضي في الوقت الحاضر في طريقها إلى أن تلقى سريعًا مصير أجهزة التلغراف نفسه (انظر: «كيف تتعرف على أفكار الناخبين»). في عام 2008، كان أكثر من ثمانية من بين كل عشرة منازل في الولايات المتحدة تمتلك خطوطًا للهاتف الأرضي، وبحلول عام 2015، تراجع هذا الرقم إلى خمسة من كل عشرة، وما زال يتناقص. في المملكة المتحدة، يمتلك عدد أكبر من الأشخاص خطوطًا أرضية، ولكن النسبة تتناقص أيضًا. ففي العام الحالي، قال 53% من أصحاب الخطوط الأرضية إنهم لا يستخدمونها على الإطلاق، أو نادرًا ما يستخدمونها.

لقد أصابت ثورة الهواتف المحمولة منظمي استطلاعات الرأي بصدمة قاسية في الولايات المتحدة؛ لأن القوانين الفيدرالية تشترط إجراء الاتصالات بالهواتف المحمولة بطريقة يدوية. وفي أغلب الأحيان، لا يرد الناس على المكالمات التي تَرِد إليهم من رقم غير مألوف. في عام 1997، كان بإمكان منظمي استطلاعات الرأي الحصول على معدل استجابة قدره 36%، ولكن هذا الرقم انخفض إلى 10% فقط، أو أقل. ونتيجة لذلك يحاول منظمو استطلاعات الرأي جاهدين الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص، ومن ثم فإن التكاليف في ارتفاع مستمر، فكل مقابلة تليفونية على الهاتف الجوال تبلغ تكلفتها ضعف تكلفة مثيلتها على الخط الأرضي. وهناك أيضًا "تحيُّز ناتج عن عدم الاستجابة"، لأن الأشخاص الذين يرُدُّون على مكالمات منظمي استطلاعات الرأي أحيانًا لا يعبِّرون عن عينة تمثيلية، حسب قول فريدريك كونراد، رئيس برنامج المنهجية البحثية لاستطلاعات الرأي بجامعة متشيجان في آن أربور.

وبغضّ النظر عن ارتفاع تكلفة الاتصال بالأشخاص، وصعوبة إجرائه، فإن هذه الطريقة ما زالت هي الوسيلة المثلى للحصول على أدقّ النتائج، كما تقول كورتني كينيدي، مديرة أبحاث استطلاعات الرأي بمركز «بيو» للأبحاث في واشنطن العاصمة. وفي الوقت الحالي، يقوم منظمو استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة بالاتصال بالهواتف المحمولة في أكثر من نصف عدد العينات التي يختارونها، ومن المحتمل أن تزداد هذه النسبة، ما دام عدد الأشخاص الذين يتخلصون من خطوطهم الأرضية في ازدياد مستمر.

ويصارع منظمو استطلاعات الرأي مشكلة رئيسة أخرى، ألا وهي التنبؤ بمَن سيُدْلُون بأصواتهم في الانتخابات. وهي العملية التي اتسمت بالصعوبة على نحو غير معتاد في الولايات المتحدة هذا العام، لأن الكثير من الناخبين ليسوا مُتَيَّمِين بالمرشحَين الرئيسَين، اللذَين حصلا على نسب تاريخية من حيث انخفاض شعبيتهما.

تتراوح نسبة المشاركة في أيّ انتخابات وطنية في الولايات المتحدة في المعتاد بين 40 و55% ، وهي نسبة تقل عن مثيلتها في معظم الدول المتقدمة الأخرى، حسب ما تذكره منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وعلى النقيض من ذلك، تتراوح نسبة الناخبين في المملكة المتحدة في المعتاد بين 60 و70% من عدد السكان الذين يحق لهم التصويت. وعلى الأرجح، يذهب إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات الأشخاص الأكثر ثراء والأكبر سنًّا والأفضل تعليمًا إلى جانب مَن أدلوا بأصواتهم في الانتخابات السابقة، ولكن ذلك الأمر يتغير مع كل عملية انتخابية.

