أنباء وآراء

الأحياء التطورية: رؤى شاملة لعوامل الوراثة غير الجينية المبكرة

أربع دراسات تصف بالتفصيل التغيرات التي تحدث في كيفية تطويق الحمض النووي لبروتينات الهستون، وفي التعديلات الجزيئية لتلك البروتينات بعد عملية التلقيح. وتسلِّط نتائجها الضوء على التنظيم المبكر لعملية التعبير الجيني.

  • خوان إم. فاكيريساس
  • ماريا إيلينا توريس- باديلا
  • Published online:

بداية الحياة تكون بتلقيح بويضة بواسطة حيوان منوي. فدائمًا ما كان ذلك محورًا رئيسًا للبحوث منذ عقود. مع نشوء الجنين من الخلايا المتمايزة، عادةً ما تحدث إعادة برمجة مثيرة لعوامل الوراثة غير الجينية، وهي مجموعة تعديلات جزيئية تحدث في الحمض النووي وبروتينات الهستون المرتبطة به، التي تغيِّر التعبير الجيني، دون تغيير تتابع الحمض النووي، إلا أن تفاصيل مناطق الجينوم المتضررة من إعادة برمجة العوامل غير الجينية تلك لم تكن متوفرة من قبل. ومؤخرًا، كشفت أربع دراسات نُشرت مؤخرًا في دورية Nature (ثلاث منها نُشرت في سبتمبر1-2-3، وواحدة فى يونيو4) عن سمات مذهلة وغير متوقَّعة لهذه العملية داخل الخلية البيضية (أي البويضة غير الملقحة) وجنين الفأر في مراحل النمو المبكرة.

يتغير التعبير الجيني جذريًّا أثناء نشوء الخلايا البيضية والحيوان المنوي في الثدييات، وهو يتوقف بحلول الوقت الذى تصبح فيه هذه الخلايا ناضجة تمامًا. في الفئران، يُستأنف التعبير الجيني بعد فترة وجيزة من عملية التلقيح، مصحوبًا بموجة طفيفة من التنشيط الجينى (يُطلق عليها التنشيط الجينومي الزيجوتي - ZGA اختصارًا)، ثم تأتي موجة رئيسة ثانية من هذا التنشيط الجيني في أواخر مرحلة الخليتين، كمؤشر لبداية انتشار برنامج التعبير الجيني الإنمائي. وبعد أربعة انقسامات يظهر تجمُّع من الخلايا يُسمى (الكتلة الخلوية الداخلية)، التي تمثل الجزء الذي سيكوِّن الجنين فيما بعد، ويمكن استخراجها لاستخلاص الخلايا الجذعية الجنينية (ES) في الوسط الحيوي. تمت دراسة حالة العوامل غير الجينية للخلايا الجذعية الجنينية بشكل مستفيض من قبل، إلا أن دراسة مراحل النمو السابقة لذلك ظلت بعيدة المنال، ويعود ذلك غالبًا إلى كمية المادة القليلة جدًّا المتاحة للدراسة.

قامت الدراسات الأربع بتحليل مناطق الجينوم التي ترتبط بها ثلاثة تعديلات في بروتينات الهستون في الحيوانات المنوية والخلية البيضية، وفي أجنة الفئران في مراحل النمو المبكرة. وتَبَنَّى الباحثون تقنيات تسمح بتحليل عدد قليل من الخلايا فقط. أولًا، قام ليو وزملاؤه1، ودال وزملاؤه2، وتشانج وزملاؤه3 بدراسة تعديل رواسب حمض الليسين الأميني 4 (K4) على الهستون H3 بثلاث مجموعات من الميثيل (يُشار إلى هذا التعديل باسم H3K4me3). وثانيًا، قام دال وزملاؤه، ووُو وزملاؤه4 بدراسة تعديل الليسين 27 (K27) بواسطة مجموعة أسيتيل (وهو تعديل H3K27ac). وثالثًا، قام ليو وزملاؤه، ووُو وزملاؤه بتحليل عملية المثيلة الثلاثية لـK27 (وهو تعديل H3K27me3). اختلفت الدراسات في عدد الخلايا التى تم تحليلها، وكيفية معالجة الحمض النووي والبروتينات المصاحِبة (التي يُطلق عليها مجتمعةً اسم الكروماتين) قبل عملية التحليل، إلا أن جميعها توصلت إلى استنتاجات مماثلة.

