أنباء وآراء

اكتشاف الأدوية: تصميم الأفيون المثاليّ

تطوير دواءٍ يحاكي المفعول المخفِّف للألم، الخاص بالمُرَكَّبات الأفيونيّة، لكن بآثار جانبيّة أقل، يُلَمِّح إلى استراتيجيّة فعّالة لاكتشاف أنواع كثيرة من الأدوية.

بريجيت إل. كييفر
  • Published online:

لطالما استُخدم الأفيون طبّيًّا وترفيهيًّا على مدار أكثر من 4000 عام؛ وذلك بسبب خصائصه المميزة في تخفيف الألم وإحداث النشوة1. واليوم، تَصَاعَدَ2 سوء استخدام الأفيون، الذي يتم وصفه طبّيًّا، مثل المورفين ومشتقّاته، كما يمثّل إدمان الهيروين عبئًا عالميًّا على الصحّة والمجتمع. إنّ النوع المثالي من الأفيون هو ذلك الذي يسكّن الألم بشكل فعّال، دون التسبب في حدوث آثار المورفين الضارّة بالتنفّس، ويُظْهِر فعاليّةً مستمرّة في المعالَجات المزمنة، ولا يسبب الإدمان. وفي بحث نُشر مؤخرًا، يستعرض مانجليك وزملاؤه3 خطوةً جديدة نحو صنع هذا الدواء المثاليّ.

كانت مسيرة طويلة. فقد اعتقد الباحثون ـ بسذاجة ـ سابقًا أن تحديد بروتينات مستقبِلات المورفين سيؤدي إلى إمكانية توصيل الأفيون المثاليّ بشكل سريع. ففي أوائل التسعينات، تم عزل ثلاثة من جينات مستقبِلات الأفيون (OR) التي تُشَفِّر المستقبِلات المقترنة ببروتين جي (GPCRs) من نوع ميو (μOR)، ودلتا، وكابّا4. وكَشَفَ الاختلال الجينيّ في μOR في الفئران أن هذا البروتين يتوسّط عملية تخفيف الألم التي يُحْدِثها المورفين، وتأثيرات أخرى، كالشعور بالمكافأة والاتكاليّة5. واقترن هذا الاكتشاف بحقيقةٍ مفادها أن آلاف الأدوية ذات الصلة بالمورفين ليست أفضل دوائيًّا من الأفيونيات التقليديّة؛ ما ثبط من حماس العلماء لتطوير أدوية تستهدف μOR. وتبيَّن بعد ذلك أن الأدوية المختلفة التي تعمل على نوع معين من المستقبِلات بإمكانها استثارة استجابات تأشير متباينة6، ففتح هذا الكشف الباب لإمكانيّة تصميم أفيونيات "متحيِّزة" تنشِّط مسارات التأشير المرتبطة بالعلاج، لا التي تُولِّد آثارًا غير مرغوب فيها، إلا أن الأمر تَطَلَّب تحقيق إنجازٍ مهمّ آخر لنقل المجال إلى المستوى التالي، وهو تطوير طريقةٍ لبَلْوَرَة بروتينات الغشاء تلك، النادرة وغير المستقرة. غيّرت هذه التقنية من شكل الأبحاث الخاصة ببروتينات GPCR، ما أدّى إلى اتضاح بنية عديد من البروتينات7، منها μOR (المرجع 8). واليوم، يسمح توافر هذه البِنَى البلوريّة للباحثين فحص بروتينات GPCR في شكليهما النشط وغير النشط، والطرق التي تربط بها ربيطاتها، في سبيل تيسير اكتشاف الأدوية، تقوم على الشكل البنيوي9.

وضِمْن الجهود المبذولة، قام مانجليك وزملاؤه بالبحث عن جزيء بإمكانه الارتباط بـμOR، بهدف استخدام قوة عمليات الإرساء الحاسوبي لإيجاد هياكل أفيونيّة جديدة (أنماط كيميائيّة)، على أمل أن تتمكّن بعضها من تثبيت μOR في هيئات غير مستكشفةٍ بعد، وإظهار أشكال تأشير مميزة ومتحيّزة، وربما توليد آثار بيولوجيّة لم تُر من قبل.