عادةً ما يبني منظمو استطلاعات الرأي تقديراتهم لنسبة مشاركة الناخبين على تركيبة خاصة من العوامل، مثل تاريخ التصويت للمشاركين، وانتمائهم إلى حزب سياسي من عدمه، ومدى انخراطهم في السياسة، وهل يقولون إنهم يخططون للإدلاء بأصواتهم، أم لا، إضافة إلى الخصائص الديموغرافية، والعوامل الاجتماعية، والاقتصادية. تقول كينيدي: "من المعروف أن نموذج ’الناخب الاعتيادي‘ يمثل المكوِّن السري للخلطة في استطلاعات الرأي".

يُعَدّ ذلك أيضًا من أصعب المكونات في استطلاعات الرأي الدقيقة. ففي انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، التي جرت في عام 2014، أخفق معظم منظمي استطلاعات الرأي في تنبؤاتهم بتصويت الديمقراطيين. كانت نسبة المشاركة 36% فقط، وهو ما يُعَدّ بمثابة انخفاض لم يسبق له مثيل في الأعوام السبعين الماضية، مما أدى إلى قلة عدد الأصوات التي ذهبت إلى المرشحين الديمقراطيين على نحو غير متناسب.

«استطلاع الرأي فن، ولكنه في الحقيقة جهد علمي بالدرجة الأولى»

وفي الانتخابات العامة التي جرت في المملكة المتحدة في عام 2015، قللت غالبية المؤسسات الكبرى المنظِّمة لاستطلاعات الرأي، بما فيها «آي سي إم غير المحدودة» ICM Unlimited، و«يو جوف» YouGov من أهمية مشاركة الناخبين من كبار السن المؤيدين لحزب المحافظين، وفقًا لاستقصاء نُشر في شهر مارس، بواسطة مجلس الاستطلاعات البريطاني، وجمعية أبحاث السوق1. وجد الاستقصاء أيضًا أن منظمي استطلاعات الرأي تَظهَر لديهم تحيُّزات منهجية في عيناتهم. فقد شملت العينة الخاصة بهم عددًا كبيرًا جدًّا من مؤيدي حزب العمال على حساب مؤيدي حزب المحافظين. وكانوا قد قاموا بتطبيق إجراءات الترجيح والتعديل على البيانات الأولية، ولكن هذا الأمر لم يخفف من حدة التحيز. ومن بين مصادر الخطأ الأخرى التي حددها التقرير، مسألة «سلوك القطيع»، وهي تحدث عندما يقوم منظمو الاستطلاع ـ بوعي، أو بغير وعي ـ بضبط استطلاعاتهم بطريقة تجعل نتائجها مشابهة للنتائج التي تم إطلاقها في وقت سابق، مما يجعل نتائج الاستطلاعات متقاربة.

لا يُعَدّ التحيز لصالح الأحزاب اليسارية مقصورًا على المملكة المتحدة، فقد قدَّم الاستقصاء تحليلًا لأكثر من 30 ألف استطلاع رأي من 45 دولة؛ ووجد انحيازًا مشابهًا، وإنْ كان بدرجة أقل. لم يقدم التقرير تفسيرًا لأسباب ذلك، ولكن بعض منظمي استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة وبريطانيا يُعْزي ذلك الاتجاه إلى تنبؤات غير دقيقة بمَن سيذهبون إلى صناديق الاقتراع. ففي حالة المملكة المتحدة، أوصى الفريق بأن يعمل منظمو الاستطلاعات على الحصول على عينات أكثر تمثيلًا، والبحث عن وسائل أفضل لترجيح تلك العينات.

