أنباء وآراء

علم النبات: ظاهـرة قـوة الهجيـن

يُعَدّ تهجين الأنواع المختلفة من النباتات لتحسين الإنتاجية ونسبة الخصوبة ممارسةً شائعة. وقد يساعد تشريح العمارة الجينومية التي تكمن وراء ظاهرة قوة المحصول الهجين في إثراء استراتيجيات تحسين المحاصيل في المستقبل.

جيمس إيه. بيركلر
  • Published online:

عادةً ما يكون لدى سلالات المحاصيل الناتجة عن تهجين أصناف مختلفة من أنواع النباتات كتلة حيوية ونسبة خصوبة أعلى من النباتين الأبوين. وتُستغل هذه الظاهرة، التي تُسمى "التفوق الهجيني"، أو "قوة الهجين" في إنتاج محاصيل أعلى جودة لعدة أنواع من المحاصيل (الشكل 1). ولذا فإنها بالغة الأهمية بالنسبة إلى الأمن الغذائي العالمي، غير أن الأساس الجينومي والجزيئي لظاهرة قوة الهجين كان لوقت طويل عصيًّا على التفسير1، ولكن في دراسة حديثة نشرتها دورية Nature، نجح هوانج وزملاؤه2 في وضع خريطة للمناطق الجينومية المرتبطة بالصفات الإنتاجية في سلالات الأرز عالي الجودة وفي دراسة العمارة الجينومية لظاهرة قوة الهجين. وتمثل هذه الدراسة إنجازًا عظيمًا في هذا المجال.

الشكل 1 | محصول الأرز الهجين المزروع في حقل أرز مدرج. غالبًا ما يؤدي تلقيح أنواع مختلفة من الأرز إلى إنتاج محاصيل هجينة تتمتع بإنتاجية أعلى ونسبة خصوبة أعلى من المحصولين الأبوين. وقد قام هوانج وزملاؤه2 بتشريح الأساس الجينومي لهذه الظاهرة.

كبر الصورة


بدأ الباحثون باستخدام 17 عينة من السلالات الهجينة للأرز عالي الجودة، وقاموا باستيلاد الجيلين الأول والثاني؛ لإنتاج أكثر من 10 آلاف من سلالات الأرز الهجينة، التي كانت تتميز بخصائص كمية، أهمها محصول الحبوب، ووقت الإزهار، وشكل وبنيان النباتات. كما قاموا بتحديد تسلسل الحمض النووي لكل سلالة؛ لوضع خريطة للمناطق الجينومية المرتبطة بالصفات المتعلقة بالمحصول، ثم قاموا بتصنيف هذه السلالات إلى ثلاث مجموعات رئيسة، على أساس استراتيجيات استيلاد المحاصيل الهجينة.

لم يعثر هوانج وزملاؤه على أي مناطق جينومية مشتركة على المستوى العام، تسهم في ظاهرة قوة الهجين، ولكنهم عثروا بالفعل على العديد من المناطق داخل كل مجموعة ترتبط بتأثيرات ظاهرة قوة الهجين على صفات محصول الحبوب. وعلى الرغم من أن الباحثين لم يتمكنوا من حسْم أمر هذه المناطق، وصولًا إلى جينات فردية، أو متغيرات جينية، فقد سَلَّطُوا الضوء على العديد من الجينات المرشحة للعب هذا الدور. وثمة حاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث؛ لحسم أمر الارتباطات الجينية الجديدة، وتأكيد وظائف هذه الجينات المرشحة في ظاهرة قوة الهجين.

تتصرف المناطق الجينومية المرتبطة بتأثيرات قوة الهجين ـ إلى حد كبير ـ كما هو متوقع فى حالة الصفات الكمية. وبشكل عام، فالطفرات التي تنظم الصفات النوعية - مثل اللون - لا تمارس تأثيرها على الصفة، إلا في حالة وجود الطفرة في النسختين من الجين؛ نسخة موروثة من كل من الأبوين. وبعبارة أخرى، فإن انخفاض كمية البروتين أو الحمض النووي الريبي الذي ينتجه متغير جيني محدد (نظرًا إلى وجوده كنسخة واحدة وليس نسختين) لا يغير من الخصائص التي يؤثر عليها. وعلى النقيض من ذلك.. فإن الخصائص الكمية للسلالة الذُِّّرِّيَّة غالبًا ما تكون ـ إلى حد ما ـ وسطًا بين الأبوين.

