أنباء وآراء

علم الاجتماع: ختان الإناث تحت الضوء

من الممكن استغلال اختلاف الآراء بين أفراد المجتمع، من أجل إحداث التغيير السلوكي المرغوب فيه، كما تثبت الأفلام التي تستطلع الاعتقادات المختلفة ذات الصلة بختان الإناث.

نيكولاس إيه. كريستاكيس
  • Published online:

يشمل ختان الإناث ممارسات متنوعة، منها إزالة البظر نفسه. وينتشر هذا الفعل في أجزاء كثيرة من أفريقيا، ويُطَبَّق على أكثر من مليوني فتاة سنويًّا. وفي بحث منشور في دورية Nature، تَذْكُر فوجت وزملاؤها1 أن تنفيذ فيلم مدته 90 دقيقة يعكس آراءً متضاربة حول ختان الإناث يمكنه التقليل من الإقبال على هذه الممارسة في السودان، حيث تم تصوير الفيلم.

اجتذب ختان الإناث اهتمامًا كبيرًا في مجالات متنوعة، مثل الصحة العامة، والأخلاقيات، والأنثروبولوجيا، واقتصاديات التنمية، فضلًا عن العلوم الاجتماعية بمجالها الأوسع، وذلك لسببين رئيسين، أولهما: أنه غالبًا ما يُنظر إلى ختان الإناث كتَحَدّ للنسبية الأخلاقية، التي تَدَّعي أن للثقافات مبادئ أخلاقية مختلفة، لكنها متساوية في قيمتها3,2. وثانيهما: تسليطه الضوء على صعوبة تغيير الممارسات الثقافية المتأصلة بعمق، حتى عندما يبدو بوضوح أنها غير عادلة، أو خطيرة، أو قاسية5,4. وليس ثمة التزام بمعايير ثقافية موحّدة، فالاختلافات المحلية في المواقف والسلوك أمر شائع، وبالتالي فإن بذور تغيير ثقافة ما قد تكون موجودة ضمن تلك الثقافة ذاتها (شكل 1).

إحدى الممارِسات السابقات لختان الإناث، تحمل الأداة التي كانت تستخدمها في العملية. تحاول فوجت وزملاؤها1 استكشاف استراتيجية؛ للحدّ من الرغبة في القيام بهذه الممارسة في السودان.

كبر الصورة


لقد استغل الباحثون هذا الاختلاف بين الأفراد، فحددوا مجموعات من الأفراد متشابهي التفكير في الشبكات الاجتماعية، ممن يمكن لمواقفهم وسلوكياتهم أن تسهِّل التدخلات التي تتراوح بين التطعيم ضد شلل الأطفال6 إلى اعتماد المراحيض7، ولكن بعض السكان يقاوم اعتماد ممارسات جديدة، وخاصة عند ارتباطها بالاستعمار الخارجي. في هذه الحالات، يمكن استغلال اختلافات الرأي المحلية؛ للعثور على نماذج سلوكية مرغوب فيها. وقد تم اللجوء إلى هذا الأسلوب بطريقة ناجحة مع مقدِّمي الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، فجودة الرعاية الصحية المقدَّمة قد تختلف بدرجة واسعة بين المجتمعات المحلية المتجاورة8، وقد وفَّر مقدمو الرعاية المتفوقون نماذج للممارسة الجيدة لأقرانهم9.

تناولت فوجت وزملاؤها ختان الإناث باستخدام تجربتين ميدانيتين، شملتا أربع صيغ مختلفة لفيلم رفيع الجودة، يضم ممثلين من السودان. وقد خلت نسخة الفيلم المخصصة للتحكيم من أي مؤثرات خاصة، واحتوت فقط على الحبكة الرئيسة، التي لم تكن عن عملية الختان. وعلى النقيض من ذلك.. فإن الإصدارات المعالجة أدرجت المواد التي أكدت على اختلافات الرأي حول الختان بين شخصيات الفيلم. وقد نبعت هذه الاختلافات من وجود وجهات النظر المُنَاصِرة، إمّا للقيم التي يؤمن بها الشخص (ما إذا كان الختان ممارسة صحية)، وإما لإمكانية الزواج (ما إذا كان ختان الإناث يعزِّز احتمالات زواج الفتاة)، أو لكليهما.

في تجربة الباحثين الأولى، وزّعت مجموعةٌ بلغ عدد أفرادها 189 شخصًا ينتمون إلى 5 مجتمعات توزيعًا عشوائيًّا؛ لمشاهدة أحد الأفلام الأربعة. وفي تجربة ثانية، اختير 7,729 شخصًا بصورة عشوائية من 122 مجتمعًا بالطريقة نفسها. بعد المشاهدات، جرى تقييم التغيرات في المواقف، باستخدام "اختبار التداعي الضمني" المصمَّم لقياس التغيرات غير الواعية في المواقف. في هذا الإجراء المعتمِد على الحاسوب، يُطلب من الناس الربط بسرعة بين مفاهيم معينة، وخواص معينة. وتفسَّر حالات الربط الأسرع للثنائيات على أنها أقوى ارتباطًا في ذهن المشارك، مقارنةً بحالات الربط الأبطأ10.