في الخلايا الجذعية الجنينية وأنواع الخلايا الناضجة، تتجمع تعديلات H3K4me3 بالدرجة الأولى حول مناطق صغيرة في الحمض النووي، يبدأ عندها النسخ الجيني، وهي ترتبط بالنشاط الجيني. واحدة من النتائج الأكثر إثارة للدهشة في الدراسات المذكورة هو أنه في الخلايا البيضية يتم تدعيم تعديل H3K4me3 بمستويات منخفضة عبر مناطق جينومية كبيرة تمتد لأكثر من 10 آلاف قاعدة، وهي في معظمها بعيدة عن مواقع بدء النسخ. ويستمر هذا النمط من تعديل H3K4me3 "غير القانوني" في الخلايا البيضية الملقحة والأجنة في بدايات مرحلة الخليتين (الشكل 1).

الشكل 1 | قياس عملية المثيلة في مراحل النمو المبكرة. قامت أربع دراسات1-2-3-4  بتحليل مناطق من جينوم الفأر، ترتبط ببروتينات الهستون التي تم تعديلها عند رواسب حمض الليسين الأميني 4 ، أو الليسين 27، عن طريق إضافة مجموعات الميثيل (تُسمى تلك التعديلات H3K4me3، و3K27me3، على التوالي). في هذا الرسم التخطيطي البسيط، تمثل ارتفاعات الخطوط العمودية مستوى التعديل المرتبط بالمناطق المتتابعة من الحمض النووي. ولا يحدث نسخ جيني في البويضات الناضجة غير الملقحة (الخلايا البيضية)، ويتم توزيع تعديل H3K4me3 في نطاقات واسعة عبر الجينوم؛ وهو توزيع غير عادي فى هذا النوع من التعديلات. وفي الغالب، تُحفظ هذه النطاقات بعد عملية التلقيح (في مرحلة الزيجوت)، وصولًا إلى أواخر مرحلة الخليتين، عندما تؤدِّي عملية تُسمى التنشيط الجينومي الزيجوتي (ZGA) الرئيس إلى موجة من التعبير الجيني. ومن تلك اللحظة يتم استبدال البصمة واسعة النطاق بمناطق تعديل H3K4me3 ضيقة مرتبطة بالتنشيط الجيني في المواقع التي يتم فيها بدء عملية النسخ. وعلى النقيض من ذلك.. فإن تعديل H3K27me3، الذي يرتبط بالقمع الجيني، يكون أكثر انخفاضًا في الخلية البيضية وفي المراحل المبكرة، ويصبح أكثر وفرة مع استمرار عملية النمو، مما يدل على حدوث توزيع منفرد لكل نوع من التعديلات، مع وجود مناطق تعديل H3K4me3 ضيقة، حتى مرحلة الـ16 خلية.

كبر الصورة

لذا، قام دال وزملاؤه، وتشانج وزملاؤه بتحديد مجموعتين من الجينات المرتبطة بتعديل H3K4me3 "غير القانوني" في الخلايا البيضية الناضجة3،2. أولًا، وُجد هذا النوع من التعديلات على مقربة من الجينات التي يتم التعبير عنها أثناء نمو الخلية البيضية، بما يتسق مع أعمال سابقة5. ويشير ذلك إلى أن إعادة تشكيل ديناميكية مثيلة H3K4 يحدث أثناء نضوج الخلية البيضية، وهو يقترن بالتغيرات التي تحدث في التعبير الجيني، وفي مثيلة الحمض النووي؛ ما يؤدي إلى قَمْع عملية النسخ. ثانيًا، وُجد أن هذا التعديل يرتبط بالجينات التي يتم التعبير عنها أثناء التنشيط الجينومي الزيجوتي الرئيس. لذا، يبدو أن هذا التعديل غير العادي يقدِّم ما يشبه ذاكرة تحمل العوامل غير الجينية للحالة النسخية للخلية البيضية التي يرثها الجنين النامي.