وإذا كانت إحدى الصفات الكمية في محصول الذُّرِّيَّة صفةً وسطًا بين الأبوين؛ فإن المتغيرات الجينية التي تنظم هذه الصفة توصف بأنها تجميعية. وإذا كان وجود نسخة واحدة من متغير ليس له أي تأثير ملحوظ في الهجين، فإن هذا الجين يُوصَف بأنه يُظهِر سيادة كاملة (كما هو الحال مع الخصائص النوعية). ويُشار إلى التسلسل بين الاثنين بالسيادة السلبية أو الإيجابية الجزئية، حيث تتحدد الصفات كميًّا، على التوالي، على أن لها تأثيرًا أقل أو أكبر في الذرية مما يمكن أن يحدث عندما تكون الذُّرية وسطًا بالضبط بين الأبوين. في بعض الحالات، تكون صفة الذُّرية متفوقة على كل من الأبوين، وهذا ما يُشار إليه باسم (السيادة الفائقة). وأظهرت غالبية المناطق الجينومية التي حددها هوانج وزملاؤه سيادة إيجابية جزئية، مع وجود مجموعة من المتغيرات الجينية في منطقة واحدة تُظْهِر سيادة فائقة. ومن ثم، يمكن تفسير الأداء الفائق للنباتات الذُّرِّيَّة، مقارنة بأي من الأبوين، بالتأثير الجماعي للسيادة الإيجابية الجزئية عبر المناطق الجينومية التي تؤثر على صفات مختلفة.

وثمة نظرية3 شائعة عن قوة الهجين، ترجع إلى قرن من الزمان4، تفترض أن سلالات الأبوين ـ وهي سلالات داخلية الاستيلاد؛ وبالتالي تميل إلى أن تكون لديها نسختان متطابقتان من معظم الجينات ـ غالبًا ما تؤوي متغيرات جينية ضارة بنسبة ضئيلة، غير أن الطفرات في كل من الأبوين ليس لها أي تأثير عندما يُوجَد كل منها في نسخة واحدة فقط في الهجين. وهذا التأثير تراكمي عبر عديد من الجينات، مما يؤدي إلى ظاهرة قوة الهجين. وعلى الرغم من أن هذا التكامل يحدث دون شك، فإن هذا المفهوم البسيط معروف منذ فترة طويلة5أنه يقدِّم تفسيرًا غير مناسب لظاهرة قوة الهجين؛ حيث تعتمد الفكرة على السيادة الكاملة، في حين لم يحدِّد هوانج وزملاؤه أي مناطق جينومية تُظهِر هذه الصفة. فمن الواضح أن ثمة عملية أكثر تعقيدًا قائمة بالفعل.

تشير السيادة الجزئية والسيادة الفائقة التي شهدها هوانج وزملاؤه إلى أن كمية البروتينات التي تنتجها الجينات تؤثر على خصائص النبات إلى حد ما. وهي ظاهرة تُسمى (الحساسية للجرعة). ويبدو أنه ليس من قبيل المصادفة أن الجينات المرشحة التي ألقى عليها الباحثون الضوءَ تقوم بترميز عوامل النسخ، ومُعدِّلات الكروماتين والبروتينات التنظيمية ذات الصلة، التي عادة ما تكون حساسة للجرعة6. ويضيف عمل هوانج وزملائه إلى الأدلة على أن هناك مكونًا حساسًا للجرعة لظاهرة قوة الهجين، كما تَبَيَّن من الأبحاث السابقة على التبغ5، والبرسيم7، والطماطم8، ونخيل الزيت9، والذُّرَة10.

