NATURE | تعليقات

يجب أن تكون للعلماء كلمة بخصوص مستقبَل المدن

يسعى مؤتمر للأمم المتحدة إلى تحقيق الاستدامة الحَضَرية، إلا أن برنامجه سيفشل، إنْ لم يأخذ برأي الباحثين؛ حسب تحذيرات تيمون مكفيرسون وزملائه.

تيمون مكفيرسون

Nature (2016) doi:10.1038/538165a | Published online | English article

<p>واشنطن العاصمة ليلًا.</p>

واشنطن العاصمة ليلًا.

Scott Kelly/NASA

سوف تفوق المناطق الحَضَرية التي ستُبنى في السنوات الثلاثين القادمة فقط العدد الإجمالي الذي بُني حتى الآن، وسوف تضاعِف المستوطناتُ المتنامية من الحاجة إلى البنية التحتية، والغذاء، والطاقة، والماء، والإسكان. ببساطة سوف تؤدي تلبية التوسُّع الحَضَري المتوقع إلى خرق حدّ الاحترار، الذي حددته اتفاقية باريس للمناخ في عام 2015.

كان من المقرر أن يُعقد مؤتمر الأمم المتحدة الثالث للمدن العالمية الرئيسة في الأسبوع الثاني من شهر أكتوبر الماضي، تحت اسم «هابيتات 3» Habitat III، في كيتو بالإكوادور. يتبنى هذا اللقاء متعدد الأطراف - الذي يُعقد مرة كل 20 سنة – إطار عمل عالميًّا؛ لجعل المدن أكثر استدامة، يُسمى البرنامج الحَضَري الجديد (NUA)، لكن المؤسف هو أن العِلْم كان غائبًا ـ إلى حد بعيد ـ عن عملية إعداد هذا البرنامج. وعلى النقيض، أرشدت أدلّة الخبراء مسار اتفاقية باريس للمناخ، وإطار عمل سِنداي لعام 2015، الخاص بتقليص مخاطر الكوارث، وبرنامج الأمم المتحدة لعام 2030 للتطوير المستدام، وأهدافه للتنمية المستدامة (SDGs).

يرجع أحد أسباب ذلك إلى أن المجتمع العلمي لم يكن جاهزًا لمؤتمر «هابيتات 3»، فالعلماء الذين تمت دعوتهم للحضور قبلوا بدور استشاري، وطغت عليه أصوات الحُضور. وفيما بعد، في أواخر شهر يوليو الماضي، تخلَّى المتفاوضون عن اللجنة المقترحة متعددة المسؤولين، التي كان من الممكن أن تُدْخِل رسميًّا علماء وممثلين آخرين غير حكوميين في عملية التنفيذ. كما كان بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي والدول الغنية الأخرى متخوفين من أن تكلِّفهم اللجنة الكثير. وفشلت المسودة الأخيرة من البرنامج الحَضَري الجديد1، التي جرى التفاوض عليها في نيويورك في شهر سبتمبر الماضي في تغيير ذلك. لذا أصبح من الضروري مناقشة القضية مرة أخرى من حيث أهمية العلوم الحضرية، وبناء واجهة تَوَاصُل بين العلم والسياسة في البرنامج الحَضَري الجديد.

إن بحوث المدن متباينة، ومُهَمَّشة، وسيئة التحضير، لدرجة لا تمكِّنها من أن تشارك بشكل فعال في السياسة العالمية، بينما يتطلب برنامج «هابيتات 3» مجموعة عالمية من علماء الفيزياء الحيوية، والاجتماع لتقييم التطورات، والمساعدة على توجيه التقدم. ولتحقيق البرنامج الحَضَري الجديد وأهداف التنمية المستدامة، يجب على مجتمع علماء بحوث المدن حول العالم أن يجتمعوا معًا؛ لتأسيس هيئات لذلك، وتحديد آليات التمويل والبرامج البحثية.

التسارع الحَضَري

تُعتبر عملية التمدّن السريعة واحدةً من أكبر التحولات الاجتماعية في التاريخ البشري2. تستنزف المدن الموارد، كما تواجه مخاطر جديدة يسببها التغير المناخي، فعلى سبيل المثال، تُظهِر الفيضانات الكارثية التي حدثت في العقد السابق في الولايات المتحدة، والفلبين، والمملكة المتحدة، والهند، والصين مدى هشاشة المدن الساحلية، وتلك الموجودة على ضفاف الأنهار في مواجهة الأعاصير، إضافة إلى الخسائر الناجمة عنها، التي تساوي تريليونات الدولارات3.

ويمكن أن تكون المدن أيضًا بمثابة محرِّكات للإبداع، فالتقدم الأكبر الذي يحدث هنا في هذا المجال هو ما يطرأ على التغير المناخي4، وأهداف الاستدامة الأخرى5. فمثلًا، تحتضن المدن حول العالم بِنْيَة تحتية قائمة على الطبيعة؛ من أجل التكيُّف والتأقلم، ومن ذلك الأسطح الخضراء، وتجديد أراضي المستنقعات6.

