NATURE | تحقيق إخباري

طفرات مميتة في ضوء معطيات جديدة

كيف غيَّر أحد أكبر موارد الجينوم في العالم ـ في صمت ـ فَهْم العلماء لعلم الوراثة البشرية.

إريكا تشيك هايدن

Nature (2016) doi:10.1038/538154a | Published online | English article

Illustration by Darren Hopes


ترقد في جينات الشخص العادي 54 طفرة تقريبًا، تبدو وكأنها قد تصيب حاملها بالمرض، أو تفتك به، بيد أن هذا لا يحدث. وكانت سونيا فالاب تأمل أن تكون الطفرة D178N من بين هذه الطفرات.

في عام 2010، شهدت فالاب وفاة والدتها، بسبب مرض غامض يُعرف بالأرق العائلي القاتل، وفيه تتجمع بروتينات البريون المشوهة؛ وتدمّر المخ. في العام التالي، خضعت فالاب لتحاليل أظهرت أن لديها نسخة من جين بروتين البريون PRNP، بالخلل الوراثي نفسه - D178N - الذي في الغالب قد تَسَبَّب في إصابة والدتها بالمرض. كان ذلك بمثابة حُكْم بالإعدام، فمتوسط العمر الذي يبدأ ظهور المرض عنده 50 سنة، وهو يتطور بسرعة، إلا أن فالاب ـ التي كانت حينئذ تبلغ من العمر 26 عامًا ـ ما كان لها أن تخضع لهذا المصير، دون مقاومة شرسة، ولذا، تركت عملها في مجال القانون، وترك زوجها إريك مينكل عمله في مجال استشارات النقل؛ ليلتحقا بالدراسات العليا في مجال علم الأحياء، راغِبَين في معرفة أكبر قدر ممكن من المعلومات عن الأرق العائلي القاتل، وما يمكن فِعْله لوَقْفه، إنْ كان ذلك ممكنًا. وكانت من أهم مهامِّهما التأكد مما إذا كانت الطفرة D178N مسبِّبًا حتميًّا للمرض.

لم يكن ليخطر ببال الكثيرين طرح هذا السؤال في السنوات الماضية، إلا أن علم الوراثة الطبية كان يمر بمرحلة البحث عن الذات في الآونة الأخيرة. وأسهمت سرعة وتيرة البحوث الجينومية منذ بداية القرن الواحد والعشرين في إضافة الكثير إلى الأعمال العلمية المنشورة، التي تكشف عن آلاف الطفرات الجينية المرتبطة بالمرض وبالعجز. وقد ثبتت صحة عديد من هذه الارتباطات، إلا أن عشرات الطفرات الأخرى التي قيل إنها خطيرة، أو حتى مميتة، تبيّن في النهاية أنها حميدة. ويرجع الفضل في الكشف عن هذه الطفرات، التي تمت شيطنتها ظلمًا من قبل، إلى واحدة من أكبر الدراسات الوراثية، ألا وهي «رابطة تجميع الإكسوم»، (تُسمى اختصارًا ExAC).

إنّ فكرة ExAC بسيطة للغاية؛ فهي تجمع تسلسلات لمنطقة ترميز البروتينات في الجينوم – وتُسمى الإكسوم - من أكثر من 60 ألف شخص في قاعدة بيانات واحدة، ما يسمح للعلماء بمقارنتها، وفهْم مدى تباينها. ولهذا المورد آثار جمّة على مجال البحوث الطبية الحيوية. فبالإضافة إلى مساعدة العلماء في استبعاد الارتباطات الزائفة بين الأمراض والجينات، أسهم المورد باكتشافات جديدة، حيث صار بإمكان الباحثين ـ عبر إلقاء نظرة فاحصة أكثر على مدى تكرار الطفرات في مجموعات سكانية مختلفة ـ أن يحصلوا على معلومات بشأن ما تفعله جينات كثيرة، وطريقة عمل منتجاتها البروتينية.

