رؤية كونية

حان الوقت لأَخْذ مسألة الحفظ البيئي بجدية

يجادل آرون إم. إليسون بأنه ينبغي على المتخصصين في علم البيئة أن ينغمسوا بدرجة أكبر في مجال السياسة؛ لحماية الأنواع المعرَّضة لخطر الانقراض.

آرون إم. إليسون
  • Published online:

Clarisse M. Hart/Harvard Forest

كيف يمكن للعلماء حماية التنوع الحيوي؟ في أعقاب إحصاء تعداد الفيلة العملاقة، الذي أُجري في شهر أغسطس الماضي، والذي كشف عن انخفاض حاد في أعدادها عبر أفريقيا، تعالت صيحات الباحثين المعتادة؛ للمطالبة بمزيد من البيانات ذات الجودة الأعلى. وهم يرون أنه إذا تمكَّنّا ـ فقط ـ من معرفة مواضع وأعداد كل نوع من الأنواع؛ فعندئذ يمكننا أن نأمل في أن نتمكَّن من حفظها، إلا أن ذلك محض هراء.

لن تمكِّننا البيانات الأفضل من إنقاذ الفيلة، أو حيوان وحيد القرن، أو أي نوع آخر. فقد عمل عدد ضخم من الأفراد، والمؤسسات الأكاديمية، والحكومات المحلية والوطنية والإقليمية، وأيضًا المنظمات متعددة الجنسيات وغير الحكومية، على تجميع مثل هذه البيانات على مدى عقود، ومواءمتها، وتنظيمها، وظلوا منهمكين في تلك الأعمال غير المهمة، بينما كان تراثنا البيولوجي يحترق.

لا شك أن بيانات التنوع الحيوي قد تكون مهمة بالنسبة إلى الحفظ البيئي، من أجل اقتراح ترتيب للأولويات، وجذب الانتباه إلى الأنواع المهدَّدة والمعرَّضة لخطر الانقراض، لكن بيانات التنوع الحيوي تلك نادرًا ما تحفِّز عملية اتخاذ القرارات ذات الصلة بالحفظ البيئي؛ بل إنها ـ في أغلب الحالات ـ تُستخدم لتدعيم قرارات تم اتخاذها لأسباب أخرى. ويظهر ذلك في القرارات التي اتخذتها اتفاقية التجارة الدولية تجاه الأنواع الحيوانية والنباتية البرية المعرّضة للخطر "CITES" في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر الماضي؛ من أجل تضييق المتاجرة بأنواع سَمَك القرش المعرَّضة لخطر الانقراض، والببغاوات، وحيوان أم قرفة. انجذب خيال المفوضين إلى الانبهار، والكاريزما، والدمى القماشية، بينما دفع الضغط الصحفي والسياسي وحملات وسائل التواصل الاجتماعي نحو اتخاذ هذه القرارات.

وقد أوضح الاجتماعُ العلمي العالمي للشبكة العالمية للأبحاث البيئية طويلة المدى "ILTER" ـ الذي عُقد في الأسبوع الثاني من شهر أكتوبر في حديقة كروجير الوطنية في جنوب أفريقيا ـ تلك المشكلة. وبسِجِلِّه المبهر والطويل في دمج الديناميكيات الاجتماعية في دراسة الأنظمة البيئية، وفي التفاعل مع متَّخِذي القرارات وواضعي السياسات؛ من أجل تطوير سياسات الحفظ البيئي، عُقد الاجتماع هذه المرة وسط الظلال الحالكة للفيلة التي فقدت وجوهها، وحيوانات وحيد القرن التي أُفقِدَت قرونها، وحيوانات الغوريلا التي بدأت في التلاشي، والعديد من الأنواع الأخرى المهدَّدة، والمعرضة لخطر الانقراض، والمستوطنة في قارة تحاصِرها "القاعدة"، ومنظمة الشباب، و"داعش"، و"بوكو حرام". هناك بلدان كثيرة تعاني من الحروب الأهلية، وبعضها يخضع لحكم نخبة من الأثرياء الفاسدين، الذين يُولُون قدرًا أكبر من الاهتمام لاستخدام موارد الدولة لتجديد عقاراتهم، بدلًا من توظيفها لرفع الفقر عن مواطنيهم، ناهيك عن حفظ التنوع الحيوي، أو حتى مجرد توظيف عدد كاف من العاملين في المناطق التي تُعتبر من المحميّات على الورق فقط.

إذًا، هل نحتاج فعلًا إلى مزيد من الجلسات العلمية التي تركِّز على تدوير النيتروجين، أو دوافع التنوع الحيوي عند مستويات مختلفة؟ بالطبع نحتاج إلى ذلك، إذا ما كان الهدف ـ ببساطة ـ هو نشر مزيد من الأبحاث العلمية الصعبة، ومزيد من مجموعات البيانات التي لن يقرأها سوى أصدقائنا وزملائنا، لكن ينبغي ألّا نوهم أنفسنا بأن هذه الجلسات ـ أو البيانات والتوليفات العلمية التي تنتجها ـ سوف تساعد متخذي القرارات في كَسْب العزم، وإيجاد الدعم لإيقاف الصيد الجائر للفيلة في أفريقيا، أو الحد من تقطيع أشجار الغابات وحرقها في إندونيسيا، أو التكسير الهيدروليكي وإفساد موارد المياه في أمريكا الشمالية، أو أَكْل كل كائن يمشي على الأرض وظَهْره متجه إلى السماء في الصين.