«تُجرى معظم البحوث في الشمال، بينما الحاجة الملحَّة إليها موجودة في الجنوب».

تتصف فعاليات المدن بالتعقيد، وهي غالبًا ما تكون بعيدة عن الاتزان، وتنطوي على خصائص بارزة، وديناميكيات غير خطية. ومِن الصعب تخطيط المناطق الحَضَرية، وإدارتها، وحُكْمها، إذ تتصف بشهية نهمة للطاقة والمواد، ويصاحبها تأثير بيئي عالمي7. لذا تثير التحديات الحَضَرية أسئلة معقدة مترابطة فيما بينها عن المساواة، والعدل، والتأقلم، والفرص الاقتصادية، وتطوير البنية التحتية، وإعادة التجديد البيئي، وأكثر من ذلك.

تضافر الجهود

سوف يتطلب تنفيذ البرنامج الحَضَري الجديد وأهداف التنمية المستدامة ذات الصلة، ومراقبتها، وتقييمها، ومراجعتها دلائل من مجتمع البحث العلمي؛ بدءًا من علماء الطبيعة والاجتماع، حتى المختصين بالشؤون الإنسانية. وكي تكون بحوث المدن مفيدة لصنَّاع القرار، يجب أن تكون منظمة وتمثيلية، وأن يُنظر إليها على أنها مشروعة. وهذا بعيد عن الواقع.

إن باحثي المدن مشتَّتون عبر هيئات غير حكومية، ووكالات حكومية، ومنظمات مجتمعية، داخل وخارج المجال الأكاديمي. وهم يُغَطُّون اختصاصات ومهن كثيرة، منها مجال العمارة، وعلم البيئة، والهندسة، والجغرافيا. ويُوَزَّع الأشخاص، والتمويلات، والهيئات على نحو غير متساو.

يُوجد معظم علماء بحوث المدن ومواردها في عالم الشمال والمدن الكبيرة، أما التحديات الحَضَرية الأكثر إلحاحًا، فتظهر أكثر في عالَم الجنوب، وفي المدن الصغيرة إلى المتوسطة. وتختص بحوث المدن وحلولها بالسياق المعني فقط؛ فتباينات المسارات التطويرية المختلفة للمدن في أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية قد تكون ـ على الأقل ـ بأهمية الفجوة الموثَّقة نفسها على نحو أفضل بين المدن الشمالية والجنوبية8.

ويجب على العلماء أن يوسِّعوا البحوث الرئيسة في السياقات الحضرية، التي هي أقل دراسة، وأسرع تغيرًا، كتلك الموجودة في أمريكا اللاتينية، وجنوب آسيا، وجنوب شرقها. فعلى سبيل المثال، لا يُعرف إلا القليل جدًّا عن نظام المدن المتشارك حول العالم من حيث استخدام المواد، والبيئات الحيوية، والأعراف الاجتماعية والسياسية، وكذلك الهجرة، وحاملي الأمراض، والإبداع. لذا يجب على علماء بحوث المدن استقصاء تلك الأشياء و«نمذجتها» على نحو أفضل؛ لتقديم معلومات للتخطيط والإدارة ووضع السياسات9.

وثمة شح في المهارات اللازمة لجمع مصادر معرفة كثيرة معًا؛ من أجل وضع سياسة عالمية للمدن. فمنظومات مَنْح الشهادات الحِرَفية، والافتقار إلى التفاعل فيما بين القطاعات المختلفة يدعمان عزلة المتخصصين، مثل المهندسين، والمعماريين، والمخطِّطين. وخلافًا للمتوقع، فإن باحثي المدن في عالَم الجنوب ـ المرغَمين على أن يكونوا متنوعي الاختصاصات، بسبب نقص المهارات ـ يمكنهم امتلاك خبرات أوسع نطاقًا من أندادهم في عالَم الشمال، حيث غالبًا ما تدعِّم الممارسات والتقييمات الأكاديمية التخصص ذاته. وكثيرٌ من علماء الجنوب ينخرطون مباشرة في العمل مع المجتمعات الحضرية، وصنَّاع القرار المحليين والوطنيين.

إن النموذج الذي رُوِّج له أثناء فعاليات مؤتمر «هابيتات 3»، لقيامِه بمضافرة المعرفة الحضرية على المستوى العالمي، والذي يعادل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ «IPCC»، لكنه خاص بالمدن، نراه غير ملائم. فبرغم نجاح الهيئة المعنية بتغير المناخ في تركيز جهود المجتمع الدولي لعلوم المناخ على أسئلة محددة ذات صلة بالسياسة، تبيَّن كذلك أنها بطيئة ومرهقة. إن العلوم الحضرية مجال واسع وسريع الحركة، حتى إن العلماء فيه لا يتفقون بالضرورة على أكثر الأسئلة البحثية أهمية، والقوانين على وجه الخصوص.