وعلى الرغم من هذا النمط الناشئ، فمن الواضح أن دور كل من هذه الجينات المرشحة في تحسين أداء النبات يعتمد أيضًا على السياق. فعلى سبيل المثال، المناطق الجينومية التي حدد الباحثون ارتباطها بظاهرة قوة الهجين كانت مختلفة في كل مجموعة من مجموعات الاستيلاد الثلاث. وعلى سبيل المثال، الجين المرشَّح الذى تم تحديده في إحدى المجموعات لديه جين قريب في الطماطم8، له علاقة بظاهرة قوة الهجين أيضًا؛ بيد أن هذا الجين ليس له علاقة بقوة الهجين في مجموعات الأرز الأخرى، التي شملتها الدراسة. ربما يكون ما لاحظه الباحثون على أنه اختلاف في السيادة في ظل ظروف مختلفة يعكس فى الواقع نقاطًا مختلفة على سلسلة متصلة من الحساسية للجرعة، يعتمد فيها تأثير أي منتج لجين واحد على تفاعلات الجين المقابل مع منتجات الجين التنظيمية الأخرى وأهدافها11. وإضافة إلى ذلك، فإن الافتقار إلى هذا التأثير التجميعي المحدد يشير إلى أنه لا يوجد ارتباط قوي بين كمية المنتج الجيني، وتأثير هذا المنتج على خصائص النبات. وأي محاولة للتلاعب بقوة الهجين لتحسين المحاصيل ستحتاج إلى وضع هذا الاعتبار في الحسبان.

ومن المثير للاهتمام أن الدراسة وجدت مؤشرات ضعيفة عن المناطق الجينومية التي أظهرت سيادة سلبية جزئية أو سيادة محدودة (التي تكون فيها صفة الهجين أقل من متوسط الأبوين). وإذا كانت العوامل الجينية الرئيسة المحدِّدَة لقوة الهجين تعمل بأسلوب حساس للجرعة يعتمد على السياق، فلماذا يبدو عملها إيجابيًّا أكثر من كونه سلبيًّا في كثير من الأحيان؟ أحد التفسيرات المحتملة هو أن عملية الانتخاب السابقة فضلت السلالات التي تعزِّز قوة الهجين في النباتات الهجينة، ولكن يبدو مثيرًا للشكوك أن مثل هذا الانتخاب وحده يمكن أن يفسر التأثير، نظرًا إلى أن التهجين بين الأنواع المختلفة التي تربطها صلة ببعضها، والتي لم تخضع لأنظمة الاستيلاد تميل أيضًا إلى إنتاج نمو غزير. وفَهْم هذا الجانب من قوة الهجين اتجاه حتمي ـ وإن كان مليئًا بالتحديات ـ في المستقبل بالنسبة إلى هذا المجال.

إنّ الأفكار الثاقبة التي تمخضت عنها دراسة هوانج وزملائه حول ظاهرة قوة الهجين، عند متابعتها بدراسات لتحديد الجينات والمتغيرات الوظيفية المشتركة في العملية؛ ستتيح للباحثين إمكانية التفكير في كيفية التلاعب بظاهرة قوة الهجين، من خلال الاستيلاد الجزيئي، والهندسة الوراثية، والتحرير الجينى. ويمكن إدخال تعديلات محددة، ودراستها في خلفيات جينية مختلفة؛ للتوصل إلى أفضل أداء. وقد يكون التلاعب بكميات الجينات التنظيمية الحساسة للجرعات طريقًا نحو محاكاة موجَّهة إلى ظاهرة قوة الهجين13،12. وعلى أي حال، فمع هذه الفكرة يأتي التحذير من أن كل حالة ستكون على الأرجح معتمِدة على السياق، وعلى حساب العناصر المتفاعلة النسبية بين العديد من منتجات الجينات التنظيمية.

  1. Chen, Z. J. Nature Rev. Genet. 14, 471–482 (2013).
  2. Huang, X. et al. Nature 537, 629–633 (2016).
  3. Schnable, P. S. & Springer, N. M. Annu. Rev. Plant Biol. 64, 71–88 (2013).
  4. Jones, D. F. Genetics 2, 466–479 (1917).
  5. East, E. M. Genetics 21, 375–397 (1936).
  6. Birchler, J. A. & Veitia, R. A. Proc. Natl Acad. Sci. USA 109, 14746–14753 (2012).
  7. Busbice, T. H. & Wilsie, C. P. Euphytica 15, 52–67 (1966).
  8. Krieger, U., Lippman, Z. B. & Zamir, D. Nature Genet. 42, 459–463 (2010).
  9. Singh, R. et al. Nature 500, 340–344 (2013).

  10. Yao, H., Dogra Gray, A., Auger, D. L. & Birchler, J. A. Proc. Natl Acad. Sci. USA 110, 2665–2669 (2013).
  11. Birchler, J. A., Johnson, A. F. & Veitia, R. A. Plant Sci. 245, 128–134 (2016).
  12. Jiang, K. et al. PLoS Genet. 9, e1004043 (2013).
  13. Park, S. J. et al. Nature Genet. 46, 1337–1342 (2014).