كما وردت نتائج أخرى غير متوقعة؛ فقد لاحظ تشانج وزملاؤه وجود تعديل H3K4me3 غير القانوني في مناطق مدعمة في تسلسلات معينة متكررة، بعضها ينشط جدًّا أثناء المراحل الأولى من النمو الجنيني3. وقد ورد6 في السابق أن تعديل H3K4me3 يرتبط بواحد فقط من هذه العناصر المتكررة في الأجنة، هو LINE-1. ولذلك أهمية خاصة، إذ يجد4 وو وزملاؤه أن نطاقات كبيرة من الحمض النووي متاحة للارتباط بعامل النسخ قبل التنشيط الجينومي الزيجوتي الأساسي. ويرتبط هذا الأمر بنسخ عائلات محددة من العناصر المتكررة والجينات المجاورة، ما يسلِّط الضوء على الإمكانات التنظيمية للعناصر المتكررة. أما تشانج وزملاؤه، فقد وجدوا أن إزالة مجموعات الميثيل من تعديل H3K4me3 في الخلايا البيضية أدَّى إلى زيادة في التنشيط النسخي3، وإن كانت زيادة غريبة. كما توصَّل دال وزملاؤه إلى استنتاجات مماثلة باستخدام نهج متكامل2. ويعني هذا الاستنتاج المثير للدهشة أن تعديل H3K4me3 غير القانوني قد يكون له دور في الإسكات النسخي. ويبقى أن يتم تحديد ما إذا كان هذا التأثير مباشرًا، أَمْ أنّ وجود تعديل H3K4me3 يرسِل بطريقة أو بأخرى إشارات تؤدي إلى حدوث تغيرات في مستويات تعديلات بروتينات الهستون الأخرى، منظِّمةً عملية الإسكات بشكل غير مباشر.

وتكشِف البحوث المنشورة تلك عن أن وجود الإنزيم النازع لمثيلة الهستون KDM5B أمر ضروري؛ للحدّ من التوزيع الجينومي لتعديل H3K4me3 أثناء نضوج الخلايا البيضية والتنشيط الجينومي الزيجوتي. ويوضح ليو وزملاؤه1 أنه في الجنين النامي تصبح نطاقات تعديل H3K4me3 أوسع بعد فقدان إنزيم KDM5B. وهكذا، فإن إبقاء مستويات تعديل H3K4me3 تحت السيطرة يبدو أمرًا ضروريًّا؛ لإنشاء ونشر برامج التعبير الجيني الجنينية المبكرة بشكل صحيح.

وقد درَس تشانج وزملاؤه، ووُو وزملاؤه أيضًا الاختلافات في تعديلات بروتينات الهستون، التي يرثها الجنين من الأب والأم4،3؛ ووجدوا أن الاختلافات بين الوالدين في توزيع تعديل H3K4me3 يتم الاحتفاظ بها في مجموعتين من الكروموسومات في الجنين في مراحله المبكرة، مما يدعم فكرة أن بعض المعلومات غير الجينية يتم توارثها.

وبالالتفات إلى تعديلات بروتينات الهستون الأخرى، قارن ليو وزملاؤه1 تغيرات تعديل H3K4me3 المرتبط بالقمع الجيني، مع ذلك المرتبط بعملية التنشيط. وبعكس الدراسات الأخرى، ركَّزت المجموعة على تحليل هذه التعديلات فقط في المناطق القريبة من جينات التنشيط الجينومي الزيجوتي التي تؤوي إشارة تعديل H3K4me3 "الشرعية" النمطية العالية، حول مواقع بدء عملية النسخ. وقد وجدوا أن مستويات تعديل H3K4me3 القانوني زادت، بدءًا من أواخر مرحلة الخليتين فصاعدًا. ويختلف ذلك عن مواقع تعديل H3K4me3 غير القانوني، حيث تنخفض المستويات بعد مرحلة الخليتين.