يقول عالِم الوراثة ديفيد جولدشتاين ـ من جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك ـ إن ExAC قلبت علم الوراثة البشرية رأسًا على عقب، فبدلًا من الابتداء بمرض أو سمة معينة، والعودة إلى الوراء لمعرفة أسسه الوراثية، صار بإمكان الباحثين البدء بالطفرات التي يبدو أنه سيكون لها تأثير مثير للاهتمام، والبحث فيما قد يحدث داخل أجسام حاملي تلك الطفرات. ويقول: "هذه حقًّا طريقة عمل جديدة تمامًا".

تقدِّم ExAC أيضًا معلومات أفضل للأُسَر التي تعزى حالاتها المرضية إلى تشخيصات وراثية. فعلى سبيل المثال، كان هناك اشتباه كبير في أن تكون الطفرة D178N هي المسببة لمرض بريون، إذ إنها رُصدت في عدد من المصابين بهذه الحالة، مع ندرة رصدها في مَواطن أخرى، غير أنه قبل ظهور ExAC، لم يكن لدى أحد القدرة حقًّا على استيعاب مدى ندرتها. فإذا كانت تظهر بين الناس أكثر مما هو الحال مع مرض بريون، فإن ذلك سيعني أن خطر إصابة فالاب بالمرض أقل بكثير مما كان متوقعًا.

يقول مينكل: " كنا بحاجة إلى معرفة ما إذا كانت هذه الطفرة سبق أنْ تم رصدها من قبل في أشخاص أصحّاء، أم لا".

جمع البيانات

لقد تمخضت ExAC من رحم الإحباط. ففي عام 2012، دشّن عالِم الوراثة دانييل ماك آرثر أول مختبر له في مستشفى ماساتشوستس العام (MGH) في بوسطن. أراد ماك آرثر معرفة الطفرات الوراثية المسبِّبة لأمراض العضلات النادرة، واحتاج إلى أمرين: تسلسلات جينومية من المصابين بهذه الاضطرابات، وتسلسلات جينومية من أشخاص غير مصابين بها. وإذا تبيَّن وجود طفرة بنسبة أكبر لدى المصابين باضطراب ما، مقارنةً بغيرهم من الأصحّاء، فبالمنطق سيشير ذلك إلى أن الطفرة كانت سببًا محتملًا، إلا أن المشكلة كانت أن ماك آرثر لم يستطع الحصول على كمية كافية من التسلسلات من أشخاص أصحّاء. فقد احتاج إلى كمّ كبير من الإكسومات، ورغم أن الباحثين كانوا قد وضعوا آلاف التسلسلات، إلا أن مجموعات البيانات الموجودة لم تكن كبيرة بالقدر الكافي؛ فلم يقم أحد بتجميع بيانات كافية في مصدر قياسي واحد. لذا بدأ ماك آرثر يطلب من زملائه أن يشاركوه بياناتهم الخاصة. وقد كان هو الشخص المناسب لهذه المهمة، نظرًا إلى أنه كان من أوائل مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي. وبتدويناته الكثيرة وتغريداته اللاذعة على «تويتر» كان قد اكتسب شهرة كبيرة، وصار مرجعًا لصغار الباحثين. كما كان يشغل منصبًا في معهد برود في كمبريدج بولاية ماساتشوستس، وهو مركز يعمل على وضع تسلسلات الجينوم. استطاع ماك آرثر إقناع الباحثين أن يشاركوه بيانات عشرات الآلاف من الإكسومات التي كان معظمها له صلة ـ بشكل أو بآخر ـ بمعهد برود.

