أنباء وآراء

رباعيات الأرجل في فترة المراهقة

يكشف تحليلُ العظام لرباعيات الأرجل المائية ـ في الوقت الذى بدأت فيه هذه الفقاريات الانتقال إلى اليابسة ـ أن العينات كبيرة الحجم لم تكن سوى كائنات صغيرة السن، وهو ما يثير تساؤلات عن كيفية تطور هذه الكائنات.

ناديا بي. فوربيش
  • Published online:

يُعَدّ تحوُّل السَّمَك ذي الزعانف إلى رباعيات الأرجل أحد أكثر الموضوعات إثارة وتشويقًا في دراسة تطوُّر الفقاريات، حيث صاحَب هذا التحول تغيرات في العديد من جوانب بيولوجيا أسلافنا من السمك، شملت عملية التنفس، والإخراج، والهيكل العظمي1. كان تطوُّر الأطراف ـ الذي أدَّى في النهاية إلى ظهور أيدينا وأرجلنا ـ أمرًا أساسيًّا لغزو رباعيات الأرجل لليابسة، وقدرتها على تطوير التنوع المذهل لأشكال أجسامها ووسائل الحركة التي رأيناها في الفقاريات المنقرضة والحديثة، على حد سواء. ونظرًا إلى الدور المحوري لهذا الانتقال إلى اليابسة، كانت التغيرات التشريحية التي تَضَمَّنها هذا الانتقال بؤرة تركيز أساسية للبحث العلمي، ليس فقط في دراسات الأحياء القديمة، ولكن أيضًا في دراسات علم الأحياء التطوري، والعلاقة بين البناء التشريحي ووظيفته3،2. وتَكشِف دراسة بحثية أجراها سانشيز وزملاؤه4 ـ نشرت في دورية Nature ـ لمحات ثاقبة عن أنماط نمو رباعيات الأرجل المبكرة، المعروفة باسم "أكانثوستيجا" Acanthostega. وستقدِّم النتائج فهْمًا أعمق لتطوُّر طلائع الكائنات رباعية الأرجل.

وعلى الرغم مما أحرز مِن تقدُّم في محاولة فهْم التحول التطوري من السَّمَك إلى رباعيات الأرجل، فلا يزال جزء محوري من اللغز مفقودًا. والسؤال الآن: كيف نَمَت رباعيات الأرجل الأولى؟ تَكشِف العملية التي يتطور بها الكائن الحى من بيضة ملقحة إلى الشكل البالغ ـ المعروفة باسم تطوُّر الجنين ـ الكثيرَ من التفاصيل عن تطوُّر النوع، والطبيعة البيولوجية له، التي لا يمكن أن تُظْهِرها دراسة الأفراد البالغين بمفردها. وقد قَدَّمَتْ سلسلةٌ من الحفريات التي تُظْهِر تطوُّر رباعيات الأرجل اللاحقة من يرقات إلى كائنات بالغة5 ثروةً من البيانات التطورية، غير أن التطور الجنيني لرباعيات الأرجل الأولى ظل غير مفهوم إلى حد كبير، نظرًا إلى ندرة مثل هذه المعلومات في السجل الحفرى، ولعدم التعرُّف على مرحلتَي الطفولة، والمراهقة.