يسعى منظمو الاستطلاعات كذلك إلى تحسين مستوى الدقة لديهم، من خلال تغيير الطريقة التي يستخدمونها في تصميم نموذج الناخبين الاعتياديين. ففي الماضي، كان منظمو الاستطلاعات يتعاملون مع العينة بطريقة مزدوجة، من خلال تحديد عدد مَن يذهبون إلى التصويت في يوم الانتخابات، وعدد مَن سيُلازِمون منازلهم. أما الآن، فإنهم يميلون إلى وضع احتمال لمسألة إدلاء الشخص بصوته من عدمه.

ومِن الأمور المساعِدة أيضًا توخِّي مزيد من الشفافية. يقوم منظمو الاستطلاعات في المملكة المتحدة بمشاركة الطرق التي يستخدمونها مع مجلس الاستطلاعات البريطاني، الذي أسهم في إجراء البحث الأخير، الذي قاد إلى نقاشات مثمرة بشأن الوسائل المستخدَمة في تحسين الدقة، حسب قول فيشر، الذي شارك في الاستقصاء.


نحن نؤمن بالبيانات

وحتى في الحالات التي تتمكن فيها مؤسسات استطلاع الرأي من جمع عينة تمثيلية، لا يمكنها دائمًا الوثوق في الإجابات التي يقدمها الأشخاص. ومن بين الأمثلة الصارخة على هذا الموضوع في الولايات المتحدة، ما حدث في الانتخابات التي جرت في عام 1982 لاختيار حاكم ولاية كاليفورنيا. كان عمدة لوس أنجيليس توم برادلي ـ وهو أمريكي من أصل أفريقي ـ في المقدمة باستمرار، وفقًا لاستطلاعات الرأي، ولكنه خسر الانتخابات بفارق ضئيل. وفيما بعد، أشار منظمو الاستطلاعات إلى أن ذلك التباين قد وقع، لأنّ هناك ناخبِين لم يريدوا أن يعترفوا بأنهم لن يؤيدوا مرشحًا ينتمي إلى أصول أفريقية. وهو ما يُعرف حاليًّا باسم «تأثير برادلي».

من بين الأمثلة الأخرى التي لا تختلف كثيرًا ما يعرف باسم «تأثير المحافظ الخجول»، وهي ظاهرة استمدت اسمها من الناخبين أصحاب الميول المؤيِّدة لحزب المحافظين في المملكة المتحدة، الذين يخفون آراءهم، أو لا ينقلون نواياهم الحقيقية إلى منظمي الاستطلاعات. إنّ ذلك الأمر جعل بعض الخبراء يتساءلون عما إذا كان من المحتمل تدخل عامل مشابه مؤيد لترامب في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، بحيث تشعر نسبة من الناخبين بالحرج، أو التردد في الاعتراف بدعمهم لترامب، أو معارضتهم لكلينتون، ولكن معظم كبار منظمي استطلاعات الرأي يساورهم الشك في أن يلعب ذلك دورًا رئيسًا، لأن استطلاعات الرأي التي أُجريت قبل الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري قدَّمت قياسًا دقيقًا للدعم المقدَّم لترامب، وكان أداء ترامب نفسه مشابهًا في استطلاعات الرأي عن طريق الإنترنت، وكذلك في الاستطلاعات التي جرت عن طريق المقابلات الحية.