قام الباحثون بإرساء 3 ملايين جزيء متوافرٍ تجاريًّا على موقع ربط μOR، باستخدام الطرق الحاسوبية، واختبروا تكامل أكثر من مليون هيئة لكلّ مركَّب مع موقع الرّبط، وفحصوا بالنظر الجزيئات الـ2,500 الأفضل ملاءمة؛ لمعرفة الجزيئات ذات الأنماط الكيميائيّة غير المرتبطة بالأفيونات المعروفة. اختار الباحثون 23 مركَّبًا للاختبار التجريبيّ، وأنتجت دورات اختبار الإرساء الإضافيّة مجموعة من الجزيئات ذات أنماط كيميائيّة جديدة، ووضعيّات رسوّ غير تقليديّة في مواقع الربط بالمُسْتَقْبِلات، وألفة ارتباط وانتقائيّة مقبولتان لـμOR.

يستثير تنشيط μOR تتالي تأشيرٍ رئيسيين، واللذان يتضمّنان بروتينيْ Gi/o وبيتا أرستين. وقد وجد مانجليك وزملاؤه أن للمركّب رقم 12 من بين جزيئاتهم الـ23 نشاطٌ عالي التحيّز لتأشير Gi/o. ومما يلفت الانتباه في ذلك أنه يُعتقد10 أن نواهض μOR (منشّطاته) ضعيفة الاندماج مع تأشير بيتا أرستين تخفف الألم بفعاليّة أكبر وتسبِّب أعراضًا جانبيّة أقلّ عن النواهض التي تؤدي إلى تنشيط هذا المسار بقوة. وبالفعل، تمّ تطوير دواءٍ سُمي TRV130 غير مرتبطٍ بالمركّب رقم 12، أو بأيٍّ من الأدوية ذات الصلة بالمورفين، باستخدام الوسائل التقليديّة لتنقية الأدوية، وهو حاليًّا في المرحلة الثالثة من التجارب الإكلينيكية11. وفي الخطوة النهائيّة لتحقيق المركّب الأمثل، استخدم الباحثون معلومات الإرساء الخاصّة بالمركّب رقم 12 لصنع دواءٍ سُمي PZM21 (شكل 1)، قارنوه بالمورفين ودواء TRV130.

<p>الشكل 1 | بيولوجيا جديدة لمُسْتَقْبِل قديم. أ: يُشتقّ الجزيء الأفيونيّ "المورفين" من الخُشخاش، ويرتبط المورفين ببروتين مُسْتَقْبِل أفيوني من النوع μOR)μ) في أدمغة الثدييات، ليكوّن مركَّبًا نشطًا ذا بروتينات تأشير، منها Gi/o وبيتا أرستين. ويُعتقَد أن مسار تأشير Gi/o يتوسط خصائص المورفين المخفِّفة للألم، بينما يتسبب تأشير بيتا أرستين في آثار جانبيّة غير مرغوبة، كالنشوة التي قد تؤدي إلى الإدمان، وكذلك التثبيط التنفسيّ، وآثار أخرى على الجهاز الهضميّ. ب: استخدم مانجليك وزملاؤه<sup><a href="#ref3">3</a></sup> البنية البلورية الخاصة بـ μOR لتطوير برنامج حاسوبيّ للتنقية. أرسى الباحثون 3 ملايين جزيء في موقع الربط في μOR، وانتقوا أفضل الجزيئات المرشّحة واختبروها، ثم عَدَّلوها لتحقيق الشكل الأمثل لإنتاج الدواء PZM21. ينتج هذا المركّب تأشيًرا عالي التحيّز لـGi/o، ويقلل الألم في الفئران بفعالية، بدون آثار أخرى واضحة. (يرمز Me إلى الميثيل)</p>