ولم يتبق إلا تحليل البيانات، بيد أنها لم تكن مهمة سهلة. فبرغم أن الجينات كانت قد وُضع تسلسلها، إلا أن البيانات الأولية كانت قد تم تحليلها باستخدام أنواع مختلفة من البرمجيات، بما في ذلك بعض البرمجيات القديمة، فإن ظهرت طفرة نادرة في جين واحد ضمن مجموعة الجينات، فقد يكون حقيقيًّا، أو يكون نتيجة لكيفية تسمية البرامج المختلفة لقواعدها الداخلية، بأن تقرر ما إذا كانت من نوع A أو C أو T أو G. وكان ماك آرثر بحاجة إلى شيء يمكنه معايرة مجموعة البيانات الضخمة تلك. فمِن جهته، طَوَّر معهد برود برنامجًا لتسمية الجينوم، لكنه لم يتمكن من القيام بمهمة فرز هذا الكم الهائل من البيانات المتضمنة في ExAC. لذلك عمل فريق ماك آرثر مع مبرمجي معهد برود عن قرب؛ لاختبار البرمجيات، ورفع مستوى قدراتها. ويذكر ماك آرثر تلك المرحلة قائلًا عنها: "كانت مرحلة عصيبة استمرت 18 شهرًا، واجَهَتْنا فيها كل العقبات التي يمكن تخيُّلها، ولم نحقق فيها شيئًا يمكن أن نفتخر به".

<p>نجح دانييل ماك آرثر في إقناع الباحثين بمشاركة البيانات الجينية الخاصة بعشرات الآلاف من الأشخاص.</p>

نجح دانييل ماك آرثر في إقناع الباحثين بمشاركة البيانات الجينية الخاصة بعشرات الآلاف من الأشخاص.

Sam Goresh for Nature


مخاطرة شخصية

في هذه الأثناء في شهر إبريل من عام 2013، كانت فالاب تتعلم كيفية التعامل مع الخلايا الجذعية في مستشفى ماساتشوستس العام (MGH)، بينما كان مينكل يدرس المعلوماتية الحيوية. التقى مينكل بماك آرثر لتناول الغداء معًا، وأوضح له شغفه هو وفالاب بمعرفة احتمال وجود طفرة D178N لدى الأشخاص الأصحاء. أقرّ مينكل بانبهاره بشهرة ماك آرثر وسمعته، قائلًا: "ظننت أنني لو جعلته يفكر في مشكلتي لمدة نصف ساعة، فإن هذا بحد ذاته سيكون أهم ما حققته خلال شهر كامل". بعد ذلك صعد الاثنان إلى مختبر ماك آرثر، حيث أجرى أخصائي المعلوماتية الحيوية مونكول ليك بحثًا في بيانات ExAC، التي جرى تحليلها حتى الآن، والتي تبلغ قرابة 20 ألف إكسوم. لم يجدوا فيها طفرة فالاب، ولم تكن تلك أخبارًا جيدة، بيد أن تفاؤل مينكل باستكشاف البيانات أكثر جعله ينضم إلى مختبر ماك آرثر.

وبحلول شهر يونيو من عام 2014، كان لدى فريق ماك آرثر والمتعاونين معه مجموعة بيانات، شعروا بالثقة حيالها، إذ كانت تضم إكسومات لعدد 60,706 أفراد يمثلون مختلف المجموعات العرقية، بمستويات معينة من الصحة، وقدر من الإقرارات والموافقات. وفي شهر أكتوبر من العام الحالي تم الإعلان عن ExAC في الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية لعلم الوراثة البشرية (ASHG) في سان دييجو بولاية كاليفورنيا. وعلى الفور، أقرّ الباحثون والأطباء بأن البيانات قد تساعد في إعادة صياغة فَهْمهم للمخاطر الوراثية.

استنتجت دراسات ارتباطات مرضية عديدة، وخاصة في السنوات الأخيرة، أن الطفرات تسبِّب الأمراض؛ وذلك لسبب بسيط، هو أن العلماء الذين يُجْرُون تحليلات لمجموعة من المصابين باضطرابٍ ما وجدوا أن لديهم طفرات بدت وكأنها هي السبب، إذ إنها لم تُرْصَد لدى الأصحاء. ومع ذلك فهناك احتمال قائم أنهم لم يبحثوا في الأمر بما يكفي، أو لم يبحثوا في المجموعات الصحيحة. فالبيانات الوراثية الأساسية الخاصة بالأصحاء في الغالب أتت من أناس منحدرين من أصول أوروبية؛ وهو ما قد يؤدي إلى انحراف النتائج.