وبدلًا من ذلك، إذا كان التنوع الحيوي مهمًّا فعلًا للكوكب، وضروريًّا لرخاء الإنسانية ككل، فيتحتم علينا أن نكون جادِّين في تقديرنا لما يتطلَّبه الحفظ البيئي من أجل الأجيال القادمة. وإنني هنا أقترح ثلاثة أمور ضرورية، يمكن للعلماء القيام بها، بدءًا من الآن.


"لن تمكِّننا البيانات الأفضل من إنقاذ الفيلة، أو حيوان وحيد القرن، أو أي نوع آخر".

أولًا، ينبغي أن يتوقفوا عن وَصْف كل ما هو غير إنساني بمصطلح "مورد طبيعي".. فالتعبيرات اللغوية المستخدَمة ذات أهمية كبيرة. ويشير هذا المصطلح إلى أن وجود الأنواع الأخرى يتوقف على فائدتها لنا. ولطالما شَدَّد المؤرخون الطبيعيون والمتخصصون في "علم التصنيف" على ضرورة أن "نضع الأسماء على الوجوه"، قبل أن نهتم بالأنواع غير البشرية. وعلى الرغم من أننا قمنا بوصف وتسمية ملايين الأنواع، إلا أن التدهور الحاد في التنوع الحيوي حول العالم يوضِّح بجلاء أن تسمية الأنواع ليست بالخطوة الكافية.

ثانيًا، ينبغي أن يعترفوا بأنه نادرًا ما تقود البيانات الأفضل إلى قرارات "أفضل"، أو على الأقل (إلى تلك القرارات التي نعتقد أننا كنا سنتخذها، لو كانت بأيدينا مقاليد الأمور)، إذ ما مِن قَدْر من البيانات يستطيع أن يتجاوز ردود الفعل السلبية الفطرية تجاه الخفافيش، أو العناكب، أو الثعابين، أو تلك الإيجابية تجاه حيوانات الباندا، أو أم قرفة، أو صغار عجول البحر. إنّ القرارات التي تَحْكُم أيّ الأنواع ينبغي علينا إنقاذها، وأيها يمكن أن يُتْرَك لمصير الانقراض تُبْنَى على العواطف المحضة، وعلى وجهات نظر أصحاب المصالح المختلفين، وعلى حسابات سياسية كثيرة. ويتضح لنا مما دار في مؤتمر "CITES" أن البيانات تُستدعى من أجل دعم قرارات الحفظ البيئي، التي تدعمها عدة أطراف، إلا أن مثل هذا الإجماع لا يتأتى بسهولة، كما أن قرارات مؤتمر "CITES" لا توفِّر الحماية الكاملة المنشودة. ومع اشتداد وطأة النزاعات حول العالم، وتزايد تفضيل النمو الاقتصادي السريع على مسألة الحفظ البيئي في الدول النامية والمتقدمة، سوف يستمر التنوع الحيوي في التدهور.

ثالثًا، يجب أن يشارك عددٌ أكبر من العلماء في العملية السياسية. إنّ مخاطبة القادة السياسيين كتابيًّا، ومراسلتهم بالبريد الإلكتروني، والاتصال بهم، خطوةٌ صغيرة، لكنها ضرورية كبداية، والمشاركةَ فيما يبدو وكأنه عدد لا ينتهي من الاجتماعات السياسية خطوةٌ لاحقة أكبر، لكنها ضرورية؛ فإذا لم نكن موجودين؛ لن تُسْمَع أصواتنا. كما أن التطوع للعمل في المجموعات المحلية، أو الإقليمية، أو الوطنية، أو العالمية ـ التي تؤثر بشكل مباشر على قرارات الحفظ البيئي ـ هو اِلْتِزام أكبر، لكنْ إذا لم نقم نحن بذلك، فمَن الذي سيقوم به؟ ومِن المفترَض أن تكون الخطوة المنطقية التالية هي الترشُّح في الانتخابات. وإذا لم يحدث ذلك الآن، فمتى؟

وقد أثبت العلماء الذين قاموا بدراسة "استنزاف طبقة الأوزون، والتغير المناخي" أن المشاركة المباشرة في عملية اتخاذ القرار يمكن أن تمنحهم مقعدًا على الطاولة العالمية لمناقشة الأمر، وصوتًا يمكِّنهم من إحداث تغيير سياسي. ويجب على العلماء الآخرين الذين يدرسون التنوع الحيوي، ويرغبون كذلك في أن تبقى الأنواع الأخرى وتزدهر، أنْ يسيروا على نهج هؤلاء.