وأظهرت التجربة الأولى أنه فور مشاهدة أيٍّ من الأفلام المعالجة الثلاثة، حدث التغيير المنشود في موقف المشاهدين؛ فمن بين 189 شخصًا، تحسنت المواقف تجاه الفتيات غير المختونات بنحو 55-64%، مقارنةً بأحد الانحرافات المعيارية في المعدلات المسجلة في اختبار التداعي الضمني. وأظهرت التجربة الثانية أنه بعد أسبوع واحد من مشاهدة الفيلم، حدث تأثير علاجي بنسبة 10-11% على أحد الانحرافات المعيارية، ولكن فقط في المجموعة التي شاهدت الفيلم الذي يتضمن معالجة ثنائية (القيم، وإمكانية الزواج).

 ولسوء الحظ، تمّ في التجربتين قياس التحولات في المواقف عند نقطة زمنية واحدة فقط، بعد مشاهدة المشاركين للفيلم. وبالتالي، فإننا لا نعرف مدى ثبات التحسّن الملاحَظ. فمن الممكن أن تعود المواقف إلى النقطة التي انطلقت منها، بعد أسبوع واحد على سبيل المثال، وهو هاجس مألوف في تقييم الجهود التثقيفية، وعادةً ما يتم التعامل معه عن طريق عمل إجراءات أَخْذ القياسات في عدة نقاط زمنية بعد التدخل.

وكما ألمحت فوجت وزملاؤها، فإن النتائج التي توصلوا إليها تشير إلى أن التحسُّن الذي حدث إثر عرض الأفلام التي تمت معالجتها معالجة واحدة، اختفى خلال أسبوع واحد. والأكثر من ذلك.. تشير البيانات إلى أن التأثير كان يتلاشى، حتى بالنسبة إلى الأفلام ذات المعالجة الثنائية، وربما تَرَاجَع من حوالي 50% إلى 10% من الانحراف المعياري في غضون أسبوع. وبالإضافة إلى ذلك.. فإننا لا نعرف ما إذا كان تحسُّن المواقف قد أدَّى إلى أيّ تغيير في السلوك، أم لا، ذلك التغيير الذي قد يتراوح بين قيام المشاهدين بتبادل النقاش مع الآخرين حول الختان، وبين حماية بناتهم من التعرض لهذه العملية. لذا.. فإن الهدف الأسمى للتدخلات في مجال الصحة العامة هو ردم الهوة بين المعرفة، والسلوك.

وإذا حَكَمْنا من خلال الأدلة المقدَّمة.. فقد يخلص المتشائمون إلى أن التدخّل الناجح يجب أن يشمل كلا نوعي المواد المعالجة في الفيلم، ولكن حتى هذا قد يكون مجديًا لمدة أسبوع واحد فقط. والأكثر من ذلك.. تشير تحليلات الباحثين إلى أن الأفراد المعنيين سيكونون ـ على الأغلب ـ أولئك الأقل التزامًا بالفعل بختان الإناث من أقرانهم.

ومع ذلك.. يمكننا أن نكون على يقين من أن الفيلم قد غَيَّر بعض المواقف. وثمة حاجة ماسة إلى أدوات جديدة؛ من أجل التصدي لويلات ختان الإناث. وربما يؤدي إبراز التنوع في الرأي العام المحلي في صيغ أكثر استمرارية ـ مثل المسلسلات التليفزيونية الطويلة ـ إلى إيصال الرسالة بشكل متكرر، وصولًا إلى تغيير أكثر استدامة. كما قد يزيد من فاعلية الجهود، الجمع بين العروض السينمائية، والتدخلات المباشرة، مثل اللقاءات المجتمعية، والمناطق الخالية من ختان الإناث (FGC-free zones) التي تدعمها منظمة "اليونيسف"، وتضم قرى تتفق بأكملها على التخلي عن هذه الممارسة. وكثيرًا ما ترغب المجتمعات في التخلي عن ختان الإناث. ويحدِّد هذا العمل المهم أداة فعالة محليّة المنشأ؛ لمساعدتهم على القيام بذلك.

  1. Vogt, S., Zaid, N. A. M., Ahmed, H. E. F., Fehr, E. & Efferson, C. Nature 538, 506–509 (2016).
  2. Christakis, N. A. Soc. Sci. Med. 35, 1079–1091 (1992).
  3. Evanoff, R. J. Int. J. Intercult. Relat. 28, 439–458 (2004).
  4. Boddy, J. Am. Ethnol. 9, 682–698 (1982).
  5. Gruenbaum, E. The Female Circumcision Controversy: An Anthropological Perspective (Univ. Pennsylvania Press, 2000).
  6. Onnela, J. P. et al. Soc. Sci. Med. 153, 99–106 (2016).
  7. Shakya, H. B., Christakis, N. A. & Fowler, J. H. Soc. Sci. Med. 125, 129–138 (2015).
  8. Wennberg, J. & Gittelsohn, A. Science 182, 1102–1108 (1973).
  9. Bradley, E. H. et al. Implement. Sci. 4, 25 (2009).
  10. Greenwald, A. G., Nosek, B. A. & Banaji, M. R. J. Pers. Soc. Psychol. 85, 197–216 (2003).