الشكل 1 | بيولوجيا جديدة لمُسْتَقْبِل قديم. أ: يُشتقّ الجزيء الأفيونيّ "المورفين" من الخُشخاش، ويرتبط المورفين ببروتين مُسْتَقْبِل أفيوني من النوع μOR)μ) في أدمغة الثدييات، ليكوّن مركَّبًا نشطًا ذا بروتينات تأشير، منها Gi/o وبيتا أرستين. ويُعتقَد أن مسار تأشير Gi/o يتوسط خصائص المورفين المخفِّفة للألم، بينما يتسبب تأشير بيتا أرستين في آثار جانبيّة غير مرغوبة، كالنشوة التي قد تؤدي إلى الإدمان، وكذلك التثبيط التنفسيّ، وآثار أخرى على الجهاز الهضميّ. ب: استخدم مانجليك وزملاؤه3 البنية البلورية الخاصة بـ μOR لتطوير برنامج حاسوبيّ للتنقية. أرسى الباحثون 3 ملايين جزيء في موقع الربط في μOR، وانتقوا أفضل الجزيئات المرشّحة واختبروها، ثم عَدَّلوها لتحقيق الشكل الأمثل لإنتاج الدواء PZM21. ينتج هذا المركّب تأشيًرا عالي التحيّز لـGi/o، ويقلل الألم في الفئران بفعالية، بدون آثار أخرى واضحة. (يرمز Me إلى الميثيل)


في الفئران، كانت فعالية PZM21 في تخفيف الألم تضارع فعالية المورفين، وتَفُوقها في المدّة، وقد خفّف PZM21 عمليات الاستجابة للألم التي تتم بواسطة الجهاز العصبيّ المركزيّ، وليس على مستوى العمود الفقري. ولم يسبق أن سُجِّل مثل هذا النشاط في ناهضٍ لـμOR، وهو يُحتمل أن يكون ذا قيمةٍ علاجيّة في استهداف مكوّنات الألم الذي يتواسطه الجهاز العصبيّ المركزيّ. كما تَسَبَّب هذا المركّب في الإصابة بالإمساك بدرجة أقلّ مما يفعل المورفين، ولم يؤثر على النشاط التنفسيّ. وللمفاجأة، لم تُظهِر الفئران تفضيلًا لغرفة الاختبار التي تلقَّت فيها دواء PZM21 عن تلك التي تلقَّت فيها محلولًا ملحيًّا، كما لم يسبِّب المركّب إفراطًا في النشاط. وتلك علامات للسلوك الشبيه بالإدمان، التي قد تظهر في الفئران.

في كلّ الأحوال، خَفَّف دواء TRV130 الألمَ بفعالية، وأحدث تثبيطًا تنفسيًّا خافتًا لا يتسبب في خلق تفضيلٍ واضح للأماكن. وبالتالي، وعلى الرغم من الآثار المختلفة بعض الشيء في الجسم الحيّ، إلا أن الخصائص المخفِّفة للألم ـ الخاصة بدواءPZM21، ودواء TRV130 ـ تلغي الآثار السلبيّة التي تُلاحَظ عادةً مع استعمال المورفين. لذا.. تطرح دراسة مانجليك وزملائه بوضوحٍ أملًا في تصميم نواهض μOR متحيّزة لـ Gi/o؛ للتحكم في الألم.

وليس ثمة شك في أن عملية التنقية الحاسوبيّة على أساس الشكل البنيوي ستسرِّع خطوات اكتشاف الأدوية12، إذ يقدِّم البحث الحاليّ نموذجًا مبهرًا لقدرة هذه التقنيّة على توليد أنماط كيميائيّة بشكل فعال، وتسهيل تحقيق الوضع الأمثل للجزيئات المرشّحة بشكل سريع، وبأقلّ درجة من الاختبار التجريبيّ، وكذلك اكتشاف جزيئات لها نشاط بيولوجي جديد مبتكر. ومن شأن أدوات الإرساء ذات الوصول المفتوح، والمتاحة حاليًّا، مثل (http://blaster.docking.org) أن توسِّع مجال ممارسة هذا النهج.