دَرَس سانشيز وزملاؤه الـ"أكانثوستيجا"، وهو أحد أقدم رباعيات الأرجل المعروفة، الذي عاش قبل 365 مليون سنة تقريبًا، أثناء العصر الديفوني. استخدم الباحثون التصوير المقطعي المجهري السنكروتوني، وهى طريقة آمِنة لتكوين تصورات هيكلية ثلاثية الأبعاد من البناء المجهري للعظم الحفري، وقاموا بدراسة العظمة العلوية الطويلة ـ عظمة العضد ـ لأحد أطراف "أكانثوستيجا" الأمامية. ويتميز العظم بأنه نسيج حيوي، وقد تُظْهِر دراسة تركيبه المجهري معلومات فريدة عن فسيولوجيا الفقاريات، ونموها، وتاريخ حياتها، نظرًا إلى أن التركيب الداخلي يعطي دلالات عن سرعة نمو الحيوان، وكم كان عمره، ومتى توقَّف نموه. وقد فحص سانشيز وزملاؤه عيِّنات "أكانثوستيجا" من موقع تجمُّع حفري، نفق فيه جميع الأفراد معًا ـ على الأرجح ـ في فترة جفاف تَلَت فيضانًا كارثيًّا. وعلى الرغم من قلة عدد عظام العضد المتوفرة، إلا أنها تقدِّم لمحة عن أنماط نمو هذا النوع الانتقالي.

في رباعيات الأرجل، تتكون عظام العضد ـ بدايةً ـ في شكل أساس غضروفي، ثم تترسب مادة العظام لاحقًا في عملية تُعرف باسم "التعظُّم". ومن المثير للدهشة أن بيانات عملية التصوير التي قام بها سانشيز وزملاؤه تشير إلى أن كل العينات التي فحصوها كانت لا تزال في مرحلة النمو المبكر، ولم تبلغ بعد النضج الجنسي. والأكثر غرابة أن "الأكانثوستيجا" ـ على ما يبدو ـ بلغ حجمه النهائي تقريبًا وهو محتفظ بالعضد الغضروفي أثناء فترة صبا مبكرة استمرت عدة سنوات (وقد تم الاستدلال على الحجم شبه النهائي عندما أظهر التركيب المجهري للعظام أن النمو قد تباطأ بصورة ملحوظة). وعلى النقيض.. فإن تعظُّم عظام الأطراف في رباعيات الأرجل الحديثة يبدأ في وقت مبكر كثيرًا عن الوقت الذي بدأت فيه العملية نفسها في "الأكانثوستيجا"، أو أسلافنا من السَّمَك. والتوصل إلى أن حيوانات "الأكانثوستيجا" قد نمت حتى وصلت إلى حجمها النهائي تقريبًا، ولا تزال تمتلك عضدًا غضروفيًّا، يدعم فرضية أن رباعيات الأرجل الأولى كان لديها نمط حياة، يغلب عليه الطابع المائي بالدرجة الأولى، إنْ لم يكن حصريًّا، وذلك نظرًا إلى أن العضد الغضروفي ـ على الأرجح ـ لم يكن ليتحمل وزنًا ثقيلًا. ويشير هذا إلى أن الأطراف في الأساس كان لها غرض آخر على اليابسة، غير الحركة.

على أي حال، فإن أكثر النتائج إثارة للاهتمام ـ التي توصل إليها سانشيز وزملاؤه ـ تكمن في الفصل الواضح بين الحجم، ودرجة التعظُّم؛ حيث بلغ بعض الأفراد درجة التعظُّم نفسها في العظام الطويلة عند حجم أصغر بكثير من بقية الأقران. ويُعتقد أن "المرونة التطورية"، أي قدرة الكائن الحى على الاستجابة بمرونة للإشارات الخارجية المختلفة خلال حياته، تلعب دورًا مهمًّا في التطور7،6. وقد أوضحت دراسات الحفريات والبرمائيات الحديثة الروابط المعقدة والمذهلة بين المرونة التطورية، واستجابات الأفراد لإشارات الديناميكا السكانية والعوامل البيئية، بما في ذلك المنافسة بين الصغار، وطول فترة النمو، والعوامل المناخية، والافتراس8 , 9 , 10 , 11. وقد حدد سانشيز وزملاؤه في دراستهم مجموعتين من الأحجام (شكل رقم 1)، على الرغم من أن صغر حجم العينة يقيِّد التفسيرات فيما يتعلق بالدوافع المحتملة للمرونة. ومن المحتمل أنه كان هناك المزيد من مجموعات الأحجام، وهو ما قد يَظهَر عند ُّ المزيد من العينات.