في شهر أغسطس من هذا العام، نشر1 فريق ماك آرثر تحليله لبيانات ExAC في دورية Nature، مبينًا أن كثيرًا من الطفرات التي كان يُعتقد أنها ضارة، على الأرجح ليست كذلك. وفي أحد التحاليل، قام الفريق بتحديد 192 متغايرًا كان يُعتقد في السابق أنها تسبب الأمراض، لكن تَبيَّن أنها شائعة نسبيًّا. كما راجع العلماء بحوثًا منشورة حول هذه المتغايرات المختلفة، باحثِين عن أدلة مقنعة تثبت أنها تسبب الأمراض فعلًا، لكنهم وجدوا أدلة دامغة لتسعة منها فقط، بينما كانت غالبيتها حميدة، وفقًا للمعايير التي وضعتها الكلية الأمريكية لعلم الوراثة الطبية وعلم الجينوم. وأعيد تصنيف العديد منها لذلك.

وقد كان هناك عمل مماثل، يُؤمل أن تكون له تأثيرات مباشرة على الممارسات الطبية. ففي ورقة بحثية مرافقة2، اطلع هيو واتكينز ـ عالم الوراثة بجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة ـ على الجينات المرتبطة بأنواع معينة من اعتلال عضلة القلب، الذي يتسبب في ضعف عضلة القلب بشكل تدريجي، والتي إنْ لم تُكتشف؛ فقد تؤدي إلى الموت المفاجئ. صار من الشائع فحص أقارب مَن يعانون من تلك الحالات المرضية؛ بحثًا عن أي طفرات جينية مرتبطة بها. وفي بعض الأحيان يوصى مَن لديه خطر وراثي بزراعة جهاز مزيل للرجفان، يوصِّل الصدمات الكهربائية إلى القلب، إذا كان ينبض بشكل غير طبيعي. كما فحص واتكينز قاعدة بيانات ExAC، بحثًا عن معلومات عن الجينات التي ارتبطت بحالات القلب المذكورة، وتوصَّل إلى أن العديد من الطفرات منتشرة بدرجة كبيرة جدًّا بين الأصحاء، حتى إنها لا يمكن أن تكون مسببة للأمراض. كما تبين أن هناك حوالي 60 جينًا يؤوي طفرات مُمْرِضة تؤدي إلى ظهور أحد أشكال المرض. وكشف تحليل واتكينز أن 40 منها في الغالب ليس له أي صلة بالأمراض.

وكان هذا مثيرًا للقلق. يقول واتكينز: "إذا كان لديك خطر جيني تعتقد أنه سيسبِّب المرض، لكنه لا يفعل، فقد ينتهي بك الأمر إلى القيام بأشياء عنيفة قد تؤذي شخصًا ما".

وحتى بعض الطفرات التي تبدو وثيقة الارتباط بالمرض ليست مؤكَّدة تمامًا، مثل تلك الموجودة في جين PRNP. بالتأكيد هناك طفرات في الجين تسبِّب المرض، لكن هناك متغيرات قد لا تكون مسببة للمرض، أو قد تزيد الخطورة بقدر بسيط فقط (انظر: «الطفرات المميتة التي لم تكن كذلك»). ومن ثم، قامت فالاب ومينكل بجمع البيانات الوراثية من أكثر من 16 ألف شخص شُخِّصت حالاتهم على أنهم مصابين بأمراض البريون، وقارنوها ببيانات حوالي 600 ألف آخرين، ومنهم المشاركون في ExAC، رغبةً منهم في معرفة حالة الطفرة 3D178N.