ربما تتيح التقنية المتقدمة لمنظمي الاستطلاعات قراءة أفضل للمشاعر الحقيقية للناخبين. فعلى سبيل المثال.. تتيح استطلاعات الرأي عن طريق الإنترنت للأشخاص أن يجيبوا وقتما يريدون، وأن يصرحوا بنواياهم، دون خوف من رأي أو حُكْم يتلقونه في مقابلة حية. كذلك تجعل تلك الاستطلاعات الإلكترونية من السهل جمع آلاف الإجابات في وقت قصير وبتكلفة أقل، حيث تبلغ التكلفة 30 ألف دولار أمريكي لاستطلاع مدته 12 دقيقة، مقابل أكثر من 70 ألف دولار أمريكي لاستطلاع مشابه عن طريق الهاتف، حسب قول كريس جاكسون، نائب رئيس «إبسوس للشؤون العامة»، وهي شركة عالمية لأبحاث السوق واستطلاعات الرأي في واشنطن العاصمة، لكن استطلاعات الرأي عن طريق الإنترنت تعترضها بعض التحديات أيضًا، ففي المعتاد، تقوم تلك الاستطلاعات بجذب الأشخاص عن طريق نشر إعلاناتها على مواقع الويب الشهيرة، ومن ثم يقرر الناس ما إذا كانوا سيشاركون، أم لا، وذلك يعني أنه ربما يكون هناك تحيُّز ضمني في العينات المشارِكة. فمنظمو الاستطلاعات لا يعرفون بالضبط مَن غاب عن المشاركة في الاستطلاع، ومِن الصعب تقدير الأعداد النهائية المشارِكة في الاستطلاع بثقة.

بدأ بعض منظمي الاستطلاعات تجربة الاستطلاعات التي تُجرى من خلال الرسائل النصية. وكما هو الحال في استطلاعات الرأي عن طريق الإنترنت، يستطيع الأشخاص اختيار الإجابة وقتما يريدون، وتجنُّب الحديث إلى شخص ما. قام مايكل شوبر، عالِم النفس بالكلية الجديدة للبحوث الاجتماعية في مدينة نيويورك، وزملاؤه باختبار الاختلافات بين المقابلات الحية، وتلك النصية2. يقول شوبر: "يقود انعدام الضغوط الزمنية والاجتماعية في المقابلات عن طريق الرسائل النصية الأفرادَ إلى أن يفصِحوا عن قَدْر كبير من المعلومات، وأن يكونوا أكثر صدقًا".

هناك نهج آخر، يتمثل في تجميع فريق من الأشخاص، وإجراء استطلاع الرأي على هؤلاء الأشخاص بشكل متكرر. وأبرز الأمثلة على ذلك، استطلاع الرأي التتبعي للانتخابات الرئاسية، الذي تم تدشينه في يوليو الماضي، بالتعاون بين كلية دورنسايف التابعة لجامعة جنوب كاليفورنيا، وجريدة «لوس أنجيليس تايمز» Los Angeles Times. قام منظمو هذا الاستطلاع باختيار عشوائي للأشخاص، بناء على المعلومات التي حصلوا عليها من الخدمة البريدية في الولايات المتحدة، وقاموا بالتواصل مع هؤلاء الأشخاص عن طريق البريد، حيث استقطبوا 3,000 شخص؛ للمشارَكة بصفة أسبوعية في استطلاعاتهم التي تُجرى عن طريق الإنترنت. وبخلاف الاستطلاعات الأخرى، ليس هناك احتياج في هذه الطريقة إلى استقطاب مشاركين جدد بصفة مستمرة، ولا يقل معدل الاستجابة عن 15%، وهي نسبة أعلى من نظيرتها في الاستطلاعات التي تُجرى عن طريق الهاتف. ويحصل منظمو الاستطلاع على بيانات كافية؛ لمعرفة الخصائص السكانية لأفراد العينة معرفة جيدة؛ ومن ثم الثقة في اتجاهاتهم، حسب قول دارلنج، التي تقود الاستطلاع.

ومع ذلك، فإذا اتضح أن العينة تتضمن تحيزا من أي نوع، فإن ذلك يعني أن جميع استطلاعات الرأي التي جرت طوال مدة استخدام العينة سوف تتضمن ذلك التحيز أيضا. وربما يكون هذا ما حدث في استطلاع هذا العام، الذي حمل ميلا بسيطا لمصلحة ترامب، قبل فوزه بالفعل في الانتخابات، بحسب ما صرح به موقع «فايف ثيرتي إيت» المتخصص في تجميع الاستطلاعات.