وقد وجد ليو وزملاؤه أن عدد المناطق التي تحتوي على تعديل H3K4me3 القانوني، وليس H3K27me3، زادت زيادة حادة في أواخر مرحلة الخليتين، بيد أن عدد المناطق المحتوية على تعديل H3K27me3 فقط زاد بشكل تدريجي (الشكل 1)، ما قد يعكس ديناميكيات مختلفة، ومن ثم آليات مختلفة، لإنشاء هذين المؤشرين غير الجينيَّين. ولا يجتمع تعديل H3K4me3 وتعديل H3K27me3، بل يظهر واحد منهم فقط منفردًا، وصولًا إلى مرحلة الـ16 خلية. وغالبًا ما يعود السبب في ذلك إلى انخفاض مستويات تعديل H3K27me3. وعلى النقيض.. تحتوي الخلايا الجذعية الجنينية على العديد من النطاقات التي تتسم بكل من هذين التعديلَين. ومن ثم، تنشأ نطاقات التعديل ثنائية التكافؤ في مراحل متأخرة من النمو. ومن خلال وجود التعديلات "النشطة" و"القمعية" معًا، يُعتقد أن وجود النطاقات ثنائية التكافؤ أمر بالغ الأهمية للتعبير الفعال عن البرامج التنموية المعنية بسلالة بعينها، مع بدء الخلايا فى التمايز إلى سلالات ناضجة.

وأخيرًا، وجد دال وزملاؤه نطاقات2 من تعديل H3K27ac خاصة بكل مرحلة، يُفترض أنها تنشِّط التعبير عن الجينات المجاورة. تميل نطاقات تعديل H3K27ac إلى أن تكون بالقرب من الجينات المرتبطة بالتنشيط الجينومي الزيجوتي. واستخدم الباحثون النطاقات؛ لتحديد عوامل النسخ التي يُحتمل أن تقيَّد إلى هذه الجينات المجاورة؛ من أجل تنظيم برامج النمو المبكرة الخاصة بكل مرحلة. وعلى الرغم من أن هذا سيشكل بالتأكيد موردًا قويًّا، إلا أن بعض العوامل المحددة هنا تختلف عن تلك الموثقة في بحث نُشر في شهر يونيو الماضي7. وستكون هناك حاجة إلى مزيد من الجهود؛ لتحديد التفاصيل الخاصة بالآليات التي تَدفَع بها عواملُ النسخ تلك عملية النمو إلى الأمام. وبشكل عام، تثبِت الدراسات حدوث عملية إعادة تشكيل غير جينية قوية في الخلايا البيضية والحيوانات المنوية، وفي المراحل المبكرة من النمو الجنيني. ومن شأن ذلك أن يلمِّح إلى الآليّات التي يتم بها تمرير تعديلات بروتينات الهستون من جيل إلى آخر، لاعبًا دورًا حيويًّا في تنشيط الجينوم المشكل حديثًا، إلا أنه سيلزم إجراء مزيد من البحوث؛ لتوصيف الآليّات الجزيئية الدقيقة التي تحكم هذه التحولات.

  1. Liu, X. et al. Nature 537, 558–562 (2016).
  2. Dahl, J. A. et al. Nature 537, 548–552 (2016).
  3. Zhang, B. et al. Nature 537, 553–557 (2016).
  4. Stewart, K. R. et al. Genes Dev. 29, 2449–2462 (2015).
  5. Wu. J. et al. Nature 534, 652–657 (2016).
  6. Fadloun, A. et al. Nature Struct. Mol. Biol. 20, 332–338 (2013).
  7. Lu, F. et al. Cell 165, 1375–1388 (2016).