توصَّل الباحثون إلى أن 52 شخصًا في ExAC يحملون طفرات في جين PRNP، تم ربطها بأمراض البريون، إلا أنهم ـ وعلى أساس مدى انتشار المرض ـ كانوا يتوقعون أن يرصدوا اثنتين على الأقل. ووفقًا لحسابات مينكل، فبعض هذه الطفرات التي كان يُفترض أنها طفرات مميتة زاد احتمال تعرُّض الشخص لأمراض البريون بعض الشيء؛ بينما البعض الآخر بدا غير مرتبط بمرض البريون على الإطلاق.

وقد أمدّ هذا العمل أناسًا ـ مثل أليس أوفلاكر ـ بمعلومات مفيدة. في عام 2011، توفي رينان والد أوفلاكر، إثر إصابته بمرض كروتزفيلد جاكوب، وهو أحد أمراض بريون يتسبب في تدهور عقلي وجسدي سريع، وكان عمره آنذاك 62 عامًا. اكتشفت أليس أنها تحمل طفرة في جين PRNP، تُسمى V210I، وأثبتت الدراسات السابقة ارتباطها بمرض والدها. وبعد مرور ثلاث سنوات، علمت من مينكل أن الطفرة لا تمثل إلا قدرًا ضئيلًا من خطر الإصابة بالمرض. وكانت هذه المعلومات مفيدة بالنسبة لها، كما كانت النتيجة منطقية؛ فجدتها كانت قد عاشت حتى سن 93 عامًا، على الرغم من أنها كانت تحمل ذات الطفرة.

ومع ذلك لم يشعر فالاب ومينكل بمثل هذا الارتياح. فالطفرة D178N لم تظهر في الجينومات الأخرى التي بحثا فيها، ولا يزال هناك احتمال كبير أن تسبِّب مرض بريون. وبدأت الشكوك المتزايدة تراود مينكل وفالاب بالفعل، كلما تعمق مينكل في البيانات أكثر. يقول: "لقد كانت افتراضاتنا تتأكد بالتدريج طوال مسيرتنا. لم تمر علينا أي لحظة قلنا فيها: هذا هو الخبر الأسوأ، لأن الأسوأ كان ملازمًا لنا بالفعل".

تعطيل الجينات البشرية

تكشف ExAC الكثير عن الجينات، من خلال معدل تكرار الطفرات؛ فقد اكتشف ماك آرثر وفريقه1 3200 جين لا تتعرض تقريبًا على الإطلاق لتطفُّر قوي في أيٍّ من جينومات ExAC، وهو ما يشير إلى أهمية هذه الجينات. كما لم يتم ربط 72% منها بالمرض أبدًا من قبل. ويتملّك الباحثون شغف لدراسة ما إذا كان بعض هذه الجينات يلعب أدوارًا في المرض لم توضع في الاعتبار، أم لا.

في المقابل، اكتشفت المجموعة قرابة 180 ألف طفرة شديدة جدًّا، بحيث يُفترض أن تجعل منتجاتها البروتينية خاملة تمامًا. فعلى مدى طويل، كان العلماء يدرسون الجينات عن طريق تعطيلها ووَقْف عملها في حيوانات مثل الفئران. وعن طريق رصد الأعراض التي تظهر، يمكنهم دراسة ما تفعله هذه الجينات، بيد أن ذلك لم يكن ممكنًا أبدًا في البشر. أما الآن، فيتطلع الباحثون إلى دراسة أشكال التعطيل الجيني البشري الطبيعي تلك؛ لفهم ما قد تكشفه حول كيفية تطور الأمراض، وربما علاجها. كما يستعد ماك آرثر وغيره من الباحثين لترتيب أولويات دراسة الجينات البشرية المعطلة، وأفضل سبل التواصل مع حاملي تلك الجينات؛ للتوسع في الدراسة.