لتقليل خطر الانحياز، يقوم الباحثون حاليا باختبار نوع جديد من استطلاعات الرأي، إذ قام أندرو جيلمان، عالم الإحصاء والسياسة بجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك، وزملاؤه، بتجميع مجموعة كبيرة جدا من الأشخاص، وقسموهم إلى مجموعات تضم عشرات الآلاف من الفئات الديموغرافية. قام الباحثون باختبار أسلوب التصنيف المتطرف ذلك على بيانات التصويت الخاصة بالانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في عام 2012، واتضح أنه قد أتى بتوقعات دقيقة للنتائج على مستوى الولايات، من خلال استخدام أوزان ترجيحية مضبوطة بدقة لتصحيح العينة غير التمثيلية3. ورغم ذلك، فإن هذا المنهج المعقد يستغرق وقتا أطول بكثير ويتطلب بيانات أكثر تفصيلا مما يتم جمعه في الغالب.

ومع ذلك فإن ذلك المنهج يمكن أن يكون بمثابة لمحة خاطفة عما سيحدث في المستقبل. يقول جو تويمان ـ رئيس قسم الأبحاث السياسية والاجتماعية لأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا بشركة «يو جوف» ـ إن "البيانات الضخمة" هي المصدر الذي سوف يأتي لنا بنتائج أكثر دقة: "سوف يركز الأمر على الربط بين بيانات التصويت الخاصة بالمشارك، واستخدام الإنترنت، وبيانات الاستطلاع الأخرى، والبيانات الديموغرافية؛ مما يخلق صورة أكثر شمولية لذلك الشخص، وهذا من شأنه إتاحة الفرصة للحصول على مجموعة من التنبؤات الأكثر دقة". وسيستخدم منظمو الاستطلاعات هذه المعلومات؛ لتقدير مَنْ يُحتمل أن يدلي بصوته، وكذلك لتحليل نتائج الاستطلاع، عن طريق ـ على سبيل المثال ـ تحديد القضايا التي تشغل حيزًا كبيرًا من اهتمام الناخبين على اختلاف أنواعهم.

قادت التكلفة المنخفضة لاستطلاعات الرأي عن طريق الإنترنت إلى زيادة كبيرة في عدد استطلاعات الرأي ذات الجودة المتباينة؛ مما جعل من الصعب على الصحفيين، وصانعي السياسات، وغيرهم الفصلَ بين الغث، والسمين. وتحاول مواقع تجميع الاستطلاعات ترجيح الاستطلاعات على أساس ثقتها في الماضي، ولكن ذلك لا يضمن تحقيق النجاح في المستقبل، وبخاصة إذا استخدمت أدوات استطلاعية منخفضة الجودة، وقصيرة الأجل.

وعلى عكس المزاعم الواضحة عن انتهاء عصر استطلاعات الرأي، فإن الممارِسِين يقولون إنها تمر بمرحلة انتقالية فحسب، ولكن منظمي استطلاعات الرأي يعترفون بالفعل بأن هناك بعض العقبات التي لا يمكن تخطِّيها. وفي حين أنّ فصول الانتخابات تزداد طولًا، والناس يجدون أسبابًا أكثر وأكثر لاستطلاع الرأي العام، فإنّ عدد استطلاعات الرأي سوف يظل في ازدياد مستمر. وحسب قول جيلمان، فإنّ منظمي الاستطلاعات يقرُّون بأنه لا يسعهم سوى أن يطلبوا المزيد من الناس، ويضيف: " لدينا مورد غير متجدد من الثقة الجماهيرية".

  1. Sturgis, P. et al. Report of the Inquiry into the 2015 British General Election Opinion Polls (Market Research Society and British Polling Council, 2016); available at http://eprints.ncrm.ac.uk/3789
  2. Schober, M. F. et al. PLoS ONE 10, e0128337 (2015).
  3. Wang, W., Rothschild, D., Goel, S. & Gelman, A. Int. J. Forecast. 31, 980–991 (2015).