بيد أن تحدّيات كثيرة تقبع في طريق البحوث المتعلقة بإرساء الربيطات. فبشكل خاص، لا يزال توقُّع النشاط المتحيّز صعب المنال، كما لم يكن هدفًا من أهداف الدراسة الحالية، إلا أن مانجليك وزملاءە وجدوا بالفعل أن دواء PZM21 ودواء TRV130 يتخذان وضعيّات إرساء مختلفة في جيب الربط في μOR. وهكذا، فإن التفاعلات الجزيئيّة الشائعة في مركَّبَي PZM21–μOR، وTRV130–μOR تستحق مزيدًا من الاهتمام؛ إذ قد تسهم في التنشيط الانتقائيّ لـGi/o.

وما يزال غير مؤكد ما إذا كانت آثار دواء PZM21 في الجسم الحيّ تعكس النشاط المتحيّز لـGi/o فقط، أم لا. فالتشابهات في الفارماكولوجيا الخاصة بالدوائين  PZM21، وTRV130 تميل إلى تأييد طرق العمل المشتركة للمركَّبَين، التي يُعتقد نبوعها من تأشير Gi/o. ومن ناحيةٍ أخرى، تشير تحليلات الباحثين لعملية الإرساء إلى أن المركّبَين يلتحمان ببقايا الأحماض الأمينيّة لـμOR بطرقٍ مختلفة، كما يُظهِران نشاطاتٍ متعارضة عند الارتباط بمستقبِلات الأفيونيات من نوع كابا في الخلايا، ولهما نشاطات دوائيّة مختلفة في الجسم الحيّ. ولم ينظر الباحثون في تكوين الحيوانات تَحَمُّلًا ما للدواء PZM21، كما أن ثمّة نشاطات أخرى للدواء داخل الجسم الحيّ لم تُكْتَشَف بعد. لذا، تَلْزَم دراسة الأنشطة المشتركة والمختلفة لكلٍ من PZM21، وTRV130 في أدمغة الكائنات الحية، وهو ما قد يكشف عن الأنشطة التي تحدث عند مستوى الشبكات الدماغيّة.

باختصار، تُعَدّ دراسة مانجليك وزملائه بمثابة توضيح مدهش لحقيقة أن الأنماط الكيميائية الجديدة بإمكانها طرح فرص بيولوجيّة غير عادية، خاصة في دراسة الأفيونيات. فهل نقترب من الوصول إلى مسكِّن الألم المثاليّ؟ يُعَدّ دواء PZM21 عضوًا رائدًا في مجموعة ناشئة من نواهض μOR الفعالة ضد الألم، التي يبدو أن خطورة تَعَرُّضها لسوء الاستخدام منخفضة. وهذه الأدوية ليست أفيونات بالضبط، ويُفترض أن تؤدي طرق الاكتشاف التي تعتمد على الشكل البنيوي إلى زيادة عددها، وتحسين فرص وصول دواءٍ ناجحٍ إلى الأسواق، بعد طول انتظار.

  1. Brownstein, M. J. Proc. Natl Acad. Sci. USA 90, 5391–5393 (1993).
  2. Trang, T. et al. J. Neurosci. 35, 13879–13888 (2015).
  3. Manglik, A. et al. Nature 537, 185–190 (2016).
  4. Kieffer, B. L. & Gavériaux-Ruff, C. Prog. Neurobiol. 66, 285–306 (2002).
  5. Matthes, H. W. et al. Nature 383, 819–823 (1996).
  6. Galandrin, S., Oligny-Longpré, G. & Bouvier, M. Trends Pharmacol. Sci. 28, 423–430 (2007).
  7. Kobilka, B. & Schertler, G. F. Trends Pharmacol. Sci. 29, 79–83 (2008).
  8. Manglik, A. et al. Nature 485, 321–326 (2012).
  9. Audet, M. & Bouvier, M. Cell 151, 14–23 (2012).
  10. Raehal, K. M., Schmid, C. L., Groer, C. E. & Bohn, L. M. Pharmacol. Rev. 63, 1001–1019 (2011).
  11. DeWire, S. M. et al. J. Pharmacol. Exp. Ther. 344, 708–717 (2013).
  12. Shoichet, B. K. & Kobilka, B. K. Trends Pharmacol. Sci. 33, 268–272 (2012).