بيد أن الأمر سيقتضي الانتظار إلى حين استكمال ماك آرثر للمرحلة الثانية من ExAC، التي كان مِن المقرر كشف النقاب عنها في اجتماع ASHG في فانكوفر بكندا في شهر أكتوبر، والتي من شأنها أن تضاعف حجم مجموعة البيانات إلى 135 ألف إكسوم، وتشمل قرابة 15 ألف تسلسل جينوم كامل. وذلك من شأنه أن يتيح للباحثين استكشاف الطفرات في المناطق التنظيمية في الجينوم، التي لم تُرصَد في عمليات تسلسل الإكسوم.

تتحول ExAC مع مرور الوقت إلى أداة مرجعية قياسية في مجال علم الوراثة الطبية، ترجع إليها المختبرات الإكلينيكية في جميع أنحاء العالم، قبل إخبار المريض أن خللًا معينًا في الجينوم الخاص به قد يصيبه بالمرض. وإذا كانت الطفرة شائعة في ExAC، إذًا فمِن المستبعَد أن تكون ضارة. يقول ليزلي بيسيكر - عالم الوراثة بالمعهد القومي الأمريكي لأبحاث الجينوم البشري في بيثيسدا بولاية ميريلاند - إن مختبره يستخدم ExAC يوميًا من أجل العناية بالمرضى. ويضيف قائلًا: "إنه عامل حاسم نأخذه في الاعتبار مع كل متغير". وقد شرع بيسيكر وغيره من علماء الوراثة الآن في عملية جرد مضنية، قد تستغرق سنوات؛ لأبحاث ودراسات علم الوراثة.

كما تطرقت ExAC إلى نقطة سبق أنْ ناقشها جولدشتاين وغيره من الباحثين مرارًا وتكرارًا، ومفادها أن الإخفاق في إدخال أفراد من أصول آسيوية، وأفريقية، ولاتينية، وغيرها من الأصول غير الأوروبية يعرقل فهْم كيفية تأثير الجينات على المرض، من خلال تضييق منظور التنوع الوراثي البشري. وهناك الآن دافع جديد لإدخال الفئات التي كانت تحظى بتمثيل ناقص في الدراسات المخطط لها، والتي تربط بين علم الوراثة، والمعلومات المتعلقة بالصحة على أعداد كبيرة من الناس، مثل المبادرة الأمريكية للطب الدقيق.

أما بالنسبة إلى فالاب ومينكل، فقد منحتهما ExAC تأكيدًا محبطًا للأمر، بالإضافة إلى بعض الرؤى الواعدة. وقد حددت الدراسات التي قام بها مينكل3 ثلاثة أشخاص في ExAC لديهم طفرات، من المفترض أن تُسكت نسخة واحدة من نسختي جين بروتين البريون. فإذا كان بإمكانهم العيش بكمية محدودة من البروتين النشط، فربما يمكن تصنيع دواء، من شأنه إخماد البروتين المعيب لدى فالاب، لمنع تجمُّع البريون وتطور المرض بدون آثار جانبية خطيرة. تواصل مينكل مع أحد هؤلاء، وهو رجل يعيش في السويد، وافق على التبرع ببعض الخلايا لأغراض البحث. ومؤخرًا، انضم مينكل وفالاب إلى مختبر ستوارت شرايبر – عالم الكيمياء الحيوية بمعهد برود - حيث يعملان بدوام كامل؛ للتوصل إلى أدوية محتملة لعلاج مرض بريون.

فها هما الزوجان يجسِّدان تحدِّي ترجمة بيانات ExAC إلى فوائد طبية حقيقية. تقول فالاب: "لقد سلكنا طريق عدم العودة، وعلينا أن نسير فيه حتى النهاية". إن وضعهما يبين بشكل واضح أن الرهان كبير، حيث تبلغ فالاب 32 عامًا، أي أصغر بـ20 عامًا من عُمْر والدتها حين توفيت، وليس لديها وقت لتضيعه.

  1. Lek, M. et al. Nature 536, 285–291 (2016).
  2. Walsh, R. et al. Genet. Med. http://dx.doi.org/10.1038/gim.2016.90 (2016).
  3. Minikel, E. V. et al. Sci. Transl. Med. 8, 322ra9 (2016).