<p>شكل رقم (1). المسارات التطورية المحتملة لكائن الأكانثوستيجا رباعي الأرجل. حَلَّل سانشيز وزملاؤه<sup><a href="#ref4">4</a></sup> التركيب المجهري الداخلي لحفرية عظام الطرف الأمامي في الأكانثوستيجا في الصغر. ووجد الباحثون أن التعظم بدأ في مرحلة متأخرة، بعدما نَمَت الحيوانات، حتى وصلت إلى حجمها الكامل تقريبًا، وأن هناك مجموعتين مختلفتين من الأحجام على الأقل (الأسهم الكاملة). وقد تمثِّل المجموعتان اختلافات في حجم الجسم للذكور والإناث، أو المرونة التطورية، استجابةً للعوامل الداخلية، أو البيئية. وربما كان هناك المزيد من مجموعات الأحجام (الأسهم المنقطة)، وهو ما قد تُظْهِره أحجام عيِّنات أكبر. </p>

شكل رقم (1). المسارات التطورية المحتملة لكائن الأكانثوستيجا رباعي الأرجل. حَلَّل سانشيز وزملاؤه4 التركيب المجهري الداخلي لحفرية عظام الطرف الأمامي في الأكانثوستيجا في الصغر. ووجد الباحثون أن التعظم بدأ في مرحلة متأخرة، بعدما نَمَت الحيوانات، حتى وصلت إلى حجمها الكامل تقريبًا، وأن هناك مجموعتين مختلفتين من الأحجام على الأقل (الأسهم الكاملة). وقد تمثِّل المجموعتان اختلافات في حجم الجسم للذكور والإناث، أو المرونة التطورية، استجابةً للعوامل الداخلية، أو البيئية. وربما كان هناك المزيد من مجموعات الأحجام (الأسهم المنقطة)، وهو ما قد تُظْهِره أحجام عيِّنات أكبر.


وبالنسبة إلى "الأكانثوستيجا"، قد يشير الفصل بين الحجم ودرجة التعظُّم في مرحلة الطفولة الطويلة إلى أن المرونة التطورية، وربما استراتيجيات تاريخ الحياة البديلة، كانت موجودة بالفعل في رباعيات الأرجل المبكرة. وربما تكون درجة المرونة التطورية العالية قد وفرت لأسلافنا الأوائل الوسائل للاستجابة للظروف الداخلية والبيئية المتغيرة، وبالتالي فقد يكون لها دور محوري في النجاح التطوري المبدئي، وما أعقبه من تنوُّع رباعيات الأرجل.

  1. Clack, J. A. Gaining Ground: The Origin and Evolution of Tetrapods 2nd edn (Indiana Univ. Press, 2012).

  2. Schneider, I. & Shubin, N. H. Trends Genet. 29, 419–426 (2013).
  3. Standen, E. M., Du, T. Y. & Larsson, H. C. E. Nature 513, 54–58 (2014).
  4. Sanchez, S., Tafforeau, P., Clack, J. A. & Ahlberg, P. E. Nature 537, 408–411 (2016).
  5. Fröbisch, N. B., Olori, J. C., Schoch, R. R. & Witzmann, F. Semin. Cell Dev. Biol. 21, 424–431 (2010).
  6. Moczek, A. P. et al. Proc. R. Soc. B 278, 2705–2713 (2011).
  7. West-Eberhard, M. J. Developmental Plasticity and Evolution (Oxford Univ. Press, 2003).
  8. Schoch, R. R. Annu. Rev. Earth Planet. Sci. 37, 135–162 (2009).
  9. Schoch, R. R. Evolution 63, 2738–2749 (2009).

  10. Urban, M. C., Richardson, J. L. & Freidenfelds, N. A. Evol. Appl. 7, 88–103 (2014).
  11. Whiteman, H. H. et al. Oecologia 168, 109118 (2012).