خمس خطوات

نوصي باتباع الخطوات التالية؛ لتعزيز تطوير العلوم الحضرية وتأثيرها.


تشكيل هيئة علمية حضرية عالمية. يجب تشكيل منصة علمية حضرية دولية؛ لتفعيل برنامج ما بعد عام 2030. وعلى تلك المنصة أن تسمح بحدوث تفاعل واسع بين العلم والسياسة، وكذلك التعلُّم المتبادَل بين المدن على المستوى العالمي. ويمكنها أن تربط الشبكات العالمية الموجودة مع بعضها البعض، مثل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، والمنصة الحكومية للسياسات العلمية حول التنوع الحيوي وخدمات النظم البيئية، وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN Habitat)، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، وشبكة المعرفة والتنفيذ الحضرية لأرض المستقبل، وشبكة حلول التنمية المستدامة. ويجب تطوير هذه الهيئة بالتشاور مع العلماء، والجمعيات الحِرَفية، وذوي المعرفة الحضرية في جميع المستويات، ومنهم المختصون، وموظفو الخدمة المدنية، والمواطنون. كما يجب أن تكون السلطة شاملة، ويمكنها أن تقوم على النموذج متعدد المراكز، والمطور في مبادرة «أرض المستقبل» Future Earth، وهي بمثابة منصة عالمية لبحوث الاستدامة، لها مراكز إقليمية تعالِج القضايا المحلية.


نشْر المعارف والمؤسسات عالميًّا. تُجرى معظم البحوث في الشمال، بينما الحاجة الملحَّة لها موجودة في الجنوب، لكن الشمولية والتنوع عبر المناطق الجغرافية المختلفة والنطاقات العلمية هما مفتاح المشروعية والوضوح. لذا ثمة حاجة إلى استثمار أكبر في المعاهد الأكاديمية التي تربط بين البحوث الحضرية، والسياسة، والممارسات في المناطق التي تتمدن بسرعة عالية. وقد يساعد تحديد المعرفة والمؤسسات على الكشف عن الفجوات الأساسية الجغرافية والموضوعية.


زيادة تمويل البحوث الحَضَرية. ثمة حاجة إلى مصادر عالمية فعلًا للمِنَح البحثية؛ لتمكين إجراء دراسات مقارِنة بين المدن والمناطق. ويجب تقديم تلك المنح بدعم من الحكومات الوطنية، وبنوك التنمية، والمؤسسات الخاصة. وسيتطلب ذلك مبالغ كبيرة (وهذا أحد أسباب إلغاء اللجنة متعددة المسؤولين من مسودة البرنامج الحضري الجديد الأخيرة).


دعم البحوث الجامعة للاختصاصات وعمليات التركيب. يجب على المجتمعات التي تتمتع بالمعرفة ذات الصلة أن توجِّه سياسة التطوير الحَضَري على المدى القصير، والمدى البعيد. ويجب دعم البحوث الجامعة للاختصاصات، من خلال هيئات ومصادر تمويل جديدة للعلوم الحضرية. ويجب تركيب المعرفة الموجودة، وإدخالها في عملية صنع القرار في جميع المستويات.


تحسين الوصول إلى محاور الربط بين السياسة والعلوم. يجب أن يكون لعلماء بحوث المدن دور واضح في منصات السياسات التي تبرز الآن في البرنامج الحضري الجديد، والمنظومة متعددة الجوانب الأوسع نطاقًا، مثل الترابط الذي ينشأ بين الأهداف الحضرية؛ لتطوير المدن المستدامة، وشبكة المعرفة والتنفيذ الحضرية لأرض المستقبل.

إنه لمن الضروري أن يتم توسيع نطاق بحوث المدن، وتشجيع تكوين قيادة علمية؛ لتوجيه عملية صنع السياسات الحضرية العالمية، ونقدها.

  1. Habitat III: Draft New Urban Agenda (United Nations, 2016).

  2. Bai, X., Shi, P. & Liu, Y. Nature 509, 158–160 (2014).

  3. Aerts, J. C. J. H., Botzen, W. J. W., Emanuel, K., Lin, N., de Moel, H. & Michel-Kerjan, E. O. Science 344, 473–475 (2014).

  4. Revi, A. & Rosenzweig, C. The Urban Opportunity: Enabling Transformative and Sustainable Development (Sustainable Development Solutions Network, 2013).

  5. Kanuri, C., Revi, A., Espey, J. & Kuhle, H. Getting started with the SDGs in Cities (2016); available at: https://sdgcities.guide

  6. Roberts, D. et al. Environ. Urban. 24, 167–195 (2012).

  7. Grimm, N. B. et al. Science 319, 756–760 (2008).
  8. Parnell, S. & Oldfield, S. The Routledge Handbook on Cities of the Global South (Routledge, 2014).

  9. McPhearson, T. et al. BioScience 66, 